تزييف الواقع .. طغيان القذافي هو من جلب (الناتو)

حجم الخط
0

سعدون يخلف الظاهر أن النخب العربية الـمثقفة متعلقة بأساطيرها أكثر من اللازم، لذلك فهي خائفة على مصير أنظمة مترهلة باعت الأرض والثروة والشرف ‘بثمن بخس دراهم معدودة’، فهذه الأنظمة للأسف أعطت الاحتلال شرعية العودة من جديد، وخيرت الشعوب بين الاستبداد والاستعمار، وبالمقابل نجد هذه النخب تحتقر الشعوب وتشك في ولائها، وتستهين بقدراتها على إحداث فعل التغيير، وكأن المطالبة بالحق في العيش الكريم حيث العدل والمساواة والحرية أصبح وصمة عار يوصم صاحبها بالعداء للوطن والعمالة للخارج.

يحاول هؤلاء أن يصفوا ما يحدث في الوطن العربي من حراك جماهيري وانتفاضات شعبية على أنه مؤامرة خارجية تقودها أمريكا وإسرائيل من أجل خلق فوضى وعدم استقرار في المنطقة حتى يتسنى لها السيطرة على الثروة، والهيمنة على العقول والقلوب، وتكون إسرائيل القوة الوحيدة في الشرق الأوسط تسرح وتمرح كما تشاء، لا يوقفها أحد، ولا يردعها رادع.

بينـما الواقع، والواقع لا يكذب، يقول بأن أمريكا تسيطر على كل المنطقة، فالأرض لها والنفط والغاز لها، والأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقط، بل هي تتدخل في صياغة السياسات الداخلية، وكذا الخارجية للدول، أما بالنسبة لإسرائيل فهي تسرح وتلعب كما تشاء، فهي تحتل الأرض التي تريد، وترسم الحدود وفق ما تبتغي، وطائراتها تحوم فوق الأجواء العربية وقت ما تشاء، وأما نغمة السيادة والاستقلال والممانعة فهي جعجعة لا أكثر ولا أقل.

والأسئلة التي تطرح في هذا الـمقام هي، هل يعقل أن ينتفض الشعب السوري ثمانية أشهر، وهو يواجه آلة القمع والذل والقتل من أجل أمريكا وفرنسا وبريطانيا؟

، وهل يعقل أن يرمي شباب في عمر الزهور نفسه في طاحونة الموت بغية نجاح ‘مشروع الشرق الأوسط الجديد’ الذي بشرت به ‘كوندليزا رايس’؟ ، وهل أصبحت الشعوب التي صبرت صبر أيوب فاقدة للوعي والإحساس بما يحدث لها ومن حولها حتى تنتظر التأشيرة من أمريكا أو غيرها؟. هذا والله استخفاف بالعقول وتزييف للواقع وتلاعب بالحقائق. وإذا كانت أمريكا لها القدرة على التأثير إلى هذا الحد، بإثارة الفوضى والقلاقل في العديد من الدول العربية في وقت واحد، والتأثير في الشعوب وتأليبها على حكامها بهذه الطريقة، فالحقيقة تقول إذاً، بأن هؤلاء الحكام غير جديرين بالحكم، ولا الشعوب جديرة بالحياة، ومبارك على أمريكـــا ‘الجمل بما حمل’ في المنطقة إذا جاز لنا استعارة التعبير العربي. نعم، لأمريكا مصالح في المنطقة العربية، لما لهذه المنطقة من موقع استراتيجي هام، وثروات باطنية هائلة، جعلها تحظى بنظرة خاصة من طرف القوى العالمية في مختلف الأوقات، فأمريكا تريد أن تبقى هذه المنطقة ضعيفة يديرها أشخاص ضعفاء وعملاء، مثل مبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح وبشار الأسد وغيرهم حتى يسهل التحكم فيها، والاستيلاء على ثرواتها، ولما رأت أن وظيفتهم انتهت، حيث أصبحوا عامل فوضى لا مصدر استقرار في بلدانهم، غيرت وهي القوة العظمى إستراتيجيتها، وبدلت خططها.

يقول هؤلاء بأن غباء الشعوب وغفلتها هو الذي جعلها تنساق للمخططات الأمريكية حيث أعطت حلف الناتو المبررات لقصف ليبيا وقتل شعبها وتدمير بنيتها التحتية، وتوفر اليوم الغطاء للتدخل الخارجي في سوريا، مع أن العكس هو الصحيح، فوعي الشعوب بذاتها، وإدراكها على أنها قادرة على إحداث التغيير، هو الذي جعلها تنتفض وتثور ضد الوضع القائم، فالشعب الليبي أو السوري كغيره من الشعوب انتفض من أجل دولة القانون حيث الحقوق مصونة، والعدل حاضر، والثروة للجميع.

أما الذي جلب الحلف الأطلسي إلى ليبيا، فليس الشعب الليبي المغبون، ولا الجامعة العربية المهزومة، ولا قطر، بل هو طغيان القذافي، وتفاهات كتابه الأخضر، وخطايا لجانه الشعبية، وحماقات أبنائه، وظلم الأسد لشعبه، وعبثيات حزب البعث، وتغول المؤسسة الأمنية، هو الذي يوفر المسوغات للتدخل الخارجي، وليس الشعب السوري المغلوب على أمره، ولا الجامعة العربية، ولا نظام آل سعود، ولا الصغيرة قطر. إن الحقيقة المرة التي لا بد من الإقرار بها في هذا الشأن، عكس ما تسوق له أبواق هذا النظام أو ذاك طوال خمسين سنة أو يزيد، هي أن العدو الأول للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، ليس أمريكا، ولا فرنسا، ولا بريطانيا، بل العدو هو هذه الأنظمة التي قامت على القهر والظلم والطغيان.. أنظمة ليس لها من شرعية إلا الاستقواء بالخارج وحماية مصالحه الإستراتيجية، أما مصلحة الأوطان والشعوب فهي لا تحظى بتفكير زعمائنا وقادتنا إلا في لحظات العسر وأوقات الشدة.

والسؤال، هل يوجد في الوطن العربي الكبير نظام واحد يستمد شرعيته من شعبه؟. الإجابة للأسف ستكون ‘لا’، مع أن في كل الدساتير العربية ديباجة تقول ‘الشعب هو مصدر السلطات’، التي بقيت مجرد شعار فقط لا يلامس الواقع، فبعض هذه الأنظمة تتخفى تحت عباءة الملك، وبعضها يستقوي بالمؤسسة العسكرية وأنه أحد أبنائها، والبعض الآخر يحتمي بالشرعية الثورية.

أقول، لهؤلاء المتشائمين من هذا الحراك الجماهيري الذي أعاد الحياة للعرب، وأثبت أنهم مازالوا على قيد الحياة، وقذف الرعب في قلوب الحكام وزبانيتهم، بألا يحزنوا على هذه الأنظمة البائسة.. البالية، فالمستقبل سيكون أفضل إن شاء الله، وإن كان فيه بعض السوء، فلن يكون أسوأ مما كان. ‘ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية