لندن- “لقدس العربي”:
إن المأزق الحقيقي الذي وقع فيه تحالف المعارضة التركية قبل ساعات فقط من الاقتراع لجولة الانتخابات الرئاسية الثانية، مؤشر حيوي على خطأ في الحسابات وتضليل في البيانات والمزاعم والادعاءات. وحسابات خاطئة في التكتيك والمواجهة أيضا، خصوصا بعدما تبين أن التحالف المعارض، الذي يمثل سته أحزاب ضد تحالف الرئيس رجب طيب أردوغان مع الحركة القومية، لم يكن جاهزا تماما لمعطيات الحملة الدعائية التي تبنى على عدم الحسم في الجولة الأولى.
وهنا بدا واضحا لجميع المراقبين في أنقرة وإسطنبول سياسيا وإعلاميا بأن الرئيس أردوغان أقرب للحسم عمليا، وبنتائج قد لا تشكل فارقا كبيرا وسط توقعات بأن لا يقل عدد المواطنين الذين سيذهبون في الجولة الثانية إلى صناديق الاقتراع عن 50 إلى 60 مليون ناخب.
وهؤلاء ستتقاسمهم بالتأكيد حملة الرئيس أردوغان وحملة خصمه كليتشدار أوغلو، لكن ليس بنسبة متوازية.
والتوقعات في آخر لحظات قبل ساعات من الاقتراع تشير إلى أن جاهزية حملة الرئيس أردوغان قد تمنحه ما لا يقل عن 26 مليون صوت على الأقل في هذه الجولة، لأن حزب العدالة والحركة القومية مصرّان على تحقيق تفاضل عددي كبير في ذهاب المواطنين إلى الصناديق.
ثم إن نسبة من اليائسين من الأطراف، الذين هم شعبيا في الاتجاه المضاد لأردوغان، قد لا تذهب إلى الصناديق، خصوصا وأن المجموعات والتعبيرات الحزبية الاجتماعية الكردية التي حصلت على مقاعد لا يستهان بعددها تزيد عن 40 مقعدا في البرلمان، أنهت الفصل الأول عمليا من مواجهتها بالحصول على ما تريده من تحالف الأحزاب الستة المعارضة بحصة معقولة تمثل الأكراد وأطيافهم وشرائحهم السياسية في البرلمان.
وبالتالي من سيكون رئيسا للبلاد بموجب الجولة الثانية ليس أمرا يهتم به الأكراد كثيرا، على الأقل في هذه المرحلة.
وعليه، يتوقع الخبراء تعويما في الأصوات الكردية المنظمة وسط الجاهزية التي يظهرها تحالف الرئيس أردوغان، وثمة من يتوقع من المحللين وقراء البيانات والاستطلاعات في اللحظات الأخيرة، أن حجم التصويت في الجولة الثانية لمرشح المعارضة قد لا يزيد في أفضل الأحوال عن 22 مليون ناخب. وقد يقل بقليل عن ذلك، وهو ما يمنح الأغلبية بطبيعة الحال إلى حملة الرئيس أردوغان، وفقا لقراءة الناشط السياسي محمد عرفة الذي يراقب التفاصيل ومراكز الاقتراع.
أما الآن، فكل مقاهي ومطاعم ومجالسات وأبنية أنقرة وإسطنبول مشغولة إعلاميا وسياسيا بتفاصيل الساعات الأخيرة. وحالة السجال وصلت إلى مستويات متقدمة.
لكن الجميع يتوافق على أن المعارضة وبعد خسارتها رغم تحالف ستة أحزاب كبيرة للانتخابات وللأغلبية في البرلمان قد تتجه نحو معالجة مختلفة نسبيا عن المعطيات التي يمكن قراءتها على سطح الأحداث.
والمأزق هنا أن المعارضة حصلت على نحو 180 مقعدا في البرلمان، وتحالف حزب العدالة حصل على 320 مقعدا.
وبالتالي، فإن الانطباع السياسي المبكر هو أن البند الأساسي في جدول أعمال مرشحي المعارضة من الصعب تحقيقه في ظل أغلبية لخصومهم داخل البرلمان، إذ يحتاج الاستغناء عن النظام الرئاسي والعودة للنظام القديم إلى قراءة بتصويت يصل إلى 400 صوت من أصل 600 صوت في البرلمان.
وهو رقم من المستحيل تحقيقه، حتى لو خسرت تحالفات العدالة الجولة الثانية من الانتخابات لأنه ومن أجل العبور لهذا الرقم يحتاج تحالف المعارضة إلى نحو 130 إلى 140 صوتا على الأقل من حزب العدالة والتنمية، وهو أمر من الصعب تسجيله أو اختراقه أو إنجازه حتى هذه اللحظة.
و حتى في حال تحقيق الاختراق الكبير، فإن من سيشكل الحكومة هو حزب الأغلبية بالنتيجة، وهو هنا طبعا حزب العدالة والتنمية، مما يعيد الأمور إلى نصابها كما كانت أصلا قبل انتخابات الرئاسة وهذا هو المأزق الأكبر، لأن إسقاط النظام الرئاسي في حال فوز المعارضة أساسا يعني أن يعهد للأغلبية البرلمانية بتشكيل حكومة سيكون حتما رئيسها أردوغان، ما يجعل كل الممرات في المحصلة عند المعارضة تقود إلى حضن أردوغان مهما حصل.