تركيا واسرائيل والغاز الدولي
محمد خليفةتركيا واسرائيل والغاز الدولي أعلن رئيس وزراء اسرائيل يهود أولمرت في 20 اذار (مارس) الماضي ان اسرائيل توصلت الي اتفاق مبدئي مع روسيا لشراء الغاز الطبيعي وتوقيع اتفاقية في غضون عام بهذا الصدد. وعلي الفور وصفت صحيفة وطــــن التركية هذا الاتفاق بانه نجــــاح كبير لخطة تركيا الرامية لمد خط انابيب لنقل الغاز الدولي من ميناء سامسون علي البحر الأسود الي ميناء جيهان علي البحر الأبيض المتوسط ومن ثم الي اسرائيل عبر هذا البحر. وقد دأبت تركيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، وظهور ما سُمي نفط بحر قزوين علي تسويق نفسها كمعبر لنفط هذا البحر.فقد اقترحت آنذاك مدّ خط انابيب يبدأ من بحر قزوين ويمر عبر جورجيا ومن ثم الي ميناء جيهان فيها ومن هناك الي أسواق الاستهلاك في العالم. لكن يبدو ان نفط بحر قزوين كان مجرد كذبة للتشويش علي نفط الشرق الأوسط، وسرعان ما انجلت هذه الكذبة وخابت آمال تركيا في مد ذلك الخط. الا ان تركيا ظلت مصممة علي تسويق نفسها كممر لعبور السلع والخدمات وفي جميع الاتجاهات طمعاً في الحصول علي أموال ترفد اقتصادها المتهافت وخزينتها الخاوية. فهي من أكثر الدول فقراً في العالم وتصل قيمة ديونها الخارجية الي نحو 110 مليارات دولار.ومنذ نحو ثلاثة أعوام كانت علي وشك اعلان افلاسها كما فعلت الأرجنتين. لكن الولايات المتحدة استغلت هذه الحالة وقدمت لها قرضاً طويل الأجل من خلال البنك الدولي بقيمة 10 مليارات دولار. وحصلت مقابله علي تسهيلات في أراضيها للعدوان علي العراق.وعلي الرغم من ان تركيا دولة كبيرة مساحتها تبلغ نحو 800 ألف كيلومتر مربع، وبعدد سكانها البالغين نحو 65 مليون نسمة، وما تمتلكه من مساحات خضراء وغابات واسعة وأراض زراعية خصبة كثيرة، وثروات معـــدنية متعددة مثل الكروم والزئبق والنحاس والفحم والكبريت وغيرها، فانها ظلت، رغم ذلك كله دولة فقيرة متخلفة و لم تستطع تحقيق نهضة حقيقية واللحاق بركب الأمم المتقدمة. ولعل ذلك يعود الي النظام السياسي الموجود فيها المتمثل في التجربة الكمالية التي سلخت تركيا من محيطها الاسلامي وألحقتها بأوروبا وخلقت دولة تركية مشوهة وغير قادرة علي الحياة والاستمرار.وكان من الطبيعي ان ترتمي تركيا وحالتها هذه في أحضان الولايات المتحدة التي كانت قد أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية قوة عظمي في العالم. فانتسبت الي حلف شمال الأطلسي عام 1952. وفي نفس الوقت أقدمت علي اقامة علاقات دبلوماسية مع دولة اسرائيل التي كانت ما تزال وليدة وتتغذي علي لبن أمهاتها من الدول الغربية التي أولدتها ولادة قيصرية وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا . وأعطت هذه العلاقة مصداقية لوجود اسرائيل كدولة أساسية في المنطقة العربية.وكانت اسرائيل تحصل علي حاجتها من النفط عن طريق الدول الغربية الراعية لها، لكنها بعد ان ظهرت كقوة كبري في الشرق الأوسط بعد عدوان عام 1967، بدأت في توسيع شبكة علاقاتها الخارجية لتشمل الكثير من الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وبدأت تؤمن النفط لنفسها من خلال بعض الدول الأفريقية والأمريكية اللاتينية. وأيضاً من خلال ايران في عهد الشاه.وهكذا ظهر الاقتصاد في اسرائيل وترسخت أركانه وتوطدت دعائمه وأصبحت اسرائيل من الدول الصناعية وهذا ما أغري الكثير من الدول ولا سيما تركيا لتمتين العلاقات معها للحصول علي صناعاتها العسكرية ذات التقنية الأمريكية. وفي عام 1979 عقدت مصر وهي أكبر دولة عربية، اتفاقية سلام مع اسرائيل انهت حالة الصراع بين الدولتين وبدأ التعاون المصري ـ الاسرائيلي. وبلغ هذا التعاون ذروته عندما وافقت مصر في عام 2003 علي تزويد اسرائيل بالغاز المصري وبأسعار مخفضة لمدة عشرين عاماً بواقع ملياري متر مكعب غاز سنوياً. وهكذا أصبحت مصر أكبر دولة تزود اسرائيل بالطاقة. ومع استمرار النمو فيها بفضل علاقات حسن الجوار مع مصر وبفضل الرعاية الأمريكية و الغربية لها، فان اسرائيل باتت بحاجة الي كميات كبيرة من الطاقة لسدّ النقص الحاصل فيها.ومن هنا جاء عقد اتفاقية بينها وبين روسيا لتزويدها بالغاز الروسي. وهي الاتفاقية التي فرح بها الكماليون في تركيا كثيراً. لكن علي الأرجح لن تكتمل فرحة الأتراك لانه لن يتم بناء انبوب من روسيا الي اسرائيل يمر عبر تركيا وعبر البحر المتوسط لان اسرائيل لا تأمن بناء خط انابيب في البحر خوفاً من ان يتعرض للتخريب من قبل بعض الدول العربية المعادية لها. ولذلك فانه سيتم شحن الغاز من روسيا اليها بعد اسالته بواسطة ناقلات عبر البحر الأسود والبحر المتوسط، ولا شك ان الأتراك سيرون هذه الناقلات وسوف يندبون عندئذ حظهم العاثر.ہ كاتب من الامارات[email protected]