تريم‭ ‬الغنّاء‭: ‬حاضرة‭ ‬حضرموت‭ ‬وقصرها‭ ‬المَشْيَد

أحمد‭ ‬الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬تحتشد‭ ‬حضرموت،‭ ‬أكبر‭ ‬محافظات‭ ‬اليمن‭ ‬مساحةً،‭ ‬شرقي‭ ‬البلاد،‭ ‬بتراث‭ ‬معماري‭ ‬زاخر،‭ ‬وتعبيراً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تم‭ ‬إدراج‭ ‬إحدى‭ ‬مدنها،‭ ‬وهي‭ ‬شِبام،‭ ‬حضرموت‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬لدى‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتربية‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ ‬‮«‬يونيسكو‮»‬‭. ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬ثمة‭ ‬جهود‭ ‬حكومية،‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬المستعرة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬لإدراج‭ ‬مُدن‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬القائمة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الهجرين،‭ ‬مسقط‭ ‬رأس‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭ ‬القائل‭: ‬‮«‬تطاول‭ ‬الليل‭ ‬علينا‭ ‬دمون‭ / ‬دمون‭ ‬إنا‭ ‬معشر‭ ‬يمانون‭/ ‬وإنا‭ ‬لأهلنا‭ ‬مُحِبُون‮»‬‭. ‬ودمون‭ ‬اسم‭ ‬مكان‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬الهجرين‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬مُدن‭ ‬حضرموت‭ ‬تبرز‭ ‬مدينة‭ ‬تريم،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬عنواناً‭ ‬بارزاً‭ ‬من‭ ‬عناوين‭ ‬العمارة‭ ‬الطينية‭ ‬الباذخة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المحافظة،‭ ‬والتي‭ ‬تشتهر‭ ‬بقصورها‭ ‬رائعة‭ ‬النقوش‭ ‬والزخارف،‭ ‬كما‭ ‬تشتهر‭ ‬باحتضان‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المساجد‭ ‬وأربطة‭ ‬العلم‭ ‬التي‭ ‬ازدهر‭ ‬فيها‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬والدرس‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وفيها‭ ‬تخرج‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬انطلقوا‭ ‬مساهمين‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬أصقاع‭ ‬المعمورة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭. ‬وإلى‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يشد‭ ‬الرحال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬الذين‭ ‬يقصدون‭ ‬مدارسها‭ ‬وأربطتها‭ ‬الشهيرة‭ ‬كدار‭ ‬المصطفى‭ ‬للعلوم‭ ‬الإسلامية‭ ‬ورباط‭ ‬تريم‭ ‬وغيرها‭. ‬وينتسب‭ ‬لهذه‭ ‬المدينة‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الفقهاء،‭ ‬كما‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬نجوم‭ ‬الفن‭ ‬كالفنان‭ ‬الراحل‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬سالم‭. 

‭ ‬ولخصوصيتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والإسلامية‭ ‬اختارتها‭ ‬المنظمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬للتربية‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلوم‭ ‬‮«‬إيسيسكو‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬عاصمة‭ ‬للثقافة‭ ‬الإسلامية‭. ‬وشهدت‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬برنامجاً‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الاشعاعي‭ ‬والتنويري‭ ‬لهذه‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬التي‭ ‬احترمت‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭.‬

تقع‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬مدينة‭ ‬سيئون،‭ ‬عاصمة‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت،‭ ‬وتُعدّ‭ ‬العاصمة‭ ‬الدينية‭ ‬للوادي‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬وديان‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬ويمتد‭ ‬من‭ ‬رملة‭ ‬السبعتين‭ ‬غرباً‭ ‬وينتهي‭ ‬مصبه‭ ‬في‭ ‬سيحوت‭ ‬محافظة‭ ‬المهرة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬العربي،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬العاصمة‭ ‬الإدارية‭ ‬للوادي‭ ‬ومقر‭ ‬حكم‭ ‬الوالي‭ ‬على‭ ‬مخلاف‭ ‬حضرموت‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬الخلفاء‭ ‬بعده،‭ ‬وهي‭ ‬اليوم‭ ‬مقر‭ ‬للحكم‭ ‬المحلي‭ ‬لمديرية‭ ‬تريم‭.‬

‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬براً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مدينة‭ ‬سيئون‭ ‬بواسطة‭ ‬سيارة‭ ‬تقطع‭ ‬طريقاً‭ ‬معبداً‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬34‭ ‬كيلو‭ ‬متراً،‭ ‬وخلال‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬ستطل‭ ‬المدينة‭ ‬عليك‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬رابضة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬شبه‭ ‬مستوية،‭ ‬وكلما‭ ‬اقتربت‭ ‬سيتجلى‭ ‬لك‭ ‬أكثر‭ ‬عنوانها‭ ‬ومعلمها‭ ‬الأهم‭ ‬جامع‭ ‬المحضار‭ ‬بمئذنته‭ ‬المرتفعة‭ ‬رباعية‭ ‬وهرمية‭ ‬الشكل‭. ‬وأنت‭ ‬تقترب‭ ‬منها‭ ‬تبرز‭ ‬العمارة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬معالمها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظته،‭ ‬وأنت‭ ‬تتنقل‭ ‬بين‭ ‬أحيائها‭ ‬وأزقتها‭ ‬متعرفاً‭ ‬على‭ ‬أسواقها‭ ‬ومساجدها‭ ‬وقصورها‭ ‬وسورها‭. ‬

تعود‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المراجع‭ ‬بتاريخ‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الميلادي،‭ ‬فيما‭ ‬رجحت‭ ‬مصادر‭ ‬أن‭ ‬تسميتها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬اسم‭ ‬مؤسسها‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬الملك‭ ‬حضرموت‭ ‬بن‭ ‬سبأ‭ ‬الأصغر‭ ‬‮«‬تريم‮»‬‭ ‬فيما‭ ‬يقول‭ ‬ياقوت‭ ‬الحموي‭ ‬في‭ ‬معجمه‭: ‬‮«‬تريم‭ ‬اسم‭ ‬إحدى‭ ‬مدينتي‭ ‬حضرموت‮»‬‭. ‬لأن‭ ‬حضرموت‭ ‬اسم‭ ‬للناحية‭ ‬بجملتها،‭ ‬ومدينتاها‭ ‬شِبام‭ ‬وتريم،‭ ‬وهما‭ ‬قبيلتان‭ ‬سميت‭ ‬المدينتان‭ ‬باسميهما‭. ‬وحسب‭ ‬بعض‭ ‬المراجع‭ ‬التاريخية‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تريم‭ ‬عاصمة‭ ‬حضرموت‭ ‬القديمة‭ ‬ومركز‭ ‬ملوك‭ ‬كِندة‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام،‭ ‬‮«‬كما‭ ‬استطاعت‭ ‬بواسطة‭ ‬موقعها‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬البخور‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يربط‭ ‬ساحل‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬بساحل‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البر،‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬من‭ ‬مكانتها‭ ‬وتكرس‭ ‬حضورها‭ ‬كمدينة‭ ‬تجارية‭ ‬ودينية‮»‬‭. ‬كما‭ ‬اكتسبت‭ ‬أهمية‭ ‬عسكرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬موقعها‭ ‬المحاط‭ ‬بالمرتفعات‭. ‬ويُحيط‭ ‬بالمدينة‭ ‬وادٍ‭ ‬زراعي‭ ‬غني‭ ‬بالمياه‭ ‬الجوفية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كرّس‭ ‬من‭ ‬خصوصيتها،‭ ‬إذ‭ ‬وفر‭ ‬حاجة‭ ‬السكان‭ ‬والمزروعات‭ ‬من‭ ‬الماء‭.‬

على‭ ‬عراقة‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬لم‭ ‬يبزغ‭ ‬نجمها‭ ‬مضيئاً‭ ‬إلا‭ ‬عقب‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدور‭ ‬المُبكّر‭ ‬والمُشرّف‭ ‬لأبنائها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الإسلام،‭ ‬وهو‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬متواصلاً‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬فأزدهرت‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المدينة‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬مدارس‭ ‬العلوم‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حتى‭ ‬أضحت‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مقاصد‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬الذين‭ ‬يفدون‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬اليمن‭ ‬والبلدان‭ ‬المجاورة‭ ‬وبلدان‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى‭ ‬وشرق‭ ‬افريقيا‭ ‬قاصدين‭ ‬أربطتها‭ ‬ومراكزها‭ ‬العلمية،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬صيت‭ ‬ومكانة‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬وتحفيظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وتدريس‭ ‬الفقه‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وهي‭ ‬المراكز‭ ‬والأربطة‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بتعدد‭ ‬زواياها‭ ‬وكثرة‭ ‬وتخصص‭ ‬علمائها‭ ‬ونبوغ‭ ‬العديد‭ ‬منهم‭.‬

مساجد

من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬الدعوي‭ ‬العلمي‭ ‬الإسلامي‭ ‬المشرّف‭ ‬تبلورت‭ ‬مكانة‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬وارتفع‭ ‬صوتها‭ ‬ورتبتها‭ ‬وذاع‭ ‬صيتها‭ ‬وسناؤها‭ ‬وزاد‭ ‬شرفها‭ ‬وفضلها،‭ ‬وقد‭ ‬ارتبط‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬بالمساجد،‭ ‬حتى‭ ‬شاع‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬مساجدها‭ ‬360‭ ‬مسجداً،‭ ‬وهو‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قورن‭ ‬بمساحة‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬2894‭ ‬كم‭ ‬مربع‭ ‬يسكنها‭ ‬نحو‭ ‬مئة‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭. ‬ووفقاً‭ ‬لبعض‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬قراءة‭ ‬حكاية‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬لمساجد‭ ‬تريم،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬العدد‭ ‬قد‭ ‬شمل‭ ‬بجانب‭ ‬المساجد‭ ‬والجوامع‭ ‬أعدادا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المصليات‭ ‬والزوايا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متناثرة‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المدينة‭ ‬وواديها،‭ ‬والتي‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭ ‬تداخلت‭ ‬ببعضها‭ ‬وبنيت‭ ‬منها‭ ‬جوامع‭ ‬كبيرة‭ ‬ليتقلص‭ ‬عددها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬إلى‭ ‬مئة‭ ‬مسجد‭ ‬تقريباً‭. 

ويعكس‭ ‬عدد‭ ‬المساجد‭ ‬والمدارس‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬مستوى‭ ‬التدين‭ ‬الذي‭ ‬يتميز‭ ‬به‭ ‬أهلها،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬يقال‭ ‬‮«‬شوارع‭ ‬تريم‭ ‬شيخ‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬شيخ‭ ‬له‮»‬‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬حال‭ ‬التدين‭ ‬والتفقه‭ ‬لدى‭ ‬سكانها‭.‬

عندما‭ ‬تصل‭ ‬المدينة‭ ‬وتتنقل‭ ‬بين‭ ‬أرجائها‭ ‬ستجد‭ ‬أن‭ ‬تخطيطها‭ ‬يعتمد‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬الحارات‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شرحته‭ ‬بإسهاب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المراجع،‭ ‬حيث‭ ‬تلاحظ‭ ‬وجود‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المساجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حارة‭.‬

العِمارة

‭ ‬

‭ ‬تبقى‭ ‬المساجد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ملامح‭ ‬الفن‭ ‬المعماري‭ ‬للمدينة،‭ ‬وقد‭ ‬ظل‭ ‬تطور‭ ‬تصميم‭ ‬وبناء‭ ‬المساجد‭ ‬في‭ ‬تريم‭ ‬متواصلاً،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت،‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬توسعها،‭ ‬تطوراً‭ ‬وتحسيناً‭ ‬في‭ ‬تصميمها‭ ‬ومعمارها،‭ ‬حتى‭ ‬أضحى‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬آيات‭ ‬جمالية‭ ‬تشهد‭ ‬لأبنائها‭ ‬بالإبداع‭ ‬الهندسي‭ ‬والفني‭ ‬البديع‭ ‬الذي‭ ‬تجاوزا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬فن‭ ‬المعمار‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬مُدن‭ ‬حضرموت،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬تفصيلاته‭ ‬الجمالية،‭ ‬إذ‭ ‬تفنن‭ ‬البناؤون‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توظيف‭ ‬مادة‭ ‬الطين‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬وتطويعها‭ ‬بما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬تصميم‭ ‬المعمار‭ ‬ومكونه‭ ‬الجمالي‭ ‬لتصبح‭ ‬العمارة‭ ‬في‭ ‬مدينتهم‭ ‬أكثر‭ ‬اختلافاَ‭ ‬وأزهي‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬مُدن‭ ‬الوادي،‭ ‬وهو‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬جلياً‭ ‬في‭ ‬عمارة‭ ‬المساجد،‭ ‬إذ‭ ‬تظهر‭ ‬المساجد‭ ‬العنوان‭ ‬الأبرز‭ ‬لمدى‭ ‬تطور‭ ‬فن‭ ‬العمارة‭ ‬الطينية‭ ‬التريمية،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬التميز‭ ‬المعماري‭ ‬الطيني‭ ‬في‭ ‬مساجدها‭ ‬مناراتها‭. ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المساجد‭ ‬والمنارات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬شهادة‭ ‬حية‭ ‬على‭ ‬روعة‭ ‬العمارة‭ ‬الطينية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬عمارة‭ ‬منارة‭ ‬جامع‭ ‬المحضار‭ ‬الذي‭ ‬بناه‭ ‬عمر‭ ‬المحضار‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬السقاف،‭ ‬وهو‭ ‬أبرز‭ ‬مقاصد‭ ‬زوار‭ ‬تريم‭ ‬لما‭ ‬يمتاز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬فن‭ ‬هندسي‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬عمارته‭ ‬خاصة‭ ‬منارته‭ ‬الشامخة‭ ‬بطول‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ (‬175‭ ‬قدماً‭) ‬ويعود‭ ‬بناؤها‭ ‬إلى‭ ‬قبل‭ ‬مئة‭ ‬سنة‭ ‬تقريباً،‭ ‬حيث‭ ‬صممها‭ ‬الشاعر‭ ‬والأديب‭ ‬أبوبكر‭ ‬بن‭ ‬شهاب،‭ ‬بينما‭ ‬نفذها‭ ‬عوض‭ ‬سلمان‭ ‬عفيف‭ ‬وفق‭ ‬نقول‭ ‬عديدة‭ ‬اطلعنا‭ ‬عليها‭. ‬وحسب‭ ‬مصدر‭ ‬علمي‭ ‬فإنه‭ ‬‮«‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العمارة‭ ‬الطينية‭ ‬في‭ ‬حضرموت‭ ‬يتم‭ ‬بناء‭ ‬منارة‭ ‬مسجد‭ ‬رباعية‭ ‬القاعدة‭ ‬هرمية‭ ‬الشكل‭ ‬وبهذا‭ ‬الارتفاع،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ابتكار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬والأفكار‭ ‬التي‭ ‬أخرجت‭ ‬هذا‭ ‬المعلم‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬أهم‭ ‬معالم‭ ‬المدينة‮»‬‭ ‬وعدّه‭ ‬مؤرخون‭ ‬‮«‬أول‭ ‬وأطول‭ ‬منارة‭ ‬طينية‭ ‬مربعة‭ ‬الشكل‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‮»‬‭.‬

‭ ‬قصور

‭ ‬وأنت‭ ‬تتنقل‭ ‬بين‭ ‬أرجاء‭ ‬المدينة‭ ‬متأملا‭ ‬معالمها‭ ‬ستظل‭ ‬تتلهف‭ ‬شوقاً‭ ‬لزيارة‭ ‬بعض‭ ‬قصورها‭ ‬ومعرفة‭ ‬قصة‭ ‬عمارتها،‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬ملمحاً‭ ‬مدهشاً‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جزءاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬من‭ ‬طرازها‭ ‬المعماري‭ ‬الجميل‭ ‬ويشمل‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬القصور‭ ‬المتفردة‭ ‬‮«‬بأسلوب‭ ‬معماري‭ ‬تحفل‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الواجهات‭ ‬بتأثيرات‭ ‬جمالية‭ ‬وتزيينية‭ ‬كثيرة‭ ‬لونياً‭ ‬وشكلياً،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬فتحات‭ ‬الشبابيك‭ ‬والأقواس‭ ‬والمثلث‭ ‬أعلى‭ ‬الواجهة‮»‬‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬النقوش‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬ضمن‭ ‬تفاصيل‭ ‬عديدة‭ ‬لطراز‭ ‬بالغ‭ ‬التعقيد‭ ‬والجمال‭ ‬الوظيفي‭ ‬وغير‭ ‬الوظيفي،‭ ‬وهي‭ ‬تقنية‭ ‬بنائية‭ ‬محلية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬أمامها‭ ‬ذاهلا‭.‬

بلا‭ ‬شك‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬القصور‭ ‬تعود‭ ‬لعائلات‭ ‬ثرية‭ ‬أو‭ ‬حُكام‭. ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬هذه‭ ‬القصور‭: ‬قصر‭ ‬القبة،‭ ‬قصر‭ ‬المنيصورة،‭ ‬قصر‭ ‬تريم،‭ ‬قصر‭ ‬الرناد،‭ ‬وقصر‭ ‬عشة‭…‬وغيرها،‭ ‬ويمثل‭ ‬قصر‭ ‬الرناد‭ ‬حالة‭ ‬معمارية‭ ‬خاصة‭ ‬تواكبت‭ ‬عليه‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬المدينة،‭ ‬وحسب‭ ‬مصادر‭ ‬فقد‭ ‬اتخذته‭ ‬الدول‭ ‬المتعاقبة‭ ‬على‭ ‬تريم‭ ‬مقراً‭ ‬للحكم‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭ ‬وما‭ ‬بعده‭.‬

‭ ‬تقدّم‭ ‬هذه‭ ‬القصور‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬صورا‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الروعة‭ ‬المعمارية‭ ‬الطينية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬واجهاتها‭ ‬ومكوناتها‭ ‬وتخطيطها‭ ‬المستوى‭ ‬الرفيع‭ ‬والبديع‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬فن‭ ‬المعمار‭ ‬وفخامته‭ ‬هناك،‭ ‬هذه‭ ‬القصور‭ ‬بفتنتها‭ ‬المعمارية‭ ‬وموقعها‭ ‬بين‭ ‬المزارع‭ ‬والبساتين‭ ‬المخضرة‭ ‬والمعرشة‭ ‬بالنخيل‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬بعض‭ ‬فراغات‭ ‬المدينة‭ ‬تظهر‭ ‬كأنها‭ ‬لوحة‭ ‬فنية،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللوحة‭ ‬تتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬أبهة‭ ‬المنظومة‭ ‬المعمارية‭ ‬الطينية‭ ‬لهذه‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬سُميت‭ ‬‮«‬تريم‭ ‬الغنّاء‮»‬‭ ‬بتشديد‭ ‬النون‭ ‬لتمتعها‭ ‬بجمال‭ ‬أخّاذ‭ ‬مصدره‭ ‬هذه‭ ‬اللوحة‭ ‬البديعة‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬المدينة‭ ‬ممتدة‭ ‬بين‭ ‬المزارع‭ ‬والحدائق‭ ‬والمنتزهات‭.‬

تظهر‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬النمط‭ ‬المعماري‭ ‬لقصور‭ ‬ومساجد‭ ‬تريم‭ ‬مثل‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬مُدن‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬لمسة‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نشاهده‭ ‬في‭ ‬معمار‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬المهجر‭ ‬الآسيوي‭… ‬ووفقاً‭ ‬لأحد‭ ‬المراجع‭ ‬التاريخية‭ ‬فقد‭ ‬‮«‬هاجر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬تريم‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬الهجري‭ ‬إلى‭ ‬افريقيا‭ ‬وجنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬وعملوا‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬واستقروا‭ ‬فيها‭ ‬وعملوا‭ ‬بالتجارة‭ ‬وكونوا‭ ‬لهم‭ ‬هناك‭ ‬ثروات‭ ‬طائلة‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬تريم‭ ‬وشيد‭ ‬فيها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬إلى‭ ‬القصور‭ ‬أقرب،‭ ‬ذات‭ ‬طراز‭ ‬ضخم‭ ‬متأثر‭ ‬بالعمارة‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬آنذاك‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأقواس‭ ‬والنقوش‭ ‬العمرانية‮»‬‭. ‬وحسب‭ ‬مصادر‭ ‬علمية‭ ‬فقد‭ ‬مثل‭ ‬تأثر‭ ‬العمارة‭ ‬في‭ ‬تريم‭ ‬بعمارة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬‮«‬تحدّياً‭ ‬للخبرات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬فنون‭ ‬معمارية‭ ‬معقدة‭ ‬التفاصيل‭ ‬ومتعددة‭ ‬الأشكال‭ ‬باستخدام‭ ‬الطين‭ ‬وبعض‭ ‬المواد‭ ‬الأخرى‮»‬‭.‬

ووفقاً‭ ‬لنقول‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة‭ ‬فقد‭ ‬‮«‬تطورت‭ ‬فنون‭ ‬النقش‭ ‬والتشكيل‭ ‬لأخشاب‭ ‬الأبواب‭ ‬والنوافذ‭ ‬وغيرها،‭ ‬ونتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بداية‭ ‬اكتشاف‭ ‬المواد‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬التلوين‭ ‬والنقش‭ ‬على‭ ‬الجدران،‭ ‬وتطورت‭ ‬تقنية‭ ‬عمل‭ ‬الجير‭ (‬النورة‭) ‬التي‭ ‬تطلى‭ ‬بها‭ ‬الجدران‭ ‬والواجهات‮»‬‭. ‬لقد‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬أن‭ ‬يسجل‭ ‬حضوراً‭ ‬مضيئاً‭ ‬في‭ ‬عمارة‭ ‬المساجد‭ ‬والقصور‭ ‬وغيرها‭ ‬ضمن‭ ‬نمط‭ ‬هجين‭ ‬يعود‭ ‬الفضل‭ ‬فيه‭ ‬للبنائين‭ ‬هناك‭ ‬الذين‭ ‬استطاعوا‭ ‬الاقتباس‭ ‬والتطوير‭ ‬باستخدام‭ ‬المادة‭ ‬الطينية‭ ‬المحلية،‭ ‬وهي‭ ‬المادة‭ ‬الي‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬في‭ ‬النقوش‭ ‬والزخرفة،‭ ‬والتي‭ ‬تبرز‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬العمارة‭ ‬التريمية‭ ‬لوحات‭ ‬فنية‭ ‬باذخة‭. ‬

مكتبات‭ ‬وأعلام

كما‭ ‬تشتهر‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬بمكتباتها‭ ‬ومخطوطاتها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مكتبة‭ ‬الأحقاف‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬مخطوطة‭ ‬من‭ ‬المخطوطات‭ ‬النادرة‭ ‬والثمينة‭ ‬تم‭ ‬جمعها‭ ‬من‭ ‬المكتبات‭ ‬الخاصة‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المكتبة‭ ‬التي‭ ‬أُفتحت‭ ‬عام‭ ‬1972م‭ ‬وتُعدّ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مكتبات‭ ‬المخطوطات‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وفي‭ ‬سنة‭ ‬1977م‭ ‬قسمت‭ ‬إلى‭ ‬مكتبتين‭: ‬واحدة‭ ‬للمخطوطات،‭ ‬وأخرى‭ ‬للمطبوعات‭.     

‭ ‬نبغ‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الأعلام‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬تاريخها‭ ‬والذين‭ ‬يعدّون‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬لإسهاماتهم‭ ‬المشرقة‭ ‬والمُشرّفة،‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬مجالات‭ ‬عديدة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الفنون،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬في‭ ‬خصوصية‭ ‬وثراء‭ ‬التراث‭ ‬الفولكلوري‭ ‬والفني‭ ‬والثقافي‭ ‬لأبناء‭ ‬تريم‭ ‬الذين‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يمزجوا‭ ‬بين‭ ‬الفن‭ ‬بقيمه‭ ‬الرفيعة‭ ‬والدين‭ ‬بغاياته‭ ‬السامية‭. ‬فكانت‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬حياتهم‭ ‬مفعمة‭ ‬بالدهشة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مشاهدها‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية