تزييف الحقائق لشن الحروب: العراق وايران مثالا

حجم الخط
0

تزييف الحقائق لشن الحروب: العراق وايران مثالا

د. سعيد الشهابيتزييف الحقائق لشن الحروب: العراق وايران مثالاعندما تصدت الولايات المتحدة الامريكية العام الماضي للسيد محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحاولت منع إعادة ترشيحه للمنصب، لم تكن أسباب ذلك واضحة تماما، وان كانت ثمة مؤشرات تؤكد عدم ارتياح واشنطن من سياساته ومواقفه. ولكن بعد صدور اتهام من احد اعضاء مجلس الوكالة الاسبوع الماضي لواشنطن بمحاولتها تزوير الحقائق في ما يتعلق بالمشروع النووي الايراني، اتضحت ابعاد الصراع المتواصل بين سياسات المنظمات الدولية المتصلة بالامم المتحدة، ومواقف الولايات المتحدة وأهدافها علي الصعيد العالمي. التزوير الامريكي الأخير جاء في تقرير أصدرته لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الامريكي قالت فيه ان ايران تقوم بصناعة اليورانيوم المخصب من العيار المناسب لتصنيع السلاح النووي، بأحد المواقع التجريبية. المسؤول بمجلس الوكالة، فيلموس كزرفيني، كتب رسالة الي بيتر هو كسترا، رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الامريكي، يقول فيها ان ايران تقوم بتصنيع كميات قليلة ذات معايير أقل كثيرا مما يصلح لصناعة السلاح النووي، واصفا التقرير بانه وقح وغير شريف . واشارت الرسالة الي ان التقرير أخطأ أيضا بقوله ان السيد محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قام بتنحية مراقب رفيع المستوي عن الفريق المكلف بالبحث في المشروع النووي الايراني بدعوي انه توصل الي استنتاج بان اهداف المشروع النووي الايراني هو صناعة السلاح وجاء في الرسالة ان تنحية المفتش المذكور جاء بناء علي طلب من الجمهورية الاسلامية وهو حق من حقوقها وفقا للمعايير المطبقة علي جميع الدول التي تحكم تعاملها مع الوكالة.وأضافت الرسالة ان التقرير احتوي اشارة وقحة وغير شريفة الي ان هذه التنحية ربما كانت بسبب عدم التزام المراقب بسياسة غير معلنة للوكالة تمنع مسؤوليها من اظهار الحقيقة الكاملة حول المشروع النووي الايراني . الرسالة المذكورة التي نشرت في صحيفة الواشنطن بوست تعتبر وثيقة دامغة تؤكد الاساليب الشريرة التي تنتهجها الولايات المتحدة في تعاطيها مع شؤون العالم. وأعادت الي الاذهان المواجهات الكلامية بين واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما اذا كان صدام حسين يسعي لصناعة اسلحة دمار شامل من بينها الاسلحة النووية. وكانت الولايات المتحدة قد استعملت هذه المقولة كذريعة اساسية للحرب التي شنتها ضد العراق في 2003. وفي العام الماضي سعت واشنطن لافشال محاولة البرادعي لاعادة ترشحه لمنصبه، ولكنها لم تنجح. الصلافة الامريكية في التعاطي مع قضايا الحرب والسلام في العالم لا حدود لها. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام علي الحرب علي العراق، بدأ المسؤولون الامريكيون الكبار الذين وضعوا استراتيجية تلك الحرب، يكشفون النوايا الحقيقية وراء تلك الحرب. فها هو ديك تشيني، نائب الرئيس الامريكي، يصرح علنا في الذكري الخامسة للعمليات الارهابية التي استهدفت مبني التجارة العالمي، بان الحرب ضد العراق كانت ستتم سواء كان صدام حسين يمتلك اسلحة دمار شامل ام لم يمتلكها. وكانت الادارة الامريكية قد سعت لتبرير تلك الحرب بالقول بان العراق يسعي لتكديس اسلحة دمار شامل، كيماوية وبيولوجية ونووية. ولكن التحقيقات اللاحقة أكدت ان العراق لم يمتلك ايا من تلك الا سلحة. واعترف تشيني علي شاشة تلفزيون ان بي سي الامريكية بان من الواضح ان المعلومات الا ستخباراتية التي ادعت ذلك كانت خاطئة . وأجاب بالايجاب لدي سؤاله عما اذا كانت الولايات المتحدة ستقوم بالحرب لو ان سي آي أيه قالت ان صدام لم يمتلك تلك الاسلحة. عقلية الاحتراب هذه هي التي تدفع للاعتقاد بان العالم أصبح أقل أمنا في السنوات الاخيرة بسبب سياسات واشنطن. وقالت استطلاعات للرأي العام الامريكي ان غالبية الامريكيين يعتقدون بذلك، وان اكثر من ستين بالمائة منهم يعتقدون ان الحرب ضد العراق كانت خاطئة، وان شعبية الرئيس بوش لا تتجاوز 40 بالمائة. هذه الحقائق تؤكد ان وقوف الشعب الامريكي مع الحرب كان ناجما عن عدد من الامور: اولها الشعور بالمرارة بعد حوادث 11 سبتمبر، ثانيها ثقته بتصريحات المسؤولين الكبار حول امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، ثالثها التغير في النفسية الامريكية تجاه العالم، وتعمق الشعور بان العالم هو الذي يحارب امريكا وليس العكس. الآن وبعد اكثر من ثلاثة اعوام انكشفت الحقائق امام الامريكيين، وان كانت تلك الحقائق معروفة لدي غيرهم. فمسؤولو فرق التفتيش التابعة للامم المتحدة التي كانت تقوم بتفتيش المنشآت العراقية كانت تعلم الحقيقة، وتصرح بها كما فعل هانز بليكس الذي ما يزال يتحدث بمرارة عن معاناته مع تزوير الحقائق من الجانب الامريكي. بليكس كان مسؤولا عن تفتيش مفاعل اوسيراك النووي العراقي قبل تدميره في 1981 من قبل الاسرائيليين، وكان رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية حتي 1997، وأكد بليكس في مقابلات عديدة رفضه مقولة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان بعد حرب العراق، لم يخف امتعاضه ازاء ما يتعرض له من تشويه علي ألسنة المسؤولين في واشنطن بسبب مواقفه التي أزعجتهم كثيرا. تلك المواقف والسياسات ساهمت، مع غيرها، في حرمان الولايات المتحدة من الغطاء الدولي للحرب ضد العراق، فشنت الحرب بقرار احادي لم تشاركها فيه سوي الحكومة البريطانية. وكما ان الشعب الامريكي اصبح يشكك في مصداقية رئيسه، فقد اصبح رئيس الوزراء البريطاني، هو الآخر، ضحية لتلك الحرب بعد ان انقلب الرأي العام ضده. البريطانيون اليوم يعتقدون ان سياسات بلير المسايرة للسياسات الامريكية جعلت بريطانيا هدفا للارهاب، بدلا من القضاء عليه. وتصاعدت الاصوات المطالبة بالابتعاد التدريجي عن واشنطن والاقتراب نحو اوروبا. حتي ان ديفيد كاميرون، رئيس حزب المحافظين، أصبح ينتقد علنا السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط، في محاولة للنأي عن تلك السياسات التي اصبح هناك ما يشبه الاجماع علي انها أدت الي تصاعد ظاهرة الارهاب بدلا من القضاء عليها. الصراع بين الولايات المتحدة والتشكيلات الدولية وعلي رأسها الامم المتحدة ولجانها المتفرعة، ليس جديدا، وكذلك سياسات التضليل الامريكية حول القضايا المهمة التي تهم العالم. فمع ان قضية العراق لم تنته بعد، خصوصا مع تحولها الي محرقة خطيرة وبؤرة لتفريخ الارهاب والتطرف، فان واشنطن تواصل استعداداتها لمنازلات سياسية، ربما عسكرية ضد ايران، الامر الذي ستكون له تبعات قد تفوق ما حدث في العراق. الواضح ان العالم ليس لديه رغبة في حرب أخري ضد ايران او غيرها، خصوصا بعد حرب لبنان التي كشفت مدي ما يمكن ان يذهب اليه اصحاب القوة العسكرية من تدمير عبثي لا يمكن وصفه سوي بالارهاب. في قضية لبنان، وقف العالم كله ضد العدوان الاسرائيلي، الا امريكا وبريطانيا اللتين وفرتا للعدوان الغطاء السياسي والدعم المادي. فبينما فتحت السلطات البريطانية تحقيقا موسعا لمعرفة أسباب حصول مقاتلي حزب الله علي جهاز للرؤية الليلية من صنع بريطاني، فانها فتحت مطاراتها لعبور طائرات النقل الامريكية التي حملت القنابل والصواريخ الكبيرة لكي تستعملها قوات العدوان الاسرائيلي ضد الابرياء في لبنان. مع ذلك فشل العدوان، ومعه داعموه في واشنطن ولندن. وليس معلوما بعد ما ستؤول اليه المسألة النووية الايرانية في ضوء الاصرار الانغلو ـ أمريكي علي مواجهته وابقائه علي طاولة النقاش الدولي. العالم لم يعد قادرا علي تحمل الاعباء النفسية والاخلاقية لأية حرب في الشرق الاوسط. فزعماء مجموعة الدول الخمس عشرة النامية من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية الذين اجتمعوا الاسبوع الماضي في العاصمة الكوبية أعربوا بصراحة عن تضامنهم مع ايران التي استلمت رئاسة المجموعة من الجزائر. اجواء الاجتماع الذي عقد علي هامش اجتماع منظمة دول عدم الانحياز كان مفعما بالخطابات الحماسية من الزعماء خصوصا هوغو تشافير. رئيس فنزويلا، الذي عبر عن تضامنه مع ايران واستعداده للدفاع عنها وعن كوبا في حال تعرض اي منهما لأي عدوان امريكي. ثمة امور تجدر الاشارة اليها لإكمال الصورة حول المشروع النووي الايراني. اولها ان المشروع النووي الايراني تأسس بدعم امريكي وتعاون ألماني وفرنسي مباشر. ففي 1975 مثلا، اي بعد عشرين عاما علي تأسيس المشروع، وقع وزير الخارجية الامريكي آنذاك، هنري كيسنجر، المذكرة رقم 292 القائمة علي اساس قرار مرتبط بالامن القومي الامريكي بعنوان التعاون النووي الامريكي الايراني التي تطرقت لبيع اجهزة الطاقة النووية الي ايران علي اساس انها ستعود بأكثر من ستة مليارات دولار علي الشركات الامريكية. كانت ايران يومذاك تنتج حوالي ستة ملايين برميل، مقارنة بأربعة ملايين في الوقت الحاضر. وكان سكان ايران حينها أقل من ثلاثين مليونا، مقارنة بأكثر من ستين مليونا الآن. وحتي 1977 كان اشخاص مثل ديك تشيني ودونالد رامسفلد وبول وولفويتز، المعارضون حاليا للمشروع النووي الايراني، معنيين بشكل عميق بترويج المشروع النووي الايراني القادر علي استخلاص البلوتونيوم من وقود المفاعلات النووية للاستعمال في صناعة السلاح. كان نظام الشاه يومها حليفا للولايات المتحدة الامريكية، وعلي علاقات مع اسرائيل . وفي 1976 وقع الرئيس جيرالد فورد امرا بمنح ايران فرصة شراء وتشغيل منشأة امريكية الصنع لاستخلاص البلوتونيوم من وقود المفاعلات الذرية. تلك الصفقة كانت ستوفر دورة وقود نووي كاملة. وبرر الرئيس فورد الصفقة بقوله: ان استعمال الطاقة النووية سوف يوفر ما يحتاجه الاقتصاد الايراني المتنامي من طاقة ويوفر المخزون النفطي الباقي للتصدير او التحويل الي مواد بتروكيماوية. ثانيها ان ايران وقعت في العام 1968 معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية ، ثم صادقت عليها في 1970، وما تزال ملتزمة بها، وتصر علي ان مشروعها النووي انما هو لاهداف سلمية، وان الموقف الامريكي منطلق علي اساس الشكوك وليس الحقائق. ويمثل هذا الموقف أكبر عائق امام السعي الامريكي لمحاصرة ايران، وذلك لعدم توفر الادلة علي غير ذلك. اما الاصرار الايراني علي امتلاك التكنولوجيا الكاملة لدورة الوقود النووي بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، فهو حق تضمنه معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية (ان بي تي). ثالثها ان الموقف الامريكي يواجه ضعفا سياسيا علي الصعيد الدولي وذلك بسبب صمته الكامل ازاء اسرائيل التي تمتلك اسلحة نووية خارج اي اطار قانوني دولي، والتي ترفض التوقيع علي ان بي تي. وثمة مطالبات متواصلة باخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك الاسلحة النووية، وهنا يشار الي الترسانة النووية الاسرائيلية، وليس الايرانية التي لم يثبت امتلاكها سلاحا نوويا، وان أكثر التقارير تشاؤما يشير الي ان ايران تحتاج الي بضع سنوات قبل ان تستطيع انتاج سلاح نووي. رابعها ان تعليق ايران مشروع تخصيب اليورانيوم العام الماضي كان طواعية ولا تفرضه عليها التزاماتها الدولية، وبالتالي فالعودة الي التخصيب لا يعتبر إخلالا بتلك الالتزامات، خامسها ان اقحام مجلس الامن الدولي في القضية أمر سياسي يهدف لاحداث التوتر والبلبلة، ويزيد القضية تعقيدا بدلا من حلها. وسوف يزداد الوضع توترا عندما تواصل واشنطن سياسة التضليل، ليس مع ايران فحسب، بل حتي مع الوكالة الدولية للطاقة، خصوصا بعد امتلكت المنظمة الشجاعة الكافية لتكذيب التقرير الامريكي المذكور الذي يحتوي الاكاذيب والتلفيقات. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية