تقف تركيا اليوم امام نقطة تحول فاصلة في تاريخها السياسي والديمقراطي، حيث من المقرر ان تصدر المحكمة الدستورية العليا قرارها، عما اذا كان في مقدور عبد الله غول وزير الخارجية الحالي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية ام لا، وفي جميع الاحوال، وايا كان قرار المحكمة، فان تركيا العلمانية تواجه اكبر تحد في تاريخها الذي يقترب من المئة عام.
فاذا اقرت المحكمة شرعية ترشح غول للرئاسة فان هذا يعني وصول اول اسلامي أو غير علماني الي هذا المنصب منذ كمال اتاتورك، وانتهاء دور المؤسسة العسكرية كحامية للعلمانية، اما اذا قررت المحكمة عدم دستورية ترشحه تحت اي ذريعة، فان هذا سيدفع برجب طيب اردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم الي الدعوة الي انتخابات برلمانية تؤدي الي تعزيز حزبه وزيادة اغلبيته في البرلمان، وبالتالي حسم نتائج انتخابات الرئاسة من خلال ادخال تعديلات علي الدستور.
المؤسسة العسكرية التركية تجد نفسها في مأزق خطير، فالزمن الذي كانت تقوم فيه بالتدخل بالانقلاب ضد الديمقراطية قد ولي الي غير رجعة، واصبح الاتراك، اسلاميين كانوا ام علمانيين يرفضون هذا الاسلوب، وجاءت مظاهرة المليون في القسم الاوروبي من اسطنبول يوم الاحد الماضي لتعزز هذا التحول وتؤكده.
اردوغان وحزبه قدما مثلا في الاعتدال وادارة شؤون البلاد بطريقة عصرية. فقد حققت حكومتهما طفرة اقتصادية غير مسبوقة، وخفضت معدلات التضخم الي ادني مستوياتها، وتجاوبت مع كل المطالب الاوروبية في الغاء عقوبة الاعدام وتحسين ملف حقوق الانسان، لقطع كل الحجج التي تحول دون قبول تركيا في الاتحاد الاوروبي، اسوة بدول اخري مثل رومانيا وبلغاريا واليونان.
ولا شك ان الدول الاوروبية تعيش هي الاخري حرجا غير مسبوق. فهي تريد ان تظل تركيا علمانية، ولكنها في الوقت نفسه لا تــــريد ان يجمع حزب العدالة والتنمية الاسلامي المعتدل بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة.
اوروبا لا تستطيع تأييد انقلاب عسكري ضد الديمقراطية وخيارها في تركيا، لان هذا يظهرها بمظهر المنافق المؤيد لحكم العسكر وهي التي تتباهي بارثها الديمقراطي وتشترط اتباع الديمقراطية الغربية وقيمها كنظام حكم كشرط لدخول ناديها، كما انها في الوقت نفسه قد تجد في انتصار المد الاسلامي المعتدل في تركيا خطرا عليها علي المدي الطويل، خاصة ان الكثير من الدول الاوروبية تعارض انضمام تركيا المسلمة الي الاتحاد الاوروبي لانها ستصبح اقوي دولة فيه من حيث عدد السكان علي الاقل.
تركيا تقف حاليا امام مفترق طرق، والازمة الحالية ستحدد هويتها الجديدة، ومن المرجح ان تكون اسلامية مشرقية.