تزايد الأزمات يطيح بالاتساق في أداء العملات العالمية الكبرى ويُصعِّب إمكانية التنبؤ باتجاهات مساراتها

حجم الخط
0

■ لندن – رويترز: نادراً ما كانت كبرى العملات العالمية تتبع مسارات مختلفة من قبل، لكن الين الياباني واليوان الصيني تراجعا مقابل الدولار بينما ارتفع اليورو والجنيه الإسترليني في مواجهة الورقة الخضراء.
ومع تباين التوقعات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والنقدية، زاد عدم الاتِّساق في تحرك العملات، مما جعل سوق تداول العملات العالمية، التي تبلغ قيمتها 7.5 تريليون دولار يومياً، أكثر تقلباً وأصعب على التنبؤ باتجاهاتها، في وقت تعمل فيه هذه السوق في ظل آثار ما بعد جائحة كوفيد-19 الحرب في أوكرانيا ووسط أزمة طاقة.
وقال جوردان روتشستر، المحلل الإستراتيجي لسوق الصرف في «نومورا» اليابانية «كان المعتاد أنه إذا علمت اتجاه اليورو والدولار بشكل صحيح، فلديك فرصة جيدة لتوقع كل شيء آخر بشكل صحيح. لكن الأمر الآن أصبح أصعب قليلاً… عليك أن تقوم بأداء واجبك المدرسي، لأن الفروق بين اتجاهات العملات تتسع».
وانخفض اليورو في العام الماضي وحده إلى أدنى مستوى في 20 عاماً مقابل الدولار، وهوى الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى على الإطلاق، وتراجع الين لأدنى مستوى في 32 عاماً، غير أن الدولار شهد زيادة حادة بسبب رفع كبير لأسعار الفائدة الأمريكية للسيطرة على التضخم، وهو ما لم تبدأ بنوك مركزية كبرى أخرى في تنفيذه بالسرعة نفسها.
وخالف بنك اليابان التوقعات بأنه سيغير سياسته النقدية بالغة التيسير في مطلع 2023، مما أدى إلى انخفاض الين الياباني تسعة في المئة حتى الآن هذا العام، بما أضاف إلى تراجعه 12 في المئة في 2022. وأدى ذلك إلى زيادة احتمال التدخل لدعم العملة.
ومن المتوقع أيضاً زيادة انخفاض اليوان الصيني، الذي يتم تداوله قرب أدنى مستوى في سبعة أشهر، وكذلك الحال بالنسبة لعملات آسيوية أخرى أصغر.
في هذه الأثناء ارتفع اليورو 2.5 في المئة هذا الشهر مقابل الدولار، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر في ظل اتباع المركزي الأوروبي لسياسة تشديد نقدي. كما صعد الجنيه الإسترليني بأكثر من خمسة في المئة حتى الآن هذا العام، مما يجعله يتجه لتحقيق أكبر صعود في عام منذ 2017.
قال روتشستر أن «نومورا» تتوقع تحرك اليورو إلى 1.12 مقابل الدولار خلال الأشهر المقبلة، مما يعني زيادته بنسبة اثنين في المئة أخرى من 1.095 مقابل الدولار الآن، وتتوقع أن ينخفض اليوان إلى 7.3 مقابل 7.2 أمام الدولار الآن.
وانخفض اليوان خمسة في المئة تقريباً هذا العام، متأثرا بضعف الاقتصاد والفجوة الواسعة في أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة.
وحددت السلطات الصينية هذا الأسبوع نطاق تداول أقوى من المتوقع للعملة، في إشارة إلى أن بكين لا تشعر بارتياح تجاه انخفاض اليوان السريع.
وقال لي هاردمان، محلل سوق الصرف لدى شركة «ميتسوبيشي يو.إف.جي» اليابانية للخدمات المالية، أن انتعاش الدولار مقابل العملات الآسيوية يعكس تحولاً في مسار تداول كان قائما في أواخر العام الماضي مع إعادة فتح الاقتصاد الصيني، وذلك بعدما تزايد التشاؤم إزاء توقعات النمو هناك. وأضاف «لكن أداء الدولار ليس بالقوة نفسها أمام عملات أخرى فهو مستمر في التراجع أمام بعض العملات الأوروبية وكذلك عملات أمريكا اللاتينية».
لكنه أشار إلى أن اتجاه تقلبات السوق نحو التباطؤ مقارنة بالسنوات الماضية سيؤدي إلى زيادة تركيز المستثمرين على «تداولات الترجيح» سعيا لتحقيق أرباح باستغلال الفروق في أسعار الفائدة وتباين السياسات النقدية بين البنوك المركزية.
ويرى كيت جوكس، رئيس إستراتيجية العملات في بنك «سوسيتيه جنرال» الفرنسي، أن التركيز على اختلافات السياسات النقدية جاء أيضاً نتيجة الضبابية في مجالات أخرى.
ويقول «ما يدهشني في أسواق العملات حالياً هو أنها أكثر حساسية لأسعار الفائدة على المدى القصير مما يمكنني أن أتذكره». ويضيف «لأننا محتارون للغاية بشأن الكثير من الأمور في ظل تلك الدورات الاقتصادية غير المعتادة على الإطلاق، فنحن سنركز فقط على طبيعة الخطوة المقبلة لسياسة بنك مركزي ما».
وهذه ليست بالأنباء الجيدة للين القريب من أدنى مستوى في سبعة أشهر مقابل الدولار وأدنى مستوى في 15 عاماً مقابل اليورو، مع تمسك بنك اليابان المركزي بقوة بسياسته النقدية بالغة التيسير (الإبقاء على أسعار فائدة متدنية).
وفي دول الشمال الأوروبي، تتعرض الكرونة النرويجية للضغط، كما تضر مشاكل العقارات وضعف الاقتصاد بالكرونة السويدية التي سجلت الأسبوع الماضي مستوى قياسياً منخفضاً مقابل اليورو وسط شعور بأن أسعار الفائدة في البلاد لا يمكن أن تزيد كثيراً عن مستواها الحالي.
ويعتقد محللو بنك «مورغان ستانلي» أن هناك احتمالاً بأن يعلن المركزي السويدي عن زيادة كبيرة لسعر الفائدة أو أن يلمح إلى المزيد من الزيادات لأسعار الفائدة في المستقبل للمساعدة في دعم العملة. لكن بالنظر إلى ما شهده العالم في السنوات القليلة الماضية ربما ليس من المفاجئ أن أسواق العملات تتحرك بشكل غير معتاد بعض الشيء.
وقال جوكس سابق الذكر «شهدنا مزيجاً من جائحة لا تحدث إلا مرة كل مئة عام وحرب لا تنشب مثلها إلا مرة كل 75 عاماً وأزمة طاقة لا تقع إلا مرة كل 25 عاماً… يجب أن يكون عمرك 120 عاماً مثلاً ليتسنى لك استيعاب أمر كهذا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية