د. نصار عبدالله هل يحق للرئيس المنتخب الــــذي تم انتــخابه وفقا لإعلان دستوري معين، هل يحق له أن يصدر إعلانا دستوريا جديدا يتعارض في بعض بنوده مع الإعــلان الدستوري الذي انتخب وفقا له؟ …وهل يحق له أن يمنح لنفـــسه في الإعلان الجديد صلاحيات أوسع مما كان مقررا لـــه في الإعلان الذي انتخب بناء عليه؟ … ولــــكي نكون أكـــثر تحديدا فإن الرئيس محمد مرسي قد انتخب وفقـا لأحكام الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011، والذي نظم طريقة انتخاب رئيس الجمهورية في المواد من 25 إلى 30 حيث جاء نص المادة 25 كما يأتي: ‘رئيس الدولة هــــو رئيس الجمهــــورية، ويســـهر على تأكيد سيادة الشعب وعلى احترام الدستور وسيادة القانون وحماية الوحدة الوطنية والعدالة الإجتماعية وذلك على الوجه المبين بهذا الإعلان والقانون، ويباشر فور توليه مهام منصبه الاختصاصات المنصوص عليها بالمادة ( 56) من هذا الإعلان’.وعندما فاز الدكتور محمد مرسي بمنصب الرئاسة قام سيادته بأداء القسم المنصوص عليه في المادة 30 من الإعلان الدستوري ذاته، وهو كما يأتي: ‘أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه’، فإذا عدنا إلى السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا وهو هل يحق للرئيس المنتخب الذي تم انتخابه وفقا لإعلان دستوري معين، هل يحق له أن يصدر إعلانا دستوريا جديدا يتعارض في بعض بنوده مع الإعلان الدستوري الذي انتخب وفقا له ويمنح فيه نفسه اختصاصات وصلاحيات أوسع بكثير مما كان مقررا لسيادته بمقتضى نص المادة 56 من إعلان 30 مارس؟، وهذا هو في الواقع ما فعله السيد الرئيس بالفعل في الإعلان الذي أصدره بتاريخ 21/11/2012، حيث قام بمنح نفسه حق تعيين النائب العام، وحق إسباغ صفة النهائية على الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة الصادرة من سيادته منذ توليه السلطة في 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد، بحيث تكون تلك القرارات نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض لقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء، وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية!! (مخالفا بذلك نص المادة 21 من إعلان 30 مارس الذي أقسم سيادته ثلاثا على احترامه) وهي المادة التي تنص على أن : ‘التقاضى حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا، ويحظر النص في القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء’. وهذا التصادم مع نص المادة 21 من إعلان مارس ليس هو الوجه الوحيد للتصادم بين إعلان الدكتور مرسي في 21/11/2012 وبين إعلان 30مارس / 2011، فإعلان الدكتور مرسي يتصادم أيضا مع نص المادة 46 من إعلان مارس الذي ينص على أن القضاء سلطة مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها، وتصدر أحكامها وفقا للقانون، وكذلك مع نص المادة 47 التي تنص على أن ‘القضاة مستقلون، وغير قابلين للعزل وينظم القانون مساءلتهم تأديبياً، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة’، وكذلك مع نص المادة 48 التي تنص على أن مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة، ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية وفي الدعاوى التأديبية، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى’. وأخيرا فإن إعلان الدكتور مرسي يتصادم مع مبدأ قانوني ثابت ومستقر وهو أن القرارات والقوانين والإعلانات الدستورية لا يعمل بها إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية بينما نص قراره على أن يعمل به اعتبارا من تاريخ صدوره وأظن أن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي ينص فيها إعلان على العمل به من تاريخ صدوره (وليس بعد نشره) …ألا يعد هذا كله من جانب سيادته حنثا بالقسم (الذي أداه ثلاث مرات لا مرة واحدة: مرة في ميدان التحرير، وأخرى في قاعة الإحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، وثالثة أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا)؟، لقد انبرت أصوات بعينها مؤيدة للدكتور مرسي تقول إننا في حالة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، (هل يدخل الحنث بالقسم في دائرة المحظورات التي يمكن أن تبيحها الضرورات؟) وتضيف هذه الأصوات قائلة إننا بدون هذه الصلاحيات الإستثنائية للرئيس لن نستطيع اجتياز مرحلة الفراغ المؤسسي الذي نعيشه، ولن تتمكن الجمعية التأسيسية من وضع دستور جديد ينهي هذا الفراغ ويمكن من بناء المستقبل، وهو عذر أكثر إفزاعا من إعلان 21نوفمبر ذاته، لأ ن مؤدى هذا العذر هو تمكين تيارات سياسية ذاتها داخل الجمعية التأسيسة من فرض دستور على مقاسها وفرض إرادتها على التيارات الأخرى، محتمية بأن وراءها رئيسا من نفس تيارها، وقد أصبحت لديه ـ بمقتضى إعلانه هو ـ صلاحيات لم يتمتع بها أي رئيس من قبل تتيح له أن يصدر قرارات لا تقبل الطعن، ولا التعقيب، ولا وقف التنفيذ، ولله الأمر من قبل ومن بعد. كاتب مصري