تريليونات البترودولار وثورات الربيع العربي

حجم الخط
0

بعد عقود من الخضوع لسيطرة أنظمة الحكم الفاسدة التي قامت باستنفاد الطاقات الوطنية وهدر وموارد شعوبها، لم تجد تلك الشعوب من سبيل للإنعتاق من محنتها تلك إلا بالخروج عن صمتها والإندفاع بصدورها العارية إلى الشارع لتواجه الأجهزة الأمنية المتوحشة وما لديها من أساليب القمع والتنكيل حتى تمكنت من نيل حريتها بعد أن دفعت من دماء أبنائها ثمن هذه الحرية. هذه الشعوب خرجت من سجنها الكبير وحالها اشبه ما يكون بحال السجين الذي قضى ردحاً من الزمن في الزنازين وقد تم إخراجه إلى الحياة صفر اليدين ويفتقر إلى كل شيء من المال إلى المهنة وحتى إلى الخبرة المطلوبة لمعاركة الحياة التي تغيرت كثيراً أثناء وجوده في السجن حتى بدا مثل (أهل الكهف) لا ينتمي إلى العصر الممتد خلف جدران زنزانته.

ثلاثة شعوب عربية تمكنت من دخول مشروع التغيير هي تونس ومصر وليبيا مع أن التغيير لم يخرج عن كونه مشروعا ولم يتم إنجازه بعد، ولا تدل المؤشرات على أنه سوف يصل إلى مرحلة الإنجاز في القريب العاجل لأسباب متعدده بعضها داخلي وبعضها خارجي، ولكن تفاعل الإثنين معاً يجعل مسيرة التغيير عسيرة ومضنية ومحفوفة بالمخاطر ومهددة بالفشل. من الواضح أن تلك الشعوب التي قامت بانتخاب من يمثلها في الحكم هي شعوب أنهكها الحرمان والفقر والتهميش وتنتظر من حكوماتها الوليدة أن تقوم بتغيير هذا الواقع المرير بأسرع وقتٍ ممكن، مع أن هذه الحكومات قد ورثت ميزانياتٍ مثقلة بالديون، وبنىً تحتيةً خاربة، واتفاقياتٍ مجحفة مع أعدائها، وفوق هذا وذاك فإن بلادها تقتقر إلى الثروات الطبيعية إذا ما استثنينا الحالة الليبية وحتى النخبة الجديدة تفتقر إلى الخبرة والحنكة في التعاطي مع محيطها العالمي المتوثب بدهانقتة من الساسة المعروفين بالمكر والدهاء.

أمام هذا الواقع المحزن تتكشف عورات هذه المجتمعات وتمر في حالةِ خَداجٍ سياسيٍ واقتصادي وبُنيوي مما يجعلها عرضة للإبتزاز من قبل كثير من القوى المتوثبة التى لن تسمح لهذه الفرصة الثمينة أن تفلت دون أن تستغلها أبشع استغلال من خلال تقديم عروض هي في واقع الأمر بخسة، ولكن الحاجة الماسة تؤدي إلى رفع قيمتها وتدفع بقياداتها الجديدة إلى الوقوع في فخ الخيار بين إعلان الفشل والإنتحار سياسياً، وبين قبول هذه العروض بشروطٍ مهينة على حساب سيادة دولهم.

غير بعيدٍ عن موقع المأساة، تعوم حكومات دول الخليج العربي على بحارٍ من النفط وأطنانٍ ترليونية من أموال البترودولار الهائمة على وجهها في شركات وعقارات وسندات الدول الغربية والآسيوية، وتستمر في التدفق في كل اتجاه خارج حدود الجغرافيا العربية مع أن أمامها الكثير من الفرص الواعدة داخل الوطن العربي المتعطش للإستثمارات بأرخص الأثمان. كم هو محزن ومؤلم أن نعلم أن مجموع الإستثمارات السيادية لدول الخليج العربي تبلغ ما يعادل 40 ‘- 50’ من الإستثمارات السيادية للعالم التي بلغت 4.8 ترليون دولار عام 2011 بحسب معهد صندوق الثروات السيادية ومقره الولايات المتحدة الذي أشار إلى أن غالبية الأموال المستثمرة من قبل الصناديق السيادية في العالم يأتي من منطقة الشرق الأوسط حيث تتوقع الأوساط المالية العالمية أن تصل الإستثمارات العربية إلى ما يقارب الـ18 ترليون دولار بحلول العام 2020. أما جمهورية مصر العربية وهي الأكبر والأهم استرتيجياً وجغرافياً والوحيدة المرشحة لأن تكون مركز الثقل للعالم العربي، فإنها تترنح اليوم أمام العالم بأعباءٍ إقتصادية خطيرة وثقيلة ألى الدرجة التي تهدد أمنها الوطني بما يكفي لجعلها تضطر لقبول الحصول على قرض مهين بثلاث مليارات هزيلة من البنك الدولي إذا ما قورنت بِ(ترليوني دولار)، أو ما يعني ألفي مليار دولار من البترودولار العربي التي تغذي الإقتصادات الأجنبية.

كيف ينام حكام الخليج ليلهم بهذه الثروات التي تنوء بحملها لبنوك بينما يقف الشعب العربي في كل مصر وتونس وسورية واليمن… ألخ عارياً إلا من الأمل الموصول بالله وبالدماء والكرامة التي لا زال يتشبث بها بأمعاءٍ فارغه أمام خذلان الأخ الذي لم يستحي وهو يسمع ويرى كيف هب الغرب لنصرة اليونان بعشرات البلايين من الدولارات المرة تلو الأخرى لإنقاذها من الإفلاس والإنهيار رغم أن مديونيتها مستمرة في التصاعد ورغم المحنة الإقتصادية التي تمر بها كل الدول الأوروبية.

أي مثالٍ للتوادِ والتعاضد تضربه لنا أوروبا التي يبدو أنها سمعت ووعت أكثر منا حديث الرسول صلى الله عليه وسالم حيتن قال:- مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

نود في هذه العجالة أن نشير إلى أن عجز الميزانية المصرية قد يبلغ ما بين 9- 10 مليارات دولار هذا العام وهو مبلغ سخيف لا يذكر أمام الخزينة العربية الخليجية الهائلة التي إذا ما اقتطعت من الألفي مليار نسبة الزكاة فقط لنقلت دول المنطقة العربية من حالة المديونية إلى إلى حالة الإدخار والإستثمار ولتمكنت من الإستغناء عن دين البنك الدولي القذر الذي يمثل الوجه الإستغلالي الأبشع للإستعمار الحديث. زياد علان العينبوسي- نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية