تركيا.. غلاء فاحش في الأسعار يعصف بكافة القطاعات ويزيد متاعب المواطنين وتحديات الحكومة 

حجم الخط
2

أنقرة – “القدس العربي”:

تضرب موجة غير مسبوقة من الغلاء الفاحش في الأسعار كافة القطاعات الحيوية في تركيا في الأسابيع الأخيرة وهو ما زاد من المتاعب الاقتصادية للمواطنين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط وفرض تحديات كبيرة على الحكومة التي تحاول السيطرة على الأسعار وتقليل الآثار السلبية على المواطنين في محاولة لسحب “ورقة الاقتصاد” من يد المعارضة التي تسعى لاستغلالها حيث يجمع محللون على أن الاقتصاد واللاجئين ستكونان أخطر ورقتين بيد المعارضة بالانتخابات المقبلة التي توصف بـ”الحاسمة” وتسعى فيها المعارضة لإنهاء حكم حزب العدالة والتنمية المتواصل منذ نحو 19 عاماً.

وفي الأشهر الماضية ونتيجة للتراجع الكبير في قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي وللصعوبات الاقتصادية التي مرت بها البلاد عقب انتشار جائحة كورونا ارتفعت معدلات التضخم لمستويات عالية وهو ما ولد زيادة تدريجية في الأسعار في معظم القطاعات تسببت في متاعب اقتصادية عميقة للمواطنين المتضررين أصلاً من انخفاض قيمة العملة التركية وزيادة التضخم وجائحة كورونا وتبعاتها.

لكن الأسابيع الأخيرة شهدت موجة أعنف من غلاء الأسعار الفاحش وهو ما تحول إلى الهم الأول للمواطنين الذين يشتكون من غلاء استثنائي طال كافة مناحي الحياة لا سيما في أسعار المواد الغذائية والخضار والفواكه إلى جانب أسعار العقارات وإيجارات المنازل والذي ترافق مع الارتفاع الكبير في الطلب على إيجارات الشقق في المدن الكبرى مع عودة المدارس والجامعات إلى التعليم وجهاً لوجهاً عقب أكثر من عام على الإغلاق والتعليم الإلكتروني بسبب انتشار جائحة كورونا.

وشهدت أسعار إيجار الشقق السكنية في المحافظات الكبرى لا سيما إسطنبول التي ارتفع فيها الطلب بشكل كبير جداً إلى مستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت الإيجارات بمستويات مختلفة من منطقة إلى أخرى، وتفاوت الارتفاع بين 50 إلى 100 بالمئة وسط ارتفاع كبير على الطلب وتراجع في الشقق المعروضة والمتاحة للتأجير وسط احتياج كبير من قبل المواطنين العائدين بالملايين إلى جامعاتهم والموظفين العائدين إلى قطاع التعليم بشكل خاص.

وبينما يعزو محللون الارتفاع الكبير في الأسعار إلى الارتفاع المفاجئ والكبير في الطلب، يرى اقتصاديون أن العوامل الاقتصادية المباشرة يبقى تأثيرها محدوداً ولا يوصل الارتفاع لهذه النسبة لافتين إلى وجود تداخل كبير بين العوامل السياسية والاقتصادية ومنها ارتفاع الطلب والارتفاع الكبير في معدلات التضخم وزيادة شراء العقارات من قبل الأجانب إلى جانب عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي وهو فتح الباب واسعاً أمام التلاعب في الأسعار من قبل الشركات والتجار.

وإلى جانب العقارات، شهدت الأسواق ارتفاعاً كبيراً في أسعار الخضار والفواكه إلى جانب الارتفاع في أسعار المواد الغذائية الأساسية والكمالية، حيث يعزو التجار ارتفاع الأسعار إلى انخفاض قيمة العملة المحلية وبالتالي ارتفاع تكلفة المواد الخام والطاقة المستوردة من الخارج وبالتالي ارتفاع تكلفة الإنتاج، لكن الحكومة تقول إن هناك استغلالا ورفعا غير عادل للأسعار وتوعدت رافعي الأسعار.

وقبل أيام، أقر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه يعلم بحجم الغلاء في الأسعار الذي تمر به البلاد، ووعد بأن حكومته تعمل على خفض معدلات التضخم في أقرب وقت من أجل خفض الارتفاع الذي أكد أنه “فاحش” في الأسعار، وتوعد بمحاربة “المستغلين” من التجار الذي “يستغلون الظروف لرفع الأسعار بشكل كبير على المواطنين”.

والأحد وفي مؤتمر صحافي قبيل مغادرته إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة أكد أردوغان أن حكومته ستفرض رقابة مشددة على أسعار المواد الغذائية في الأسواق وأنه سيتابع القضية عن كثب عقب عودته من نيويورك.

وخلال الأيام الماضية، أعلنت الحكومة عن إجراءات مكثفة للرقابة على رافعي الأسعار في قطاعات مختلفة منها الأسواق وكبار تجار المواد الغذائية والخضروات والأسواق الشعبية وصولاً إلى أسعار السيارات وسلاسل الماركت، وجرى الحديث عن مقترحات يجري بحثها لآلية رقابة على أسعار بيع وتأجير العقارات.

لكن المعارضة تشكك في جدوى هذه الإشعارات، وتعتبر أن الارتفاع الفاحش في الأسعار ناتج عن تراجع الأوضاع الاقتصادية وسوء الإدارة الاقتصادية للبلاد، مشيرين إلى تراجع قيمة احتياطات البنك المركزي وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملية المحلية، محملة الحكومة ومسؤولين ارتفاع الأسعار ومشككة في جدوى إجراءاتها الأخيرة.

وقال فائق أوزتراك الناطق باسم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة مخاطباً أردوغان: “تهدر أموال البنك المركزي وتسيء لاعتباره، تضيق على المزارعين بالضرائب ثم تشتكي من ارتفاع التضخم والأسعار، أنتم تشتكون لمن؟ من يحكم البلاد منذ 20 عاماً؟ هل تعتقدون أنكم بمراقبة الأسواق أمام الكاميرات وبتزوير الأرقام يمكنكم خفض أرقام التضخم؟”.

ومنذ أسابيع، تضع زعامات كافة أحزاب المعارضة التركية الملف الاقتصادي على رأس أجندة أولوياتها ويتجول زعماء المعارضة يومياً في الأسواق وبين صغار التجار وأصحاب الدكاكين في المحافظات التركية المختلفة ويسألون عن الوضع الاقتصادي والصعوبات التي تواجه المواطنين وتراجع المبيعات وارتفاع الأسعار والضرائب وغيرها من الملفات، وذلك في إطار الاستعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة منتصف 2023 والتي تضغط المعارضة لإجرائها بشكل مبكر.

في المقابل، تحاول الحكومة سحب “ورقة الاقتصاد” من يد المعارضة قبيل الانتخابات المقبلة، وعلى الرغم من الأرقام الاقتصادية غير المسبوقة التي حققها الاقتصاد التركي من حيث أرقام النمو غير المسبوقة التي بلغت 22 بالمئة بالمرتبة الثانية عالمياً ووصول الصادرات إلى أرقام استثنائية بأكثر من 200 مليار دولار سنوياً وتحسين احتياطات البنك المركزي وغيرها، إلا أن هذه الأرقام لم تنعكس بشكل مباشر على المستوى الاقتصادي للمواطنين الذين يشتكون من ارتفاع التضخم والأسعار بمستوى أكبر بكثير من دخولهم الشهرية.

وما زال الرئيس التركي يصر على أن التضخم هو نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة على عكس ما يطالب به الاقتصاديون في البلاد بمزيد من الرفع لأسعار الفائدة من أجل وقف تراجع قيمة الليرة التركية، ومن المتوقع أن تعقد لجنة السياسات المالية اجتماعاً نهاية الأسبوع الجاري وسط تكهنات بإمكانية البدء بخفض أسعار الفائدة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الدائنين وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة بدرجة أساسية وسط تحذيرات من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تبعات اقتصادية سلبية في جوانب أخرى أبرزها مزيد من الانخفاض من قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية