إسطنبول ـ «القدس العربي»: ارتفع إجمالي عدد ضحايا كارثة «زلزال العصر» في تركيا إلى أكثر من 100 ألف قتيل وجريح وملايين النازحين والمشردين الذين دمرت مدنهم بالكامل، في حين يواصل عشرات آلاف من فرق الإنقاذ المحلية والدولية عملهم ليلاً ونهاراً في محاولة للوصول إلى معجزات جديدة بالعثور على ناجين عقب مرور أكثر من 130 ساعة على وقوع الزلزال المدمر.
وفي أحدث إحصائية رسمية، أعلن وزير الصحة التركي فخر الدين قوجه ارتفاع عدد ضحايا الزلزال إلى 20665 قتيلاً وأكثر من 80 ألف جريح، حيث جرى نقل قرابة 20 ألف جريح إلى مستشفيات في ولايات تركية أخرى وسط خشية من انهيار القطاع الصحي نتيجة الارتفاع الهائل في أعداد المصابين.
البحث عن معجزات
ورغم مرور 6 أيام على وقوع الزلزال، تتواصل أعمال الإنقاذ والبحث عن ناجين تحت ركام المنازل المدمرة وسط آمال بمزيد من المعجزات التي لا تزال تسجل كل ساعة، حيث تنجح فرق إنقاذ مختلفة في الوصول إلى ناجين ما زالوا على قيد الحياة تحت الركام.
إلا أن أرقام من يجري الوصول لهم أحياء تتقلص بشكل متسارع ومع مرور كل ساعة جديدة لا سيما عقب مرور أكثر من 130 ساعة على وقوع الكارثة واستمرار انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات متدنية وتساقط الثلوج في بعض المناطق إلى جانب عدم كفاية طواقم الإنقاذ الوطنية والدولية في العمل بكافة العمارات السكنية المهدمة في وقت واحد حيث إن الكثير من المناطق المنكوبة لم تبدأ بها عمليات إزالة الركام والبحث عن ناجين محتملين بسبب ضخامة الكارثة.
وعقب مرور قرابة أسبوع على الزلزال تتقلص الآمال بالوصول إلى ناجين الذين لا تتجاوز نسبتهم الآن 1 في المئة مقارنة بأعداد الجثامين التي يجري الوصول إليها على مدار الساعة، وهو يعطي مؤشراً صعباً للغاية عن الرقم الحقيقي للضحايا الذي لا توجد أي معطيات رسمية كافية لتحديده ولو بشكل تقريبي. وحسب اردوغان فإن 141 ألفا من رجال الإنقاذ يشاركون في عمليات البحث والإنقاذ الجارية.
حصيلة أكبر بكثير
ورغم انتشال قرابة 20 ألف جثمان من تحت الأنقاض، يجري الحديث عن أن آلافا أو حتى عشرات الآلاف ما زالوا في عداد المفقودين تحت الأنقاض وهو ما دفع محللين إلى التكهن بأن العدد الحقيقي والنهائي للضحايا قد يكون أضعاف الرقم المعلن حالياً حيث لم يقدم أي مصدر رسمي أي رقم تقديري حول أعداد المفقودين في المحافظات العشر المنكوبة إلا أن عدم بدء التنقيب في الكثير من العمارات السكنية المنكوبة يشير إلى حصيلة أكبر بكثير من المعلنة حتى الآن.
كما لا يعرف حتى الآن ما أن كان عدد الضحايا من اللاجئين السوريين في تركيا يجري إحصاؤه مع الرقم المعلن من الحكومة التركية لإجمالي الضحايا أم لا، حيث يشكل اللاجئون السوريون في تركيا نسبة كبيرة من عدد الضحايا وسط تقديرات غير رسمية بأن قرابة ثلث الضحايا في المحافظات التركية المنكوبة هم من اللاجئين السوريين أو السوريين الحاصلين على الجنسية التركية مؤخراً.
ويقول سوريون من المناطق المنكوبة إن جثامين الضحايا من السوريين يجري تجميعها ونقلها إلى مناطق شمالي سوريا برغبة مشتركة من الجانب التركي وأهالي الضحايا وبالتالي على الأغلب لا يجري إحصائها ضمن الحصيلة التي تعلنها الحكومة التركية، حيث جرى نقل مئات الجثامين حتى الآن إلى الجانب السوري عبر معبر باب الهوى.
مقابر جماعية
ومع الارتفاع الكبير في أعداد الجثامين التي يجري اخراجها على مدار الساعة، تتواصل عمليات الدفن الجماعية للضحايا في ظروف صعبة للغاية، حيث تعمل الجهات الرسمية على توفير مناطق جديدة للدفن أشبه بالمقابر الجماعية عقب امتلاء كافة المقابر المخصصة سابقاً للدفن في ظل وجود أعداد كبيرة من الضحايا، وبينما جرى دفن أكثر من شخص في نفس القبر ببعض المناطق، جرى حفر مقابر جماعية لدفن العشرات في حفرة واحدة.
وفيما يتعلق بالجرحى، ومع تجاوز عددهم الـ80 ألفاً تعمل وزارة الصحة التركية على توزيعهم على كافة المحافظات التركية غير المتضررة من الزلزال حيث يجري نقل آلاف المصابين إلى أنقرة وإزمير وإسطنبول وغيرها المحافظات، في حين جرى إنشاء العديد من المستشفيات الميدانية من قبل وزارة الصحة والجهات الدولية التي تقدم المساعدات يضاف إلى إنشاء عدد من المستشفيات على متن سفن حربية ومدنية رست أمام المحافظات المنكوبة.
ملايين المشردين
إلى جانب ذلك، تتواصل مأساة المشردين الذين إما تهدمت منازلهم بشكل كامل أو بقيت متصدعة ولا يجرؤ أحد دخولها خشية انهيارها، حيث جرى إنشاء عشرات مخيمات الإيواء بالخيام وفتح سكن الطلاب وثكنات مدنية وعسكرية لإيوائهم إلا أن كل هذه البيوت المؤقتة لا تكفي بعد لإيواء المشردين الذين ما زال جزءا منهم يبحث عن مكان إيواء أفضل.
والجمعة، قال نائب الرئيس التركي، فؤاد أوقطاي، إن نحو مليون و50 ألف مواطن من متضرري الزلزال يقيمون في مراكز إيواء مؤقتة تم إنشاؤها في مناطق الزلزال، موضحاً أنه تم إجلاء 190 ألف مواطن من المدن المنكوبة إلى مناطق أكثر أمنا وأن عمليات الإنقاذ تتواصل بمشاركة كافة أركان الدولة.
في المقابل واصل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان جولاته الميدانية على المناطق المنكوبة من الزلزال، حيث زار السبت مخيمات مؤقتة للمتضررين في محافظة أديمان وجدد تعهده للمواطنين بإعادة بناء كافة المنازل التي تهدمت في الزلزال خلال أقل من عام واحد فقط.
وعلى مدار الساعة يتواصل وصول قوافل المساعدات الدولية إلى تركيا عبر المطارات في المحافظات الجنوبية المنكوبة، حيث لا تزال تتوافد فرق إنقاذ وبحث من حول العالم إلى جانب المستشفيات الميدانية والطواقم الطبية والخيام والمساعدات الطبية والغذائية والإنسانية العينية، حيث وصلت طائرات مساعدات من السعودية وقطر والإمارات فيما أرسل الأردن مستشفى ميدانيا عسكريا.
وقت الحساب
في سياق آخر، تتواصل حملة الغضب الشعبية على متعهدي البناء والمقاولين الذين أشرفوا على بناء العديد من المجمعات السكنية والعمارات التي بنيت حديثاً ويفترض أنها تحتوي على مواصفات مقاومة للزلازل إلا أنها انهارت وخلفت مئات القتلى والجرحى، وسط مطالبات غاضبة جداً باعتقالهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم.
كما طالت الاتهامات الحكومة التركية نفسها بشكل حاد وسط اتهامات بالتقصير و«المشاركة في الجريمة» جراء التساهل في الرقابة على عمليات البناء غير القانونية أو التي لا تلبي كافة شروط السلامة وملائمة الزلازل إلى جانب قوانين الإعفاء من المخالفات في البناء التي عملت الحكومات التركية المختلفة على استصدارها في العقود الأخيرة ضمن الحملات الانتخابية للحصول على مداخيل مالية وكسب رضى المواطنين.
وفي أول خطوة عملية في هذا الإطار، أوقفت السلطات الأمنية التركية محمد يشار جوشكون، متعهد بناء مجمعات «رونيسانس ريزيدينس» السكنية الطابقية التي انهارت جراء الزلزال بولاية هطاي حيث تم توقيف المتعهد وبحوزته مبالغ مالية في مطار إسطنبول أثناء محاولته الفرار خارج البلاد في خطوة أولى يتوقع أن تتلوها الكثير من الخطوات المشابهة في ظل الغضب الشعبي المتزايد.