تزايد الضغوط من أجل استعادة المحتجزين الإسرائيليين في غزة.. “الجيش مرهق” و”الجنود متعبون”

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: تزامناً مع الخلافات والفوضى السائدة داخل مجلس الحرب الإسرائيلي وتصاعد التشكيك العام بجدوى واحتمالات وحسابات الحرب، عاد وزير الأمن يوآف غالانت للقول للمرة الألف إن القتال مستمر حتى الانتصار وضرب “حماس”، وانتزاع قدراتها العسكرية والسلطوية.

وبخلاف الأصوات الإسرائيلية الكثيرة المتزايدة الداعية لجعل استعادة المحتجزين الهدف الأول، حتى بثمن وقف الحرب، قال غالانت، في منطق مقلوب، إنه “لا حق لنا بوقف الحرب دون استعادة المخطوفين”.

من جهته كرّر أيضاً رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو موقفه بمواصلة هذه الحرب المكلفة للجانب الإسرائيلي أيضاً، لكنه وضع استعادة المخطوفين قبل تفكيك “حماس” في استذكاره أهداف الحرب. ربما تكون هذه محاولة تكتيكية فقط من قبل نتنياهو لمجاراة رغبة أوساط واسعة في الشارع الإسرائيلي باتت تدرك أن الحرب عبثية ومكلفة، وتحوم حول حسابات وأهداف وأولويات حولها شكوك كبيرة.

هذه الأصوات المطالبة باستعادة المحتجزين أولاً باتت أوسع بكثير من عائلاتهم، وهي تأتي من أوساط إسرائيلية كبيرة، وتزداد يومياً، ويؤيدها علانية الوزيران عضوا مجلس الحرب بيني غانتس وغادي ايزنكوت (الحزب الدولاني)، ومعهما العضو المراقب فيه رئيس حزب “شاس” آرييه درعي.

 شقيق أسير إسرائيلي: اللعبة في القطاع انتهت. خسرنا هناك. نحن في حالة هذيان ورئيس الحكومة يختبئ خلف الكابنيت، وعليه دفع الثمن الآن، فكل يوم يمرّ وهو في منصبه يلحق ضرراً

ووجه عددٌ من ذوي المحتجزين انتقادات للمستوى السياسي بترك المحتجزين يموتون داخل أنفاق غزة، واعتبارهم فعلياً أولوية ثانية. وقالت سيدة إسرائيلية، دكتور معيان شارمان، إن الجيش الإسرائيلي ضحى بنجلها الأسير عندما قصف موقعاً في شمال غزة بقنبلة زنتها طن لاغتيال القيادي العسكري في “حماس” أحمد غندور، رغم علمه بوجود ابنها وأسرى آخرين في المكان.

وقبل ذلك اتهمت موظفة في وزارة الأمن بسرقة شاهد حجري من ضريح ابنها كتب عليه: “اختطفت في السابع من أكتوبر، أهملوني وتمت التضحية بي”.

وبما لا يقلّ حدة، قال داني الغارت، شقيق أحد المحتجزين في غزة، في حديث للقناة 12 العبرية، إنه ينبغي الاعتراف بالخسارة مقابل “حماس”، بسبب وجود 136 “قتيلاً من الناحية العقلية النفسية”، ولأننا فشلنا في تحقيق الهدفين. اللعبة في القطاع انتهت. خسرنا هناك. نحن في حالة هذيان ورئيس الحكومة يختبئ خلف الكابنيت، وعليه دفع الثمن الآن، فكل يوم يمرّ وهو في منصبه يلحق ضرراً”.

عاصفة في فنجان

كما أعرب عددٌ كبير من ذوي المحتجزين عن استهجانهم الانشغال المفرط في السؤال من سمح بالاتفاق مع “حماس” بإدخال شاحنتي دواء دون إخضاعهما لتفتيش إسرائيلي، معتبرين ذلك “عاصفة في فنجان”، وجزءاً من محاولات شعبوية تندرج ضمن الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري.

“بدلاً من الانشغال بهذا النقاش الغريب من المسؤول عن “فضيحة” إدخال الدواء القطري للقطاع بدون تفتيش، يبقى السؤال السليم متى نستعيد المحتجزين أحياءً، فما الفائدة من الدواء وهم بلا هواء ولا غذاء “؟ بهذا التساؤل عبّر شقيقُ أحد المحتجزين في غزة عن موقف عائلاتهم، في اليوم الرابع بعد المائة من الأسر والحرب.

وحَمَلَ الوزير بلا حقيبة، العضو المراقب داخل مجلس الحرب جدعون ساعر (الحزب الدولاني)، على هذا الموقف الداعي لوقف الحرب لاستعادة الأسرى أحياءً، وكرّر، في حديث لإذاعة جيش الاحتلال، اليوم الخميس، موقفه المتشدّد الرافض. وقال إن إسرائيل تواجه تهديداً بالإبادة، فمن حولنا أعداء يعتقدون بذلك، وهي تقاتل في ست جبهات في حرب تاريخية واستعادة المحتجزين جزء من أهدافها“.

وعندما سئل ساعر:

ولكن نحن لا ننتصر على “حماس”، وحالياً نقوم بتقليص القوات في القطاع وتخفيض حدة القتال، ومن جهة أخرى لا نستعيد المحتجزين. لا هذا ولا ذاك؟

أجاب بالقول: “أنا ضد تقليص تواجدنا العسكري وخفض منسوب القتال. بقاء “حماس” في السلطة وانسحابنا للحدود سيحول دون استعادة السكان لغلاف غزة. سياسة التعامي هي هروب من الواقع، والواقع سيلاحقنا عندما نخفّف الضغط العسكري على “حماس”. وقف الحرب هذا استسلام مطلق لـ “حماس”، وهذا ضرر إستراتيجي كبير يلحق بإسرائيل. هذه الحرب أكبر من نتنياهو، ومن ساعر ومن غانتس…والمعركة هل يبقى أحفادنا هنا في البلاد أم لا. لاحقاً يحين الوقت للانشغال بالمنافسات السياسية، والآن علينا البقاء موحدين، لأن هذه شراكة في مصير. فقط الضغط العسكري هو الذي يؤدي لعدم تكرار عملية مخطوفين ويؤدي لاستعادتهم”.

 زميلك في الحزب بيني غانتس يريد تحديد أهداف تتمة الحرب، وزميلك الثاني ايزنكوت يطالب بصفقة كبيرة توقف الحرب وتستعيد الأسرى؟

“علينا مراقبة مدى تقدمنا نحو تحقيق الأهداف، ولا بديل عن مواصلة الضغط العسكري”.

ورداً على سؤال حول مستقبل شراكة حزبه مع ائتلاف نتنياهو، في ظل وجود اختلافات وخلافات علنية قال ساعر إن لديه مسؤولية تجاه دولة إسرائيل وإنه يفعل ما يخدم مصالحها.

 وتابع: “فقد انضممنا لهذا الائتلاف باتفاق، وأرجو أن نبقى متفقّين. الوحدة تعزز لحمتنا الداخلية وتقوي جنودنا وتقوينا مقابل ضغوط خارجية، ولذا ينبغي التمسك بها”.

وختم: “هذه رؤيتي، وربما تكون هناك خلافات في الرأي”.

ماء بارد

وكانت مصادر سياسية إسرائيلية عليا محجوبة الهوية قد صبّت الماء البارد على تصريحات أمريكية رسمية حول وجود مساع عملية لإحراز صفقة تبادل كبيرة، وفق ما قالته الإذاعة العبرية. وفيما تتحدث الجهات الأمريكية عن صفقة كبرى ما بعد الحرب، وبدون نتنياهو، تشمل تطبيعاً واسعاً وإقامة دولة فلسطينية، يتواصل القتل الجماعي والتجويع داخل القطاع، وسط دعوات وتصريحات إسرائيلية بضرورة مواصلة، أو زيادة الضغط العسكري، وصولاً لأهداف الحرب، وذلك رغم أن الميدان على الأرض يشهد سحباً لنحو رُبع قوات الاحتلال (فرقة 36، وإبقاء ثلاث فرق داخل القطاع). تفاوتت التفسيرات والتخمينات حول الحسابات الحقيقية خلف القرار بسحب هذه القوات من القطاع؛ هل هي تطبيق للانتقال من المرحلة الثانية للثالثة من الحرب كما تريد الولايات المتحدة، أم هو جزء من الاستعداد لقتال ومواجهة تحدّيات في جبهات أخرى، كالشمال مع “حزب الله”، أو في الضفة الغربية التي تشهد حالة احتقان نتيجة مذبحة غزة،.. قيود ثقيلة على حركة الفلسطينيين، وأزمة اقتصادية خانقة. رسمياً، كان الجيش قد قال، في بيانه عن سحب الفرقة 36، إن “الغاية هي الانتعاش والتدرب وتعزيز الأهلية القتالية”، وهذا بيان يستبطن تلميحاً لما يقوله المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، اليوم الخميس.

الجنود متعبون

تحت عنوان “رغم الإيمان بعدالة الحرب، ملامح التعب تبدو للعيان”، يرى هارئيل أن السبب الأساس خلف سحب الفرقة 36 يرتبط بجاهزية الجنود بقوله إنه بعد 100 يوم داخل القطاع يبدي الجنود تآكلاً وإرهاقاً، وإن هذه ظاهرة لا تحظى بالاهتمام الجماهيري.

 ويضيف: “رغم الاعتقاد بعدالة الحرب، الأعباء المتواصلة على الجنود فعلت فعلها. بحال كانت وجهة الجيش لقتال طويل، فعليه بالتخطيط الصارم، وبالمرونة في تفعيل الوحدات العسكرية، وهذه حاجة ملحّة”.

وفي هذا المضمار يتوقف عند ما تخفيه أغلبية وسائل الإعلام العبرية عن الخسائر والأضرار النفسية أيضاً:

 “في بعض الوحدات القتالية، عدد الجنود الذين تسرّبوا من القتال نتيجة مصاعب وصدمات نفسية أكبر من عدد الجنود الجرحى”.

ويوضح هارئيل ذلك بالقول إن “القتال داخل القطاع مختلفٌ عن كل تجارب الجيش الإسرائيلي في الماضي، رغم أن “حماس” عدوٌ أضعف من معظم جيوش الأعداء الذين حاربهم الجيش الإسرائيلي”.

ساعر: الواقع سيلاحقنا عندما نخفّف الضغط العسكري على “حماس”. وقف الحرب هذا استسلام مطلق لـ “حماس”، وضرر إستراتيجي كبير يلحق بإسرائيل. والمعركة هل يبقى أحفادنا هنا في البلاد أم لا

 ويضيف: “بمفاهيم معينة الجيش والجنود لم يواجهوا مثل هذا العبء منذ حرب لبنان الأولى، عام 1982، وهذه لم تشن وسط صدمة كبيرة عقب فشل ذريع تمّ في السابع من أكتوبر”.

المستقلون والطلاب

في تقريره في “يديعوت أحرونوت”، يكشف المراسل العسكري يوآف زيتون، اليوم، عن صورة مشابهة للتي يصوّرها هارئيل، بقوله إن جنود الاحتياط يقتربون من اللحظة التي يجدون أنفسهم في حيرة بين العائلة وبين الدولة نتيجة الأعباء النفسية والاقتصادية، بما في ذلك آلاف الطلاب الجامعيين المحرومين من العودة لدراستهم. كما يقول إن مقاتلين تم تسريحهم من غزة وللتوّ تم استدعاؤهم لارتداء البزة العسكرية مجدّدا.

وينقل زيتون عن قادة عسكريين في الاحتياط تحذيراتهم من “أزمة حادة في الجيش، نتيجة مصاعب اقتصادية ومصاعب في البيت، خاصة للجنود الذين يعملون كمستقلين ويعانون من عدم وضوح المستقبل، داعين الدولة لأن تستيقظ”. منوّهاً بأن “جنود الاحتياط يشكّلون عماداً للقوات المقاتلة داخل القطاع، لكنهم ينظرون يمنة ويساراً، ويرون أنهم فقط يقدمون للدولة رغم إصابة كثير منهم بالجسد والنفس”.

للقوة حدود

ويدعو زميله المحلل جدعون ليفي الإسرائيليين، في صحيفة “هآرتس”، لعدم الإصابة بدهشة مجدداً، بحال اندلعت انتفاضة ثالثة، منبّهاً لحالة الغليان داخل الضفة الغربية المحتلة، نتيجة مذبحة غزة وتضييق الخناق وزيادة بطش الجنود والمستوطنين. ويدلل على كارثة الحواجز العسكرية بالقول: “استغرقَ سفري من طولكرم إلى رام الله، أمس، ثلاث ساعات ونصف، وهذا وقت كافٍ للسفر لروما”.

وتأتي هذه التقارير عن حالة الجيش، اليوم، تزامناً مع تحذيرات وتقديرات من جنرالات في الاحتياط ومحلّلين عسكريين مقرّبين من الجيش، بأن الحرب لن تنتهي بتدمير “حماس”، لكن القيادة السياسية ما زالت تتمسك برؤيتها (ربما أوهامها، كما يقول بعض المراقبين الإسرائيليين) بأن ما لا يتأتى بالقوة يتأتى بالمزيد منها، مع العلم أن بعض الجنرالات الكبار في إسرائيل سبق وحذّروا من “سكرة القوة”، أبرزهم أرئيل شارون الذي قال مصارحاً الإسرائيليين في آخر أيامه إن “للقوة حدوداً”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية