انعكست الأزمات والانتكاسات المعيشية على مفاصل الحياة في لبنان، وانتعشت ظاهرة السلب والجريمة، وتفاقمت حالات اليأس والإحباط، ما دفع عددا من اللبنانيين للبحث عن مصادر غير قانونية وغير شرعية للعيش ومواجهة صعوبات الحياة، يتم كشفها في كثير من الأحيان وتؤدي إلى السجن والاعتقال بسبب مخالفتها للقوانين المحلية والدولية.
وانتشرت ظاهرة المخدرات والهجرة غير الشرعية وتزوير العملة الوطنية والدولار الأمريكي في الآونة الأخيرة، بشكل لافت وبنسب مرتفعة لم تكن تشهدها المناطق اللبنانية خلال سنوات مضت.
وقد تمكنت عصابات تزوير العملة في لبنان من التوسع في عملها وانتشارها مستفيدة من حالة الفوضى التي تعم البلاد منذ أكثر من سنتين، وقامت باستغلال حاجة المواطن والمقيم للعملات الأجنبية والوطنية بعد الانهيار المعيشي الذي ضرب لبنان وتفاقم حالات الفقر والعوز وارتفاع الأسعار وحالة الاهتزاز التي تتعرض لها الأجهزة اللبنانية.
وفي رأي الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم حمود، فإن تزوير العملات هو تغيير الحقيقة في عملة وطنية أو أجنبية، من خلال تغيير ما عليها من رسوم أو أرقام أو علامات أو كتابة بحيث تصبح لها قيمة أكبر من قيمتها الحقيقية، والتزوير قد يقع على عملة معدنية أو ورقية وأكثر وقوعا في العملات الورقية.
وقال الدكتور حمود لـ«القدس العربي» إن تزوير العملات، جريمة من الجرائم الخطيرة في العالم وتفاقمت أخيرا في لبنان، ويعمل قانون العقوبات اللبناني للتصدي لهذه الجريمة بكل حزم، حيث وصلت العقوبة فيها إلى السجن المشدد.
وباعتقاد الدكتور حمود، أصبح من السهل نسبيا إنتاج عملة مزيفة بفضل التطورات في عالم تكنولوجيا والتصوير الفوتوغرافي والكومبيوتر، بالإضافة إلى توفر المعدات التقنية المتطورة.
من جهته، يؤكد المحامي حسان رمضان أن كلمة تعني توزيع العملة المزيفة أو المقلدة بديلا عن العملة الصحيحة، ويتحقق فعل الترويج كلما استعملت العملة المقلدة أو المزيفة وسيلة دفع أو صرف، إذ يكفي أن تخرج العملة المقلدة أو المزيفة من حائزها إلى شخص آخر لأي سبب من الأسباب، بحيث تنتقل للشخص الآخر السيطرة على العملة غير الصحيحة، مضيفا، يتحقق فعل الترويج بانفاق العملة المزيفة في أي سبيل، كالبيع والشراء والقرض والهبة ودفع مرتب وسداد دين.
وتتعدّد المستويات التي تنتهجها الأجهزة الأمنية اللبنانية في مكافحتها عصابات تزوير الأموال، ومنها: اعتماد أسلوب استدراج المشكوك في أمرهم وأحدثها العملية التي حصلت في مدينة عاليه في جبل لبنان شرق بيروت، والتي على أثرها أوقف شخصان بحوزتهما مبلغ 98 ألف و300 دولار مزيفة، واعترفا بأنهما يصرفان كل ورقة مئة دولار مزيفة مقابل 50 دولاراً أمريكياً سليمة.
وتلجأ القوى الأمنية إلى الاستعانة بمخبرين، وتقصّي تحركات بعض المشبوه في أمرهم، إضافة إلى تتبّع موجة شكاوى المواطنين سواء عبر خدمة «بلّغ» على الـ112 أو عبر اتصالهم بمكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال.
في هذا السياق، يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العقيد جوزف مسلّم: «في كل فترة تزدهر عملية تزوير لفئة محددة من العملات كموجة تتسلّل إلى المناطق وتغزو الأسواق، إلّا أنّ العملة المزيفة الأكثر ترويجاً هي ورقة الـ100 دولار، يليها 100 ألف ليرة لبنانية».
ويلفت مسلّم إلى انّ «معظم الذين يتم توقيفهم أصحاب سوابق، عمدوا إلى تزوير العملات لتغطية دين، للإتجار بالمخدرات، لتغطية أعمال غير قانونية نتيجة وضعهم المتعثّر». ويضيف: «في معظم المرات يتمّ الإيقاع بالضحية من خلال عملية استبدال العملة بالأخرى، عبر شراء أغراض ذي قيمة رخيصة بمبلغ كبير، أو شراء كمية كبيرة من البضائع بمبلغ كامل، فيستفيد المزوّر للعملة بإعادة بيع البضائع».
حيال تفشّي ظاهرة العملة المزيفة وتغلغل المروجين لها في المناطق اللبنانية، يبرز السؤال: كيف يمكن للمواطن حماية نفسه؟ هنا يلفت مسلّم إلى مجموعة من المؤشرات، قائلاً: «لا بد من التمرّس على مَلمس ورق العملة النقدية، والتعرّف إلى بعض المفاتيح بحسب كل عملة، على سبيل المثال وجود شريط أمني يعني خط أزرق متقطع ويحتوي على حرف ل في ورقة المئة ألف ل.ل. وعلامة BDL النافرة.
وفي ورقة المئة دولار وجود خط أمني ثلاثي الأبعاد، منسوج داخل الورقة، وهو خط أزرق متقطع يظهر فيه رقم المئة إذا حرّكت العملة. بالإضافة إلى خصوصية كل عملة، ننصح بامتلاك وسيلة كاشفة متوافرة بأسعار زهيدة ويمكن لأيّ مواطن التزود بها».
وتمكنت الأجهزة الأمنية اللبنانية أخيرا من اعتقال عدد كبير من مروجي العملة المزورة لفئة المئة دولار أمريكي وفئة المئة ألف ليرة لبنانية في مناطق لبنانية مختلفة خاصة في إقليم الخروب والنبطية وحاصبيا وصيدا وبيروت وبعلبك وجبيل.
واستنادا لرأي خبراء مصرفيين، يمكن تمييز الدولار الأصلي عن المزور مهما كان مصنعا بطريقة متقنة، هو أمر ممكن وسهل وذلك لأن الدولار من العملات المطبوعة بدقة واحترافية عالية مع وجود العديد من العلامات الفارقة التي من الصعب جداً تقليدها.
وحددت تقارير أمنية لبنانية متخصصة طرقا بسيطة لتمييز الدولار الأمريكي المزور من الأصلي، ومن أسهل الطرق اختبار اللمس، لأن مميزات الدولار الأصلي النعومة وهو مصنوع من الكتان والقطن، بينما المزور مصنوع من الورق المقوى الذي عادةً ما يُصنع من بعض مكونات الخشب.
ومن أهم ما يميز الدولار الأمريكي أيضا الصلابة ، حيث لا يتأثر عند وضعه في الماء وتبقى ألوانه ثابتة لا تتأثر، وذلك لأن مادة الحبر التي يتم طباعته فيها مندمجة بالعملة، وهذا عكس المزور حيث سرعان ما يزول الحبر، ويتحول إلى ورقة عادية باهتة.
وتستخدم الولايات المتحدة نوعا مخصصا من الحبر على علامة الاحتياطي الأمريكي الموجودة على العملة، أهم ما يميز هذا الحبر بأنه غير ثابت، حيث يتحرك في حال تم حكه بورقة بيضاء على عكس المزور حيث تبقى العملة ثابتة ولا تتحرك.
تستطيع أن تميز الدولار الأصلي عن المزور في هذه الحالة، بأن الأصلي يمتاز بأن له نسيج حاد إلى درجة كبيرة، يكون ذلك واضحاً والألوان فيه تكون أكثر وضوحاً، بينما المزور تكون أطرافه أقل حدة، والألوان باهتة وغير واضحة.
في الدولار الأصلي يكون هناك شريط بلاستيكي يقع في أقصى يسار الورقة، وهذا الشريط مدمج في تركيب الورقة وجزء لا يتجزأ منها، وفي حال تعرض الورقة إلى الضوء يضيء هذا الشريط بشكل لامع ومميز، على عكس المزور لا يحتوي على هذا الشريط من الأساس.
ويستخدم قلم اليود من أجل تسهيل الفصل بين الدولار الأصلي والمزور، حيث يحتوي القلم على مادة عند وضع نقطة منها على ورقة الدولار المراد الكشف عنها، تظهر ثلاثة ألوان هي الأصفر، البني أو الأزرق، ففي حال ظهر اللون الأصفر على الورقة فإن الورقة أصلية، أما حال تحولها إلى اللون الأزرق أو البني تكون الورقة مزورة.
في ورقة الدولار الأصلي تظهر العلامة المائية على ظهر العملة من جهة اليمين، ويمكن مشاهدتها بوضوح أكثر بحال تعرض ورقة العملة للضوء، أما في المزورة فتكون العلامة باهتة، وهذه العلامة موجودة على أوراق العملة الأمريكية من جميع الفئات، ما عدا فئة الدولار الواحد، حيث أنها غير موجودة عليها لأسباب لا يعلمها أحد
في الدولار الأصلي تكون الأرقام المتسلسلة متطابقة ويتم صبغها بلون موحد مع لون ختم البنك المركزي الأمريكي، على عكس الدولار المزور الذي تكون فيه الأرقام المتسلسلة غير مطابقة للختم.
في الدولار الأمريكي الأصلي تكون الصورة المرسومة عليه واضحة جداً بكل تفاصيلها، كما أنها تظهر وكأنها غير متصلة بخلفية الورقة بشكل فعلي، الصورة في العملة المزورة تكون غير بارزة حيث تظهر وكأنها جزء من الورقة، كما أنها غير واضحة أيضاً.
تطبع العملات الحقيقية للولايات المتحدة باستخدام تقنيات طباعة «أوفست» العادية ومن خلال هذه التقنية عملية دمج وتداخل الألوان في ورقة العملة حتى تصبح الألوان جزءاً من الورقة، وهذه التقنية تتطلب إحدى الآلات الحديثة الباهظة الثمن التي يصعب على المزور استخدامها بالإضافة للطباعة الرقمية التي لا يمكن نسخها، وبالكشف عن المناطق الضبابية وذات الطباعة الدقيقة، يمكن التمييز بسهولة، فالعملات الحقيقية تكون حدودها واضحة وبدون انقطاع.
ورغم محاولات السلطات والأجهزة الأمنية اللبنانية الجادة للحد من عمليات تزوير العملة الورقية، فقد أصبحت عمليات تزوير العملة ظاهرة خطرة تزيد من الأزمة الاقتصادية وحالة الانهيار الليرة وتعمم ظاهرة الخوف والقلق.