واشنطن-“القدس العربي”: روج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعنصرية وكره الأجانب، وحرض على العنف، وأساء استخدام سلطاته إلى درجة أن الكونغرس سارع في إجراءات مساءلة تهدف إلى عزله. وشهد البيت الأبيض في عهد ترامب أعلى مستويات التخبط الرئاسي، حيث رفض الرئيس الأمريكي التعامل مع وباء كوفيد- 19 على محمل الجد، حتى بعد إصابته شخصياً بالفيروس، إذ ما زال ترامب يتحدث عن اختفاء الوباء من تلقاء نفسه بطريقة سحرية.
وترامب، هو أول رئيس للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، تشهد فترة ولايته خسارة صافية في الوظائف، والأسوأ من ذلك كله، على حد تعبير الكاتب ماكس بوت، أن طريقة استجابته الفاشلة لمواجهة فيروس كورونا قد أدت إلى وفاة 214 ألف شخص، أي ما يقارب من أربعة أضعاف عدد القتلى الأمريكيين في حرب فيتنام.
وليس سراً أنّ ترامب يحتقر الخدمة العسكرية، ويقلل من قيمة قدامى المحاربين، كما أهان عائلات ضحايا الحروب، بمن في ذلك السيناتور السابق الراحل جون ماكين، وعلى حد تعبير النائب الأمريكي روبين جاليغو من ولاية أريزونا، فإن ترامب لا يعرف الشرف والخدمة والواجب مثل الجنود، وبالنسبة له، العسكر مجرد بيادق سياسية ونقطة للنقاش في تجمع انتخابي، مشيراُ إلى أن ترامب يستفيد من الانقسام والفوضى لتحقيق مكاسب سياسية.
وأكد النائب جاليغو أن ترامب خرق كل قاعدة ومعيار أخلاقي للرئاسة الأمريكية، وقال إن ترامب لا يليق لقيادة الولايات المتحدة.
ورحب ترامب بالهجمات الروسية على الانتخابات الأمريكية، وحبس الأطفال في أقفاص، بحجة الهجرة غير الشرعية، ومع ذلك، لا يزال عشرات الملايين من الأمريكيين يؤيدونه، لماذا؟
يتمتع ترامب بتأييد 42 في المئة من الأمريكيين، وغالبيتهم من المسيحيين البيض ودعاة الصهيونية، لأسباب تدعو للتساؤل، من بينها التخفيضات الضريبية والأجهاض وموالاة كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهناك الكثير منهم لا يرون مشكلة في قسوة ترامب وعنصريته وكراهيته للأجانب، وفي الواقع، كانت هذه النقاط المخزية هي السبب الرئيسي لفوزه في انتخابات 2016.
وهناك اعتقاد لدى قاعدة غير قليلة من الناخبين بأن البديل لترامب هو تحويل الولايات المتحدة إلى “فنزويلا جديدة” وأن منافسه بايدن هو “دمية” في يد اليسار المتطرف، على الرغم من أنه، في الواقع، يعارض “الرعاية الطبية للجميع” و”الصفقة الخضراء” و”قطع تمويل الشرطة” والأفكار التقدمية الأخرى.
واستنتج العديد من المحللين الأمريكيين، ومن بينهم ماكس بوت في “واشنطن بوست” أن استعداد الملايين من الناخبين لتصديق أكاذيب ترامب والمزاعم عن بايدن هي علامة مقلقة عن مدى الانقطاع عن الخطاب العقلاني الواقعي، إذ لا يزال العديد من الناخبين يدعمون ترامب لأنهم يعيشون في فقاعة من المعلومات المضللة محكمة الإغلاق.
وقد أوضحت دراسة لمركز “بيو” للأبحاث أن 86 في المئة من الأمريكيين الذين يشاهدون قناة فوكس نيوز اليمينية المتطرفة قالوا إن خطابات وتعليقات وأفكار ترامب “صحيحة تماما” بما في ذلك أفكاره الغريبة في التعامل مع فيروس كورونا، كما قال 39 في المئة منهم أن خصوم ترامب هم من المتحرشين الشياطين بالأطفال.
اليمين الأمريكي روج لعدة نظريات كاذبة على مدار عقود، بما في ذلك وايت ووتر ووفاة فينيس فوستر وخدمة القوارب السريعة لجون كنيدي ورحلة بيل كلينتون إلى موسكو وشهادة ميلاد الرئيس السابق باراك أوباما.
مخاوف حقيقية
على أي حال، عاد ترامب بكل قوته إلى مسار الحملة الانتخابية، ولكن جدول الجولة أشار، وفقا للعديد من المحللين الأمريكيين إلى ضعف المركز الانتخابي لترامب، إذ سافر إلى ولايات فلوريدا وأيوا وجورجيا في أسبوع واحد، وتأتي علامات الاستفهام من هذه الجولة لأن ترامب فاز في أيوا بأكثر من 9 نقاط ضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في 2016 ولم يفز أي ديمقراطي بولاية جورجيا منذ الرئيس الأسبق بيل كلينتون في عام 1992 وهذا يعني أن هناك مخاوف حقيقية عند حملة ترامب بأن هذه الولايات ليست مضمونة بنسبة جيدة له.
ورقص ترامب في تجمع انتخابي حاشد في سانفورد بولاية فلوريدا، بعد خروجه من المستشفى العسكري لإظهار أن معنوياته عالية جداً، ولكن تعليقاته وتصرفاته في ذلك التجمع أثارت مرة أخرى مخاوف بشأن السلامة العامة مع ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا في أجزاء كثيرة من البلاد، في حين تجنب بايدن التجمعات الكبيرة.
ومن الواضح أن ترامب يخوض حرباً على عدة جبهات، على الرغم من ولاء قاعدته، ووفقاً لاستطلاعات الرأي الحديثة، فإن وضع ترامب متدهور للغاية في ثلاث ولاية كانت حاسمة في فوزه عام 2016 وهي ميشيغان وبنسلفانيا ويسكونسن، ومن الواضح أن ترامب في موقف دفاعي في كثير من الولايات، بما في ذلك فلوريدا، التي تعتبر أكبر وأهم ولاية متأرجحة، وأكدت الاستطلاعات بأنه يتراجع في أريزونا ونورث كارولاينا.
وقال الخبير في الاستراتيجيات الديمقراطية، جو تريبي، إن بايدن في حالة هجوم وترامب في حالة دفاع، مشيراً إلى أن الخريطة الانتخابية تتوسع لبايدن وتتقلص لترامب، وأكد بأنه لا يمكن تغيير هذه الديناميكية بالذهاب إلى الولايات التي فزت فيها.
وجادل محللون بأن ترامب ليس لديه في الواقع سوى القليل من الخيارات، وأكدوا أن جولاته قد تساعد على تأمين هذه الولايات في هذه المرحلة، مما يسمح له بالتركيز بشكل أكثر ضيقاً في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.
والسؤال الأهم في هذه المرحلة هو من سيفوز حقاً في الانتخابات؟ وفقاً لاستطلاعات الرأي، يتقدم جو بايدن مع اقتراب موعد يوم الانتخابات في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، حيث تشير الاستطلاعات أن أكثر من نصف الأمريكيين ينوون دعم بايدن بينما يتخلف دعم ترامب بحوالي خمس أو ست نقاط فقط.
وقد فاز ترامب في عام 2016 على الرغم من خسارته في التصويت الشعبي، لذلك من السابق لأوانه تحديد من سيفوز بالبيت الأبيض، ولكن من الواضح أن ترامب قد أدرك حجم مشكلته، لذلك بدأ في التوسل بشكل مفتوح من أجل الأصوات، وخاصة أصوات النساء المتعلمات، إذ قال في تجمع حاشد بولاية بنسلفانيا “نساء الضواحي، من فضلكن انتخبوني” وعلى حد تعبير بعض الخبراء فإن هذا أمر محرج، ولكنه يشير إلى مشكلة في معسكر ترامب، إذ فاز الرئيس الأمريكي بالناخبين الذين يعيشون في الضواحي بنسة 49 في المئة بفارق نقطتين عن هيلاري كلينتون، وفقا لمركز “بيو” ولكن انتخابات التجديد النصفية لعام 2018 كشفت عن ثورة في الضواحي ضد ترامب، حيث فقد الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب.
ولسوء حظ ترامب وجماعته من الجمهوريين، لم تكن هذه الثورة مؤقتة، إذ اظهرت استطلاعات الرأي أن بعض الولايات، التي يقيم الكثير من السكان فيها في الضواحي، قد ابتعدت عن ترامب، بما في ذلك ولايات بنسلفانيا وكولورادو وجورجيا وفلوريدا، وهناك احتمال أن يفقد العديد من المشرعين الجمهوريين مقاعدهم في مجلس الشيوخ بسبب الأداء الضعيف لترامب في مواجهة كورونا.
تخويف النساء
وتكمن مشكلة ترامب في أساليبه الكاذبة، إذ حاول تخويف النساء في الضواحي بأن عدم انتخابه سيعني انتشار العصابات وشبكات الجريمة وأنصار”انتيفا” في مناطقهم الهادئة، ولكن الناخبات، في الواقع، لا يقبلن بذلك، كما أن لديهن قناعة بأن الضواحي غير مهددة كما زعم ترامب.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن ترامب يتقدم في استطلاعات الرأي، وهذا يعني أنه في طريقه لتحقيق نصر كبير في غضون ثلاثة أسابيع لوضع حد للرئاسة الأمريكية الأكثر اضطراباً في التاريخ الأمريكي الحديث، وتبدو الولايات التي فاز بها ترامب خارجة عن متناوله الآن، حتى في المعاقل الجمهورية، مثل تكساس، هناك تنافس حاد بين ترامب وبايدن، ولكن العديد من المحللين أثاروا علامات استفهام بشأن مدى صدق استطلاعات الرأي، خاصة بعد الفشل المفاجئ لكلينتون في الانتخابات الماضية بعد أن اتفق الجميع على فوزها.
ومن جهة أخرى، لولا غطرسة ترامب وتعامله الفوضوي والمتعجرف مع الوباء، الذي أودي بحياة 215 ألف أمريكي، لما كان لبايدن هذه الفرصة الذهبية مع اقتراب يوم الانتخابات، إذ أصبحت الانتخابات الرئاسية وكأنها استفتاء على طريقة تعامل ترامب مع الجائحة، ولو لم تكن أرقام البطالة مرتفعة بشكل قياسي لكان الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لبايدن.
وفي الواقع، كان المسرح مهيئاً بشكل جيد لترامب للفوز لولا كوفيد- 19 والانهيار الاقتصادي وحوداث إطلاق الشرطة النيران على السود، كان ترامب بالفعل هو شاغل الوظيفة في البيت الأبيض مجدداً، ولكن كما قال العديد من المعلقين “هذه هي الكارما”.