مضى عام كامل على ثورة الشباب في منتزه «غزي» قرب ساحة تقسيم الشهيرة في اسطنبول. وقد أحيت بعض مجموعات نشطائها هذه الذكرى بالنزول مجدداً إلى الشوارع في اسطنبول وعدد من المدن الأخرى. فحدثت صدامات بينها وبين قوات الشرطة التي سدت جميع المنافذ إلى الساحة منعاً لاحتلالها من الجموع الغاضبة من حكم أردوغان البطريركي المديد.
حركة الاحتجاج التي اندلعت شرارتها، في الثلاثين من شهر أيار/مايو 2013، بسبب قطع أشجار الحديقة التي يحسب عمر بعضها بمئات الأعوام، تحولت إلى ثورة شعبية واسعة شملت نحو ثمانين مدينة واستمرت أسبوعين، ولم تخمد تماماً بفعل القمع واليأس إلا بعد أكثر من شهر. وبلغت فاتورتها سبعة قتلى من المتظاهرين، وتسعة فقدوا البصر بسبب الغازات المسيلة للدموع التي استخدمت قوات الشرطة أطناناً منها، إضافة إلى مئات المعتقلين.
لم يخف على مراقب أن ثورات الربيع العربي ألهمت نشطاء ثورة «غزي» الذين طبعوا ثورتهم بلمساتهم الخاصة أيضاً. ومن المحتمل أن هذا ما بث الرعب في السلطة ودفعها إلى مواجهة الحركة بشراسة لا تتناسب مع طابعها السلمي المدني. أعني أن الخوف من تحول الاحتجاجات المحدودة في بدايتها إلى ثورة واسعة النطاق تطيح بالحكومة، كما حدث في تونس ومصر خلال أسابيع قليلة، هو ما دفع بأردوغان إلى مواجهتها بكم من العنف ارتد عليه سلباً فأجج النقمة عليه أكثر ووسع نطاق الحركة حتى امتدت إلى جميع أنحاء البلد.
كانت ثورة «غزي» محكوما عليها بالفشل سلفاً، إذا حاسبناها بمعايير ثورات الربيع العربي، أي بمعيار النجاح في الإطاحة بأنظمة دكتاتورية، لسبب بسيط هو أن النظام السياسي في تركيا يقوم على تداول السلطة بواسطة انتخابات دورية. هذا يعني أنه لا يمكن لثورة شعبية في تركيا أن تطيح بحكومة وصلت إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع. الواقع أن ناشطي «غزي» لم يضعوا لأنفسهم هدفاً من هذا النوع، وإن كانوا يأملون أن يدفع زخم حراكهم الحكومة إلى الاستقالة، ليستثمروا ذلك في التخلص من الحكم المديد لحزب العدالة والتنمية الذي لا يبدو في الأفق القريب أنه يمكن أن يفقد قاعدته الاجتماعية الراسخة بسهولة.
غير أن ما يجمع ثورة «غزي» إلى ثورات الربيع العربي إنما هو الانتصار على حالة اليأس وكسر جدار الخوف واكتشاف القوة الاجتماعية التي تنبثق من تضامن أفراد متفرقين بأعداد كبيرة يحركهم الأمل. بهذا المعيار، ليس فقط أن ثورة غزي لم تفشل، بل إنها فتحت أفقاً جديداً في الحياة السياسية في تركيا التي طالما تنازعتها استقطابات حادة بين الإسلام والعلمانية، والكرد والنزعة القومية التركية المتشددة، والسنة والعلويين، واليسار واليمين، والحياة السياسية المدنية والوصاية العسكرية، والانفتاح على العالم والانغلاق القومي.
تشكل العمود الفقري من حراك «غزي» من شبان وشابات الطبقة الوسطى من غير المهتمين بالسياسة. أبناء عائلات ثرية وأصحاب الياقات البيضاء والمهن التي تدر دخولاً مرتفعة، إضافة إلى روابط مشجعي الأندية الرياضية الكبيرة، نادي بشكتاش بصورة خاصة، ومثقفون وفنانون من مختلف المشارب.. هل كان يمكن لهذه الحركة الاحتجاجية غير المسبوقة أن تمر من غير أن تعمل أحزاب المعارضة التقليدية على استثمارها لصالحها؟ ما أن استوعبت تلك الأحزاب صدمة الأيام الأولى ورأت امتداد الحركة واتساعها في المكان والزمان، حتى نزلت إلى الساحات وشاركت في المظاهرات رافعة أعلامها ورموزها. كل الخصوم التقليديين للحكومة رأوا فيها فرصتهم التاريخية للتخلص منها، وهم العاجزون عن تحقيق الفوز في الانتخابات بسبب فشلهم المزمن في تقديم بديل مقنع للناخب التركي. ولم يخل الأمر من عناصر استفزازية اندست في المظاهرات السلمية وألقت بالحجارة أو زجاجات المولوتوف على قوات الشرطة لتحريضها على زيادة جرعة العنف. يمكن تلخيص العام الذي مضى على ثورة «غزي» بأنه عبارة عن خط منحدر باطراد لهيبة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي فقد، منذ ذلك الوقت، البوصلة وأخذ يفقد أعصابه بتواتر ويرى في كل ما حوله مؤامرةً تستهدفه. هو الذي اعتمد على شعبيته الراسخة فراح يتصرف كحاكم فرد يحق له أن يفعل ما يشاء، ما دامت صناديق الاقتراع تمنحه السلطة والتفويض مرة بعد مرة. لم تمض أشهر قليلة على سحقه ثورة «غزي» حتى جاءت فضائح الفساد التي طالت عدداً من وزراء حكومته إضافة إلى ابنه بلال، فأطلق حرباً شعواء على «جماعة الخدمة» بقيادة حليفه السابق الداعية الإسلامي المعتدل فتح الله غولن. حرباً ما زالت فصولها تتوالى، وقد أعلن أردوغان أن هدفه منها «اجتثاث» الجماعة من بيروقراطية الدولة. لم تقتصر قائمة ضحايا هذه الحرب على الآلاف من أفراد الشرطة وضباطها وقضاة وموظفين في مختلف الوزارات ومعلمين في المدارس وصحافيين وإعلاميين، بل تعدتها إلى حجب مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت التي لعبت دوراً كبيراً في كشف فضائح الفساد.
إن حجب الحكومة لمواقع تويتر ويوتيوب وانتستغرام في بلد ديمقراطي، هو فضيحة إضافية تنال من اعتبار الحكومة ورئيسها بدلاً من حمايتهما.
ما الذي تبقى من روح «غزي»؟
المظاهرات التي اندلعت في ذكراها السنوية تعطينا الجواب: إيمان المتظاهرين بأنهم يستطيعون أن يفعلوا الكثير إذا تضامنوا معاً. وقد رأوا ثمار حركتهم في بقاء منتزه غزي بأشجاره المعمرة، وفي اهتزاز سطوة أردوغان وهيبته على رغم فوز حزبه في الانتخابات البلدية، وعلى رغم استعداده للصعود إلى القصر الرئاسي بعد أشهر قليلة.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي