ترويض الثورة.. الفاشوش في حكم ما بعد 30 يونيو

أو بالأصح ترويض شعب.. مع الاعتذار في الحالتين لـ’الشيخ زبير’ على الاستعارة والتصرف، ليس لدي أدنى شك في أن ما نشهده الآن من صدامٍ بين قوات الأمن والمتظاهرين حول الدستور، وقانون التظاهر والحكم المذهل المرعب على فتيات الإسكندرية، ما كل ذلك سوى خطواتٍ أخرى على تلك الطريق الطويلة التي دخلتها مصر منذ ما يقارب الثلاث سنوات، تحديداً منذ الحادي عشر من شباط/فبراير حين نزل مبارك. طريق تقويض الثورة وتفريغها من مضامينها الاجتماعية – الاقتصادية، طريق الانهاك التام للشعب ببسطائه، بمعدميه، بناشطيه، بكل من سولت له نفسه النزول يوماً إلى الشارع في وجه طغيان ملك الملوك، الذي يأخذ وأبداً ما وهب، وقسوة الأمن البليد وكل ما يشكل أركان وأبعاد تلك الصورة المترهلة والكئيبة التي صارتها مصر.
إلا أنها للأسف ليست البداية.. بل هي خطواتٌ متأخرة، ولعل راسميها يتصورونها اللمسات الأخيرة لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية تحت ستار أسطورة الفريق ‘البطل – أبو الشعب’ وبعض التحركات الخارجية المهمة والبراقة التي تروق لعامة الشعب وتستهوي خاصة بعض النخب السياسية والمثقفين، الذين يتوقون للأغاني الحماسية وقرع الطبول وأناشايد النصر الحماسية.
ليست المرة الأولى التي أؤكد فيها أن نظام مبارك تفاجأ، في كسله وسوء تقديره وجهله بـ25 يناير، ولن تكون الأخيرة لأن كل حادثٍ يؤكد ذلك.. لقد تصرفت المؤسسة العسكرية وسائر أركان الدولة العميقة، على ارتباكهم، بذكاء حين تخلصوا من مبارك.. فهموا.. أدركوا أن الأمور لم تصل إلى الانفجار من فراغ، ولم يكونوا وحدهم فقد انضم إليهم أصحاب المصالح الكبيرة ممن لا تربطهم علاقات صلةٍ معروفة بالأسرة الذهبية (على الرغم من استفادتهم الأساسية من مبارك وزمنه) فهموا لكنهم لم يرضوا، والفرق شاسع.
بحثت الدولة على من يمكنها الاعتماد عليه لشق الصف الثوري، ومن أفضل ممن انضم متأخراً للثورة: الجماعة.. ليس فقط لأنها ليست ثورية وتتماهى مع النظام من حيث الانحيازات والاختيارات الأساسية، وإنما لأن تراتبية القيادة الصارمة تسمح لها بأن تسحب أعداداً كبيرة من الشارع، بحيث يسهل على الأمن التعامل مع من يتبقى، يوسعونهم ضرباً وسحلاً.. ويفقدونهم عيونهم بالخرطوش.. شبابٌ في عمر الورد يساقون الآن مكفوفين في ثورةٍ بلا مكاسب. لقد تكفل الإخوان بأنفسهم في ذلك العام من التخبط والتقهقر والتردي والجدل العبثي… عامٌ خارج الزمن وبالتأكيد ليس له من أهداف الثورة من شيء، ولم تقف الثورة المضادة تتفرج على الإخوان وهم يفضحون إفلاسهم.
طيلة الفترة التي أعقبت سقوط مبارك سلط أعدء الثورة على الشعب المصري أحط أنواع المخاوف البدائية.. الخوف على الأرواح والأعراض والأرزاق مع تكاسل الأمن وإحجامه المتعمد عن القيام بأبسط مهامه من تنظيم المرور إلى التعامل مع الباعة الجائلين، الذين استولوا على شوارع القاهرة وأرصفتها في عملية قرصنةٍ لا سابقة لها من حيث الحجم والانتشار.. فوضى كاملة… حالة من العقاب السادي للناس لأنهم تجرأوا على سادتهم…على الصراخ ألماً وإهانةً.
لقد تصور الناس حين سقط حكم الإخوان أن تلك نهاية الاحزان والمحن، إلا أن الأيام أثبتت عكس ذلك.. فما زالت الفوضى مستشريةً سائدةً في كل مكان، وما زال الناس ينتظرون المكافأة في الدنيا بعد أن صبروا وغنوا في نشوةٍ لـ’جيش بلادي’.. يقال لهم من إعلامٍ فلوليٍ بأن المباحثات مع روسيا تعد بمثابة ثورة في العلاقات الدولية والاستراتيجية، لا تقل عن تحرك عبد الناصر نحوالسوفييت، هكذا بلا اعتبار لمتغيراتٍ الزمن، وأن روسيا الرأسمالية لا تختلف عن أمريكا وليست بديلاً عنها بالمعنى الذي كان… إلا أن الناس تصبر وتنتظر الفرج… ومتى تراه يأتي؟ يقولون لهم أن الدنيا ستضحى ربيعاً و’عال العال’ بعد صدور الدستور وانتخاب رئيسٍ جديد، حقيقي وليس انتقالياً.. والأهم من هذا وذاك مع توقف المظاهرات التي أوقفت الحال، وعلى ذلك فلا بد من قانونٍ ينظم هذه الفوضى، ثم ما المشكلة في أن يحاكم مدنيون أمام محاكم عسكرية؟ ألا تثقون في ضباط ‘جيش بلادي’؟! ألم ينقذوا مصر من حكم الإخوان؟ أم تراكم يعجبكم ما نحن فيه؟
ترويض بكل ما تحمل الكلمة من معان، لقد فاجأهم الحراك الثوري للشعب، وها هم يحاولون إرجاعه للقفص، بالمراوغة والحيل، ترغيباً بالمستقبل المشرق وترهيباً من استمرار الفوضى وغياب الأمن والخراب الاقتصادي، وما قد يحيق بالناس لو انهارت الدولة. ‘صوملة’ بكل ما تحمله إلى أذهان الناس من رعب.. العصا والجزرة الأبديان.. إغراء الناس بالدخول إلى القفص وتزيينه لهم، ذلك هو الفن وقمته تضمين نصوص القوانين إجراءاتٍ رادعة مفرطة في القسوة، وبذا يحبس الناشطون وكله بالقانون.
المشكلة لم تبدأ اليوم أو البارحة، وإنما فور رحيل مبارك، حين تسلم المجلس العسكري الحكم.. فالثورة لم تحكم إلى الآن وعوضاً عن مكاسب ثورية تؤخذ عنوةً ارتضينا بفكرة ‘إصلاحاتٍ استحققناها’ سوف ‘تمنحها’ الديمقراطية التي سنتنعم في بستانها الذي أشرقت شمسه… عوضاً عن الوثبة الثورية نقبل بالتدرج الإصلاحي، والنتيجة أننا بعد حوالي ثلاث سنوات لم نحقق مكسباً واحداً محترماً وثورياً يوحد الله! وكله بالقانون ولا ضير من الأمل، فهو ليس ضد القانون.. الأمل في بضعة مكاسب حين ميسرة وحسب التساهيل..’ادعوا’…فلا يوجد قانون يجرم الدعاء…على الأقل حتى الآن.
يقال ان اخت أحد الناشطين قالت في صدد مظاهرات البارحة، ان الهدف منها ‘تجريب’ ردة فعل النظام عقب تمرير قانون التظاهر، وبغض النظر عن صحة هذه المقولة، فإنني أرى أن العكس تماماً هو الأصح، فما التعامل الأمني الفظ والأحكام المفرطة القسوة سوى ‘جس نبض’، لا للناشطين والمداومين على التظاهر الحريصين على حضور ‘المشاهد’ كلها، وإنما لردة فعل الجمهور العريض، للشارع الأوسع، وكله بالقانون.
إن النظام يعيد ترميم نفسه، وهو يفاصل الناس… يحاول تقديم أقل ما يمكن.. يتاجر بأساطير جديدة يصطنعها ويجرب حظه ليرى أين سيصل إلى التوازن مع الجمهور.
سمه انقلاباً أو ثورةً، ليس هذا هو الموضوع الآن، فالملّح بلا جدال هو تلك الحالة المسعورة من كل من ركب 30 يونيو، من أبناء مبارك والمتباكين على عهده البائس والفلول.. الخ، على الاحتفاظ بحراك الشعب المصري كأيقونة أو هيكل ميت يغنون له ويقيمون لشهدائه النصب التذكارية، ويسمون الميادين والشوارع على أسمائهم، لكنه مسروق ومفرغ تماماً من أي مضمون، تماماً كعبادة لينين التي شرع لها ستالين للانقلاب على كل أهدافه، أو الاحتفال بذكرى ثورة يوليو سنوياً من قبل السادات ومبارك، اللذين هدما كل منجزاتها وحاربا كل أهدافها.
على كلٍ، إن تعجل الطامعين مازال ينم عن غباءٍ متأصل، فالمياه الراكدة تحركت في 25 يناير وما زال الوقت مبكراً للحديث عن العودة إلى ما قبله، كما أن حالة السيولة قد تؤدي إلى مفاجآت، وأمام التململ السريع فإنه يصعب الوثوق من بقاء أي شعبية لكائنٍ من كان… لقد تغيرت مصر، ويجب على الكل أن يفهم ذلك.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية