تساؤلات عن تأثير رائد صلاح على سجال “الإسلاميتين” وعلى الحلبة السياسية في الداخل الفلسطيني

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: “في الليلة الظلماء يفتقد القدر” قال النائب عن التجمع الوطني الديموقراطي سامي أبو شحادة، مخاطبا الشيخ رائد صلاح خلال زيارة تهنئة بالسلامة، فيما أشاد رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة به، مؤكدا أن تكرار اعتقاله هو جزء من حرب تشنها إسرائيل على هوية ووعي المجتمع العربي الفلسطيني فيها.

في أم الفحم، بدا واضحا أن عودة وأبو شحادة فرحين جدا ليس فقط لدوافع تتعلق بالناحية الإنسانية والزمالة والتكافل مع رئيس حركة أفرج عنه بعد سجن طويل قاسٍ، بل تدلّل كلماتهما على أملهما بأن يؤدي الإفراج عن الشيخ رائد صلاح لإضعاف الحركة الإسلامية الشق الجنوبي، والقائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس، وبالتالي صبّ الماء على طاحونة المشتركة. لكن التعويل على ذلك مؤشّر على خلل أو حالة عجز، فما نيل المطالب بالتمني، والسياسة أيضا تؤخذ غلابا وإلا كيف تثمر وتدوم؟

البحث عن قائد وعن فكرة

ربما يؤدي خروج الشيخ رائد صلاح إلى هذه النتيجة المأمولة من قبل أوساط في القائمة المشتركة. فهذا يتعلق بعدة عوامل موضوعية وذاتية، محلية وقُطرية وإسرائيلية، منها مستقبل الائتلاف الإسرائيلي الهشّ وقدرة “الموحدة” على ترجمة أقوالها وخطابها المدني المجرد والمنزوع من المضمون والسياق السياسي إلى أفعال، وهذا غير واضح حتى الآن.

المؤكد أن الإفراج عن رئيس الحركة الإسلامية (قائد مع صبغة أبوية ووزن معنوي ومرساة سياسية في زمن الاهتزاز والردّة والعواصف وأحد القادة القدامى القلائل من رعيل عبد الوهاب دراوشة، عزمي بشارة وجمال زحالقة وأحمد الطيبي وغيرهم) سيمنحها طاقة معنوية وسيعززّها رغم الحظر الإسرائيلي، وربما بسببه في حال تبين (كما يبدو حتى الآن) أن طريق “الموحدة” وعرٌ ومحفوف بالمخاطر، ولم يحقّق بعد مكاسب مدنية حقيقية كبيرة على مستوى المساواة في المواطنة.

ويبقى السؤال حول الحركة الإسلامية المحظورة كم هي قادرة ومعنية بالتمّدد الآن من جديد، وهل تعدّل أداءها وتوجهاتها بحيث تصبح أقرب للمركز والوسط، وخطابها أنضج وأوسع من خطاب الطائفة (تجربة حزب الله) وأكثر انفتاحا وتسامحا على شرائح وجماهير أخرى تفتقد بشكل أو بآخر لقائد أو فكرة أو مشروع في ظل أزمة قيادة وحالة فراغ آخذة بالاتساع داخل أراضي 48؟

أزمة القيادات

مثلما أن ذلك منوط برد فعل السلطات الإسرائيلية في ظل مزاودات وتجاذبات داخلية، وحكومة تحاول إثبات وطنيتها وصهيونيتها بالمزيد من الضغوط والتهويد والاستيطان على المجتمع العربي داخلها أيضا.

بعد توالي هذه الاعتقالات التي ترتبط  بشكل عام في القدس والأقصى الموجود محط إجماع المجتمع العربي وكل الشعب الفلسطيني وفي قلب وجدانه من المحتمل أن ترتفع قوة جذب الشيخ رائد صلاح شخصيا حتى لدى من هم بعيدين عن الخط الإسلامي ولدى العلمانيين رغم حالة التردي والجزر، وربما بسببها في هذه المرحلة. ويتجه الشيخ رائد صلاح أكثر فأكثر نحو خطاب سياسي أكثر اعتدالا وانفتاحا على الآخرين، ولابد أنه يدرك رغم الغياب عن الساحة منذ ثلاث سنوات، تفاقم أزمة القيادة العربية المحلية وإمكانيات شغل الفراغ.

لا للتكفير ولا للتخوين ولا للتجريح

يصف صلاح دخول الموحدة في الائتلاف الإسرائيلي الحاكم بوصف لطيف “اجتهاد خاطئ” ويرفض التكفير والتخوين والتجريح، بعكس توجهات نائبه الشيخ كمال خطيب الذي يواصل حملة انتقادات شرسة للموحدة، وإن كان هناك من يقول إن الأخير هو صاحب الخط المؤثّر على جمهور الحركة الإسلامية الشمالية.

وهنا أيضا يتعلق مدى ازدياد نفوذ “الشمالية” (رغم انتكاسة الحركات الإسلامية في المنطقة العربية) بعدة عوامل موضوعية وذاتية، منها قدرتها على التجدد واستمالة طاقات وقوى جديدة، وبانفتاحها وتسامحها في التعامل مع الآخر المختلف عقائديا وطائفيا وسياسيا هي وليس رئيسها فحسب، وبمدى جاهزيتها لقيادة مشروع إصلاح عصامي يستفيد من أخطاء وتجارب الماضي كمكافحة الجريمة والعنف الذي يستدعي بالذات اليوم تعاونا وتشبيكا واسعا بعكس مشروعها قبل 20 عاما: “البيت الآمن” الذي لم ينجح لكونه أكبر من قدرتها على حمله لوحدها.

ردا على سؤال ضمن حديث خاص لـ”القدس العربي” قال الشيخ رائد صلاح الأربعاء إنه ملتزم بالخط الدافئ المتسامح مع الآخر، وإنه يستعد لقيادة مشروع إصلاحي اجتماعي عملا بالمسؤولية المجتمعية الذاتية وعدم الاكتفاء بالاتهام المحق للسلطات الإسرائيلية بزرع الفتنة وإطلاق الجريمة والمجرمين لهدم البيت من داخله.

يستعد الشيخ رائد صلاح لقيادة مشروع إصلاحي اجتماعي عملا بالمسؤولية المجتمعية الذاتية

رغم تميز رائد صلاح بالمثابرة والصبر والتزام “جهد النملة”، يبقى الامتحان في التطبيق طبعا. لكن المؤكد أنه سيعمل بالدرجة الأولى من أجل تعزيز حركته قبل إسعاف الآخرين حتى لو كانوا من حلفائه ضد خصومه القدامى. عبّر عن ذلك أحد مسؤولي الحركة الإسلامية- الشق الشمالي، الصحافي حامد اغبارية بقوله في صفحته الأربعاء: “لن ينشغل الشيخ رائد صلاح بما ذهبت إليه بعض التحليلات (التي هي أقرب إلى الأمنيات) بتقوية القائمة المشتركة على حساب الموحدة، فهُما من حيث الموقف من الكنيست ومصائبها سيان. الشيخ لديه مشروع، ولديه برامج بعيدة كل البعد عن هذا الملعب. مدرسة الشيخ لا تمارس ألعابا سياسية من هذا النوع الرخيص”.

إطلالة الشيخ رائد

منذ الانقسام الكبير داخل الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني عام 1996، لم يحسم الجدل على الطريق الأصح بين الإسلاميتين، بين شق شمالي راديكالي يرفض الانخراط في اللعبة السياسية الإسرائيلية حتى حُظر رسميا في 2015، وبين شق جنوبي يبرّر مشاركته بمقولة أو رؤية مؤسس الحركة الإسلامية الفلسطينية الشيخ الراحل عبد الله نمر درويش من كفرقاسم: “إننا في إسرائيل وعمليا نحن موجودون في بطن الحوت” وعلينا أن نبدي ليونة ومرونة كي نبقى ونحمي أنفسنا وحقوقنا ومشروعنا الدعوي والسياسي.

في عام 1979، كشفت إسرائيل عن خلية جهادية تدعى “أسرة الجهاد” بمشاركة عبد الله نمر درويش ورائد صلاح وعشرة آخرين تمت محاكمتهم وسجنهم عام 1980. بعد بضع سنوات، خرج عبد الله نمر درويش من السجن وقد غيّر قناعته بضرورة العمل السياسي القانوني “داخل بطن الحوت”، بينما خرج رائد صلاح وشارك في تأسيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني مطلع الثمانينات بتأثير الثورة الإسلامية في إيران كما حصل مع حماس في الأرض المحتلة عام 1967، لكنه ظل متمنعا عن المشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية رغم الضغوط، حتى استغلت إسرائيل فرصة انتشار الإسلاموفوبيا في العالم وغيره، وحظرت حركته قبل سبع سنوات تقريبا.

رد صلاح على من عاتبوه وأخذوا عليه حل الحركة وتبديد مشاريعها التنموية والدعوية جراء سياسة غير حذرة، بخلاف المرونة الناجمة عن رؤية “بطن الحوت”، فقال الشيخ رائد صلاح في مذكراته الصادرة قبل نحو عامين “إضاءات على الحركة الإسلامية” إن الحركة الإسلامية كانت ستموت بكل الأحوال لو أنه رضي بالمشاركة باللعبة السياسية الإسرائيلية.

الآن ومع هذه الإطلالة الجديدة للشيخ رائد صلاح، صاحب الابتسامة دائمة الخضرة والكاريزما في ظل حالة سياسية معقدة ومأزومة داخل أراضي 48 كما هو الحال على المستوى الفلسطيني العام، فإن المعركة على الوعي والرواية والنفوذ والهيمنة بين الشمالية والجنوبية على موعد لأن تتجدد أو تزداد والاحتمالات مفتوحة لعدة اتجاهات نتيجة عوامل تتعلق بهما وبغيرهما.

الواضح أكثر أن المعسكر الوطني في الداخل الفلسطيني (الجبهة والتجمع) أو المشتركة على المستوى البرلماني، لا يبدي مؤشرات على محاولة جدية للتجدد والإصلاح والنهوض، ويعوّل على قادم الأيام وعلى زيادة قوة الشمالية (خصم فكري وسياسي لا يقل “تهديدا” عليها من الموحدة) وعلى ضعف الخصم البرلماني الانتخاباتي– الموحدة.

الهياكل القديمة تكلسّت

رغم ضعف أدائها داخل الغابة والأدغال السياسية الإسرائيلية “اللطافة والوداعة الزائدة والترّدد في التزام موقف صارم منذ البداية مقابل بقية مكونّات الائتلاف الإسرائيلي الحاكم وعدم قطع رأس القط (ليلة الدخلة) رغم أن الموحدة هي (بيضة قبان) كما تعرف نفسها وبدونها تسقط الحكومة” ورغم ارتكابها خطأ سياسيا بالانضمام لهذا الائتلاف اليميني بحثا عن حقوق مدنية وسط تنازل عن الموقف السياسي، ما زالت “الموحدة” تهدد “المشتركة” بقلب الطنجرة السياسية على رأسها.

من المحتمل أن تنجح الموحدة في تحقيق مراميها والاستفادة من الميزانيات من أجل التمدد واكتساب القوة مقابل الشمالية والمشتركة، خاصة أن أوساطا واسعة في الشارع العربي تؤيد المشاركة باللعبة السياسية الإسرائيلية بالكامل لحد المشاركة حتى في الحكومة وحتى على حساب التمسك بالقضية السياسية الفلسطينية، وذلك في ظل فقدان التعبئة والتثقيف السياسي وانحسار العمل الميداني المباشر مع الجمهور العربي وعدم استغلال القوى الوطنية خاصة الجبهة والحزب الشيوعي والتجمع الوطني لاستثمار هبة الشباب في الداخل الفلسطيني، في أيار الماضي.

خيول متعبة

حتى الآن تبدو الأحزاب غير الإسلامية داخل أراضي 48 خيولا متعبة مستنزفة تعرضت هياكلها للتكلّس والتقادم ومنشغلة زيادة عن المعقول بخلافات شخصية في جوهرها وتضع بيضاتها في الكنيست وفي النضال البرلماني والإعلامي والقائمة المشتركة بلا مشروع وغياب عن الميدان وعدم تنظيم الجمهور سياسيا، ولذا يبدو قادتها بحالة انفعال (تصاعد التراشق المربك في الكنيست بين نواب المشتركة والموحدة) وقلة حيلة أمام احتمالات نجاح الموحدة بتحقيق مكاسب على الأرض من خلال ميزانيات ومخططات تنموية واقتصادية ربما تتحقق وتثمر ولو جزئيا.

لدى فلسطينيي الداخل وبسبب المشاكل والتحديات الكبيرة الخطيرة بكل المستويات ما زالت الحاجة ملحة للمؤسسة الحزبية رغم “موت الأحزاب” في العالم وتراجعها أمام منافسة النجوم في السياسة. في المقابل لا يمكن أن تقيم هذه الأحزاب والقائمة المشتركة بيتها بالأمنيات وعلى أساس الرهان على ضعف المنافس السياسي لها وعلى ما هو سهل ومريح ودون مشروع متكامل أوسع من التمثيل السياسي في الكنيست يواجه مشروع الموحدة (الميداني- الاجتماعي الدعوي والتأثير بالانضمام لائتلاف سياسي حاكم بصرف النظر عن هويته وموقفه من القضية الأم القضية الفلسطينية).

بنظر كثير من المراقبين للساحة الفلسطينية في الداخل، أمثال البروفيسور أسعد غانم، والدكتور رائف زريق، والدكتور ثابت أبو راس، والدكتورة هنيدة غانم وغيرهم، فإن المشتركة بلا مشروع منذ قيامها، ورغم انتكاستها في الانتخابات الأخيرة. وهم أيضا يرون بأن مناكفة المشتركة للموحدة في الكنيست أسلوب أو تكتيك عقيم، ومن شأنه أن يعود كيدا مرتدا عليها وعلى أحزابها، ولا خيار حقيقيا لمواجهة خط الموحدة بالتصريحات الإعلامية فحسب، دون مشروع جماهيري مكلف يتواصل مع الشرائح الشبابية مباشرة وينفتح عليها ويشركها وينجز مبادرات حقيقية في السياسة والثقافة والهوية وغيرها.

وهناك من المراقبين ممن يحذر وبحق من أن تفضي نقاط الخلل هذه في السياسة الفلسطينية داخل إسرائيل إلى ظهور تيار سياسي ينطلق من مواقف الموحدة ويذهب أكثر بعيدا نحو إسرائيل والانخراط في لعبتها السياسية مع البحث عن المواطنة بلا وطن، دون التزام بأي بعد سياسي وطني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية