بغداد-“القدس العربي”: لم تعد التحذيرات من عودة تنظيم “داعش” إلى العراق، مجرد هواجس، بل أصبحت واقعا يوميا تشهد عليه عمليات وهجمات نوعية متصاعدة ينفذها التنظيم في أرجاء المحافظات العراقية، وسط تساؤلات عن أسباب عودة التنظيم إلى البلد ومن يتحمل مسؤولية تجدد أعماله الإرهابية التي يكون وقودها الأبرياء، ومغزى توقيت عودته والهدف من وراءها.
فقد شهدت العديد من مناطق العراق على امتداد أرجاءه الشمالية والغربية والوسطى، تصاعدا غير مسبوق لنشاطات تنظيم “داعش” وهجماته التي لم تستطع حكومة بغداد انكارها أو تجاهلها بعد تزايد أعداد هجمات التنظيم وتطورها النوعي وارتفاع أعداد ضحاياها والخسائر المادية الناجمة عنها.
ومنذ إعلان بغداد رسميا في عام 2017 عن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في العراق، لم يشهد العراق هذا العدد من الهجمات التي شملت استهداف مقرات ومواقع للقوات الأمنية والحشد الشعبي والبيشمركه، وشن هجمات على القرى النائية والطرق الخارجية وقتل وخطف مدنيين وإحراق مزارعهم.
وكان أبرز تطور نوعي في عمليات التنظيم خلال الأسبوع الماضي، سلسلة الهجمات المنسقة التي شنها التنظيم على أربع مناطق في آن واحد في محافظة صلاح الدين، كما هاجمت عناصر التنظيم مديرية الاستخبارات في كركوك ونقاطا أمنية قرب سجن سامراء، بالتزامن مع شن هجمات على محافظات ديالى وكركوك وبابل وكربلاء، مسببة مقتل وجرح العشرات من القوات الأمنية والمدنيين، لتؤكد فشل أحزاب السلطة في التعامل مع مخاطر عودة التنظيم.
“غزوة رمضان”
وازاء الفشل الأمني في مواجهة هجمات التنظيم، تعرضت القيادات الأمنية إلى النقد، ليس لعجزها عن الرد على هجمات “داعش” فقط وسوء إدارة المعركة معه والتهرب من المسؤولية، بل وفي تجاهل معلومات استخبارية توقعت حصول الهجوم قبل وقوعه، حيث سبق وتم نشر معلومات عن نية التنظيم شن “غزوة رمضان”.
النائب السابق وشيخ عشيرة البو عيسى في محافظة صلاح الدين شعلان الكريم، اتهم القيادات العسكرية في سامراء بعدم تحمل مسؤولياتها في حماية المنطقة ومواجهة هجمات “داعش”.
وتساءل الكريم في مؤتمر صحافي “من يتحمل مسؤولية دماء الشهداء والجرحى، رغم أنني شخصياً ناشدت بشأن الثغرة الموجودة في منطقة الحادثة، وكذلك ناشدت الحكومة المحلية، بإغلاق هذه الثغرة منذ سنوات”.
وكشف الكريم وجود برقية وصلت قبل يومين من وقوع الاعتداءات في صلاح الدين، عن نية “داعش” شن هجمات على المنطقة المذكورة، متساءلا في مؤتمر صحافي “من المسؤول عن إخفاء البرقية؟ ولماذا وقعت الخروقات وما هو دور الاستخبارات”؟ داعيا القائد العام للقوات المسلحة للتدخل وكشف الحقائق.
ومعروف عن محافظة صلاح الدين (شمال بغداد) أنها منطقة يصعب السيطرة عليها لارتباطها بحدود سبع محافظات غير مستقرة أمنيا، وتنشط خلايا التنظيم في “مثلث الموت” بين صلاح الدين وكركوك وديالى، حيث توجد تلال حمرين الكثيفة ومناطق نائية بعيدة عن سيطرة القوات الأمنية.
واللافت ان محافظة صلاح الدين لم تكن وحدها مسرحا لعمليات “داعش” بل وقعت الكثير من الهجمات وخاصة في محافظة ديالى المجاورة لإيران والتي تسيطر عليها فصائل عسكرية موالية لطهران، كما توجد فيها بعض المناطق المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وأربيل، والتي يجد التنظيم فيها مجالا لتحركاته.
أما في محافظة كركوك الغنية بالنفط، والتي تتنازع عليها حكومتا بغداد والإقليم، فقد شهدت العديد من هجمات “داعش” على مواقع القوات الأمنية والبيشمركه والقرى النائية والطرق الخارجية، إضافة إلى شن التنظيم هجوما انتحاريا على مديرية الاستخبارات العسكرية في المدينة.
واللافت في هجمات التنظيم هذه المرة، اقترابها من مناطق شيعية مثل منطقة جرف الصخر في بابل التي تسيطر عليها كتائب حزب الله، حيث وقع هجوم على نقاط أمنية، فيما أعلنت قوات الحشد الشعبي، صدها هجوما على منطقة النخيب بين كربلاء والأنبار، وأن المهاجمين قدموا من صحراء الأنبار.
ومنذ الإعلان عن القضاء على “داعش” في العراق عام 2017 دأبت القوات الأمنية على تنفيذ حملات واسعة لتمشيط المناطق النائية في المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم والتي تشهد هجمات مستمرة، وآخر تلك الحملات عملية مطاردة التنظيم في صلاح الدين ووادي حوران في الأنبار ووادي الشاي في كركوك، حيث تشارك فيها القوات الأمنية والحشد الشعبي، بدعم من القوات الجوية العراقية وطيران التحالف الدولي، ولكنها عجزت كلها عن وقف نشاطات التنظيم.
وكانت وزارة الدفاع العراقية أعلنت عن مقتل 170 مدنيا وعسكريا، إلى جانب 135 إرهابيا من “داعش” خلال مواجهات وأعمال عنف مع تنظيم التنظيم منذ كانون الثاني/يناير الماضي، فيما أكد الأمين العام للبيشمركه جبار ياور وقوع 85 هجوما لداعش في المناطق المتنازع عليها تسببت في مقتل 70 مواطنا وخطف 41 آخرين.
انسحاب التحالف الدولي
وقد أثارت عودة “داعش” بعد إعلان حكومة بغداد القضاء على التنظيم، الكثير من التساؤلات. وحدد المتابعون أسبابا كثيرة لعودة التنظيم، منها السياسية والاقتصادية والأمنية الحالية.
النائب السابق عن الموصل محمد العبد ربه أكد لـ”القدس العربي” أن “السبب الرئيسي لتصاعد أعمال داعش، هو أن العراق فقد الدعم الكامل من التحالف الدولي الذي كان يقوم بعمليات استطلاع ومراقبة وعمليات استخباراتية، وذلك بعد صدور قرار البرلمان بإخراج القوات الأجنبية من العراق، حيث أثر سلبا توقف فعاليات التحالف الدولي على تنامي تحركات داعش الذي ما زال وجوده قويا في العراق وسوريا، وتتنقل عناصره بين البلدين”.
وحمل مسؤولية عودة “داعش” للأجهزة الأمنية، والتي يجب أن تعمل وفق معلومات استخبارية ومتابعة مستمرة للتنظيم وتحركاته، والعمل على حرمان التنظيم من أي حاضنة له في العراق، وهو متحقق بشكل كبير حيث يرفضه معظم سكان المناطق التي يتحرك فيها، حسب قوله.
وأكد العبد ربه أن أهالي المناطق المحررة، ورغم شكواهم من تجاوزات القوات الأمنية والفصائل المسلحة وتردي أوضاعهم، إلا انهم يرفضون التعامل مع التنظيم بعد ان كشفوا نواياه، بل أن الأهالي يقومون بمساعدة القوات الأمنية في التصدي لعناصر التنظيم عندما يهاجمون مناطقهم” إلا أنه أقر “تلك الهجمات تتسبب في خلق زعزعة للوضع الأمني”. وعن الجهات التي تحرك التنظيم، عبر عن قناعته بأن “داعش هي ورقة مخابراتية تستخدمها كثير من الدول وتحركها عند الحاجة، على حساب استقرار العراق، وخاصة عند الأزمات السياسية وانشغال القوات الأمنية “.
ويشير مراقبون إلى أن المناطق المحررة من تنظيم “داعش” ما زالت تعيش أوضاعا مأساوية، وما زال الملايين في مخيمات النزوح، والآلاف من أبنائها في السجون أو مفقودين منذ سنوات، كما ان الثقة بالقوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي، ليست على ما يرام، نظراً لتورط بعض عناصرها بعمليات فساد وابتزاز للمواطنين، ولسوء المعاملة مع السكان التي تقوم بها تلك العناصر، حيث يؤدي ذلك إلى استغلال التنظيم لهذه الأوضاع في محاولة إيجاد حاضنة شعبية في تلك المناطق.
تقييم الخبراء
الخبير في الجماعات المسلحة هاشم الهاشمي، أكد في لقاء تلفزيوني أن العمليات الأخيرة لتنظيم “داعش” في صلاح الدين تمثل طفرة نوعية في أعمال التنظيم، حيث شن هجمات على مناطق حضرية، وفتح أربع جبهات مرة واحدة وأحرق مزارع للمشاغلة، وتمكن من الانسحاب، من دون أن تعلن القوات الأمنية عن تمكنها من قتل المهاجمين، متسائلا: كيف تمكنوا من عبور نهر دجلة وتنفيذ الهجوم، والتمكن من الدخول إلى مسافة 40 كلم لتنفيذ عملياته في المناطق الأربع، مما يدل على أن الجهد الاستخباري في حاجة إلى مراجعة. وأكد الهاشمي الحاجة إلى أساليب عسكرية غير تقليدية لمواجهة أساليب التنظيم الحالية، لأن المطاردات والأساليب الأمنية السابقة فشلت، مقرا بالحاجة إلى مراجعة قرار انهاء التحالف الدولي في العراق لأهميته في إحباط عمليات التنظيم.
وإزاء التساؤلات عن مصادر تمويل ودعم “داعش” يشير الهاشمي إلى امتلاك التنظيم الكثير من المخازن التي لم يتم كشفها حتى الآن في المناطق التي كان يسيطر عليها سابقا في الصحاري والكهوف والتلال المنتشرة، وفي المناطق غير المأهولة، حيث خزن فيها الأموال التي استولى عليها خلال فترة سيطرته على مناطق شاسعة في العراق وسوريا، كما أن لديه استثمارات تدر عليه نحو 100 ألف دولار يوميا لدعم نشاطاته، إضافة إلى قيامه بعمليات واسعة للتهريب بين الحدود السورية العراقية.
أساليب جديدة
من جانبه كشف الخبير الأمني أعياد الطوفان في لقاء تلفزيوني “أن داعش عاد بأساليب جديدة، حيث حول العراق إلى ولاية مركزية واحدة، إضافة إلى استخدامه أسلحة إيرانية حديثة، منها هاونات إيرانية ذات مدى 16 كلم استخدمت على الهجوم في طوزخورماتو في كركوك وغيرها” مبينا “ان تنظيم داعش الإرهابي نفذ أكثر من 86 عملية خلال شهر نيسان/ابريل مقابل 42 عملية في اذار/مارس الماضي”.
ومع عدم امكانية استبعاد العامل الدولي، فقد تناغمت اتهامات مسؤولين إيرانيين لواشنطن بانها قد تعيد “داعش” إلى العراق لإدامة وجودها فيه، مع تصريحات قوى شيعية عراقية، بأن الجانب الأمريكي ينقل الدواعش من سوريا باتجاه العراق بعد خسارتهم مناطقهم هناك. وفي المقابل تؤكد مصادر معارضة للعملية السياسية بإن إيران تستخدم ورقة “داعش” لتحقيق أهدافها في العراق كما فعلت في ظهوره الأول عام 2014.
مصالح أطراف داخلية
وفيما تتواصل هذه التطورات، تكتفي أحزاب السلطة بتبادل الاتهامات والتهرب من المسؤولية. فالقادة السنة والأكراد يتهمون القوى الشيعية بالتسبب في انسحاب قوات التحالف الدولي وخلق فراغ أمني استغله التنظيم، فيما يتهمها البعض بانها وراء عودة “داعش” لافراغ المناطق السنية وتدميرها، وإعادة سيناريو الانتقام من السنة، فيما يعتقد آخرون أن أطرافا داخلية تستفيد من عودة التنظيم الإرهابي، بينها كردية تحرص على استثمار عمليات “داعش” للضغط بقوة على حكومة بغداد لإعادة قوات البيشمركه إلى المناطق المتنازع عليها التي اخرجت منها، وللموافقة على تمرير الرواتب وميزانية الإقليم.
ولا شك بأن المسؤولية الأولى عن تردي الأوضاع في العراق وعودة النشاطات الإرهابية لتنظيم “داعش” تقع على أحزاب السلطة الذين تركوا شؤون الناس والبلاد وركزوا على الصراع من أجل نهب موارد الدولة وتنفيذ الأجندات الخارجية. وإذا اضفنا تعقيدات الوضع الحالي وانهيار الاقتصاد وأسعار النفط وتفشي كورونا، والشعور الطاغي للشعب العراقي، بالظلم وتحكم حيتان الفساد والفصائل المسلحة بثروات البلاد، فإن الظروف الموضوعية الحالية، تتشابه بشكل كبير مع ما كان سائدا في العراق عام 2014 عندما دفعت أجندات داخلية وخارجية ان يتم تسليم ثلث البلد إلى تنظيم “داعش” الإرهابي من دون قتال، ليستبيح العراق ويعيث فيه تدميرا وفسادا. فهل عودة التنظيم الآن مقدمة لسيناريو جديد لإحكام السيطرة على البلد من قوى محلية وإقليمية؟