تساؤلات إسرائيلية عن نتائج القمة العربية وعن اصطفافات جديدة محتملة

وديع عواودة
حجم الخط
2

الناصرة- “القدس العربي”:

يواصل رئيسا حكومتي إسرائيل السابقان إيهود باراك وإيهود أولمرت الهجوم على بنيامين نتنياهو واتهامه بإدارة حرب فاشلة لا علاقة لها بأمن إسرائيل.

وكان أومرت قد حمل في الليلة الفائتة على نتنياهو في حديث لقناة الجزيرة مباشر معربا عن أسفه لمقتل نجل خليل الحية. غير أن موقف أولمرت القاطع ضد حكومة نتنياهو وسياساتها واعتدائها على قطر (وإن كانت معارضته لا تنم عن سبب مبدئي بل لحسابات الزمان والمكان)، وكذلك انتقادات باراك لا تعكس موقف المعارضة الإسرائيلية برئاسة يائير لبيد الذي سارع بحماقة لمباركة “عملية الاغتيال” في الدوحة، ونشر صور “قادة حماس القتلى” ضمن سباق مع نتنياهو على مواقف قومجية وشعبوية. إلا أن ضعف المعارضة الداخلية،علاوة على عوامل أخرى، تشجّع نتنياهو على التمادي ومواصلة الحرب والعربدة في المنطقة، والتلميح مجددا بتمسكه بنهج الاغتيالات، حيث ألمح في الليلة الفائتة في تغريدة، أن محاولة الاغتيال في الدوحة فشلت وأنها ستتكرر بقوله إن بقاء قادة حماس يعني بقاء العقبة حائلا دون اتفاق يعيد المخطوفين ويوقف الحرب، وقد سبق أن هدد باستنساخ الاعتداء حتى في قطر ضمن “ملاحقة الإرهاب”.

ويتكاتب كاريكاتير صحيفة “يديعوت أحرونوت” مع استمرار الرغبة باعتداء جديد في قطر وأي  دولة عربية، حيث يبدو نتنياهو فيه وهو يوصي طيارين عسكريين مقابل طائرات إف 16 مخاطبا إياهم: “ابقوا على يقظة، ففي كل لحظة من الممكن أن تدهمنا عملية مفاوضات”.

الدعم الأمريكي

نتنياهو المسكون بجنون العظمة يستمد الدعم للمضي في عدوانه المفتوح على المنطقة من الضوء الأخضر الأمريكي أيضا. فتسريبات موقع “بوليتيكو” الأمريكي قبل أيام حول غضب ترامب على نتنياهو واتهامه بتفجيرٍ ما، كلما اقتربت صفقة، ليست سوى علاقات عامة ومحاولة لامتصاص غضب وعتب عربي، كما يؤكد مراقبون إسرائيليون أيضا.

تتجلى حقيقة موقف واشنطن في تصريحات جديدة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بقوله قبيل وصوله إلى إسرائيل اليوم، إنه رغم أننا قلقون من الضربة، تبقى علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل متينة جدا. ومع ذلك يتساءل مراقبون في إسرائيل اليوم الأحد عما إذا كانت القمة العربية هي التي ستفرمل نتنياهو وتدفع ترامب لوقف الحرب من خلال تحركات عملية محتملة، أم أنها ستكتفي بتنديد ضد الهجوم الإسرائيلي كما حصل بعد اعتداءات سابقة مثل محاولة اغتيال خالد مشعل داخل عمّان في 1997، واغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح في دبي عام 2010.

ويحذّر محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “هآرتس” دكتور تسفي بار إيل، من احتمال تشكل محور خليجي ضد إسرائيل لأن القصة هذه المرة ليست غزة. لافتا إلى أن دولا عربية حليفة للولايات المتحدة ترى في إسرائيل تهديدا، وتطالب بضمانات وبدفاع.

ويقول بار إيل إن قمما عربية سابقة انتهت بالأساس بتصريحات، لكنها انطوت على نتائج كقرار الأمم المتحدة الأخير الذي تبنى إعلان نيويورك حول تسوية الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين.

ويتساءل المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بن درور يميني، اليوم الأحد، “هل تؤدي الضربة في الدوحة لجبهة واحدة حقيقية بين دول الخليج، تقرب إيران والسعودية، تركيا ومصر؟”. ويقول إنه على إسرائيل أن تصلي لأن تبقى هذه تصريحات فحسب، وأن تبقى مواقف مزيفة.

في المقابل، هناك مراقبون إسرائيليون يدعمون الاعتداء كأغلبية الإسرائيليين، من أبرزهم مستشار الأمن القومي السابق مئير بن شبات الذي يقول في مقال جديد تنشره صحيفة “يسرائيل هيوم” إن “اتفاقات أبراهام” بقيت رغم الحرب، ورغم قتل عشرات آلاف الفلسطينيين. ويستبعد بن شبات ردا عربيا فعليا على “ضربة الدوحة” زاعما أن قادة دول عربية يتمنون في سرّهم القضاء على حماس. وهذا برأيه يدلل على أن الحرب والسلام مختلطان وممكنان في ذات الوقت، علما أنه دعا في ذات يوم الاعتداء على الدوحة لاغتيال ” قادة حماس الخارج” حتى في قطر وتركيا.

ويذهب الكاتب الإسرائيلي تسور شيزاف في هذا المضمار إلى الاستخفاف بمصر، ويصف رئيسها السيسي ساخرا بـ”فرعون مصر الجديد” وذلك في مقال تنشره صحيفة “معاريف” اليوم. وما زال الاعتداء الفاشل على الدوحة يشغل أوساطا واسعة في إسرائيل، عن توقيته ومكانه وجدواه وتبعاته في الاتجاهات المختلفة، وتتركز بمعارضة المؤسسة العسكرية والأمنية له و”بالأسئلة الصعبة كيف اتخذ القرار المعتل؟ لماذا عارض رؤساء الأمن؟ وكيف نجت قيادة حماس؟ كما جاء في العنوان الرئيس لصحيفة “يديعوت أحرونوت”.

الطمع الحقيقي

بيد أن نتنياهو لا يأبه بكل هذه التساؤلات والاعتبارات والتحذيرات من تبعات النزيف على إسرائيل بكل الصعد، ويبدو كمن قرر الذهاب إلى محاولة احتلال مدينة غزة رغم تحفظات واضحة للمؤسسة الأمنية، طمعا بتدميرها كسائر المدن الفلسطينية، وفتح باب “الهجرة الطوعية” بعد القضاء التام لا على حماس كما يدعّي علانية، بل على مقومات الحياة الآدمية داخل القطاع، وكل ذلك أملا بمكسب كبير تاريخي يخدم الأجيال اللاحقة في إسرائيل ويحسم الصراع مع الفلسطينيين ويقلل مخاطر الديموغرافيا ويعوض الفشل المذل في السابع من أكتوبر.

نتنياهو صاحب “الأنا” المتضخمة والمريضة الذي طالما اعتبر نفسه “سيد الأمن” وتشرتشل الإسرائيلي، قلب “طوفان الأقصى” الطاولة على رأسه مما دفعه للانتقام من قطر (خاصة في ظل الإحباط من فشل الاعتداء على الدوحة) لدورها في دعم حماس وبعد نجاحها في اختراق ديوانه وتجنيد أقرب موظفيه، ويطمع بحرب مدمرة وسط دعم أمريكي وانتقاد أوروبي ضعيف حتى الآن، مما يفسر استخدامه مطلحات توراتية وإشارته قبل أسبوعين إلى أنه يقوم بمهمة تاريخية من أجل الأجيال. وهذا كله ينذر بالمزيد من الفظائع بحق الفلسطينيين، وهذا ينعكس في تكرار وزير الحرب يسرائيل كاتس لأقواله أمس بأن غزة تشهد عاصفة “هوريكان”.

بلا عقل

ولذا يحمل رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك على نتنياهو مجددا، عندما قال في حديث للإذاعة العبرية الرسمية اليوم الأحد، إن الأخير يتحدث بما هو مريح له، وما يشغل اليوم هو مواصلة الحرب لاعتبارات متنوعة لا علاقة لها بأمن إسرائيل. ويقول باراك إن العملية في الدوحة فشلت وأضرارها بالغة، ويكفي النظر للقمة العربية في قطرغدا ولتقارب مصر وإيران وتركيا وسعيها لمطالبة الولايات المتحدة بوقف البلطجة الإسرائيلية، علاوة على قرار الأمم المتحدة بدعم فلسطين الذي يشير إلى أننا نتلقى نتيجة معاكسة تماما لما يريده نتنياهو.

لا قيمة عملية للقرار الأممي حول الاعتراف بفلسطين؟ سُئل باراك، فأجاب: “لا قيمة عملية فورية لإعلان نيويورك، ولكنه مهم جدا مستقبلا، ونحن على موعد مع تسونامي كبير ضدنا. قادة حماس أبناء موت، أما التوقيت فبلا عقل ولماذا الآن ولماذا في قطر؟ خسارة أن الضربة فشلت لكن نتائجها بائسة. الضربة استهدفت أيضا اغتيال المفاوضات كما فعل في السابق، وهذا ما تقوله الإدارة الأمريكية. الهدف الأعلى الآن هو استعادة المخطوفين بدلا من التضحية بهم، وقرار نتنياهو بمهاجمة الدوحة يدلل على قلة رجاحة عقله خاصة أن المؤسسة الأمنية حذرته بوضوح”.

في هذا المضمار يعبّر المحلل العسكري البارز يوآف ليمور في مقال تنشره بصحيفة “يسرائيل هيوم” بقوله إن مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية يؤكدون أن إسرائيل تهدد أمنها القومي بشكل غير مسبوق: فشل الضربة في قطر واستمرار “عربات جدعون” الثانية يثيران تحفظات قادة الجيش.

النزيف الدبلوماسي في العالم

ويعبّر الباحث في الشؤون الفلسطينية بجامعة تل أبيب ميخائيل ميليشتاين، عن قلق المؤسسة الأمنية والدولة العميقة من تبعات البلطجة الإسرائيلية بقوله في مقال بصحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم الأحد، إن إسرائيل تغامر بمصالح استراتيجية. ويعلل ذلك بالإشارة لانفلاتها من احتلال غزة وضم الضفة وحتى مهاجمة الدوحة “لحظة قبل التسونامي الدبلوماسي المتوقع في ظل اعتراف عالمي واسع بالدولة الفلسطينية، فإن إسرائيل تجتهد لتأمين أن يكون التهديد عظيما”.

ويحذر من تراجع إستراتيجي وخسائر حقيقية كاتفاقات أبراهام والسماح بعودة عجلة التاريخ للوراء، منوها لتوضيحات السعودية بأنه لا أفق للتطبيع طالما تستمر الحرب، ولتدهور علاقات إسرائيل بالأردن، ولتزايد التوتر مع مصر عشية احتلال غزة وتهديد التهجير وتوجيه اتهامات فارغة للقاهرة. لافتا إلى قلق العالم من إدمان إسرائيل للقوة العسكرية المتبلة بشعارات دينية ورموز توراتية.

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية