تساؤلات ومواقف حائرة بشأن العسكر في مصر؟

حجم الخط
0

د. بدر حسن شافعيعجيب أمر المجلس العسكري الحاكم الآن في مصر.. ففي البداية وبالرغم من أن توليه الحكم تم بطريقة غير دستورية لأنه ليس المنوط به تولي الحكم في حالة غياب الرئيس، وإنما رئيس البرلمان أو رئيس المحكمة الدستورية في حال عدم وجوده. ومع ذلك فقد وافق الشعب على ذلك في حينها اضطرارا ربما لعدم وجود قائد للثورة، وهذه كانت ميزة قبل رحيل مبارك، لكنها صارت مشكلة بعد رحيله.. ولا أخفي أني وكثير من الشعب المصري كنا نثق بصورة كبيرة في الجيش والمؤسسة العسكرية، وبعدم رغبتها في البقاء في السلطة وتحويل الثورة إلى انقلاب عسكري. ظـــهر هذا بوضوح منذ البيانات الأولى للمجلس العسكري بعد رحيل مبارك مباشرة من حيث الحديث عن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتسليم السلطة للمدنيين في مدة لا تزيد عن ستة أشـــهر أو لحين إجراء هذه الانتخابات، كما أن مقارنتنا لسلوكيات الجيش غير العنيف بغيره في ليـــبيا واليمن ثم سورية بعد ذلك، فضلا عن اشتداد حدة العراك السياسي بين القـــوى الســـياسية خاصة فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية والدستور أولا أم الانتخابات جعلنا نقول إن فقدان الثقة في المجلس العسكري قد يؤدي إلى دخول البلاد في فوضى داخلية قد تجعلنا نعود إلى المربع صفر ثانية.

لكن جاء الحديث غير المبرر لأحد قيادات المجلس بشأن عدم تمثيل البرلمان لكل قوى الشعب، وبالتالي إعطاء صلاحيات للمجلس الاستشاري فيما يتعلق بالمشاركة في اختيار الجمعية التأسيسية للبرلمان بالمخالفة لما جاء في الإعلان الدستوري والاستفتاء الشعبي في مارس الماضي، فضلا عن الأحداث الأخيرة غير المبررة أمام مجلس الوزراء ومن قبلها التحرير وماسبيرو، ثم وثيقة السلمي التي تكرس هيمنة العسكر على الحياة المدنية السياسية في مرحلة ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.. كل هذه الأمور جعلتنا نسترجع ثانية هذه الأحداث الماضية وموقف المجلس العسكري منها ونعيد قراءتها بصورة موضوعية بعيدا عن العواطف أو الزاوية الضيقة التي كنا ننظر منها من قبل.

هل هو تشكيك؟

لا نريد أن نتبع منهج التشكيك لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بمؤسسة وطنية هامة في البلاد دورها الدفاع عنها ضدأي عدوان خارجي.. لكن نقول أن هناك العديد من علامات الاستفهام قد تقود البعض إلى التشكيك.. أول هذه الأمور كان قبل تنحي مبارك في 11 فبراير الماضي وبعد تنحيه مباشرة، حيث رفضت بعض القوى السياسية في حينها تولي المجلس العسكري الحكم على اعتبار أنه ليس المنوط بالأمر قانونا ودستورا، في حين توصل البعض إلى صيغة وسط مدنية عسكرية تقضي بتشكيل مجلس رئاسي مدني عسكري لإدارة البلاد خلال فترة مؤقتة.. لكن المجلس رفض هذا الأمر مبررا ذلك في حينها برفضه فكرة الازدواجية المدنية العسكرية، كما أنه سيدير البلاد لفترة انتقالية ولا يحكمها، كما قام باختيار عصام شرف رئيسا للبلاد تماشيا مع اختيار الثوار.. لكن كانت هناك مجموعة من المفاجآت التي أثارت الشكوك لعل من أهمها ما يلي: ضعف وتواضع أداء حكومة عصام شرف بحيث صارت مجرد ديكور فقط تمتص كل أخطاء المجلس العسكري وفشله ليس في الحكم فقط، ولكن في الإدارة أيضا، حيث استمرت حالة الانفلات الأمني وانتشار البلطجة بصورة غير مبــــررة، وبدلا من أن يدعـــم الجيش قوات الشرطة باعتباره حامي البلاد في هذه المرحلة، نجده تركها وشأنها.. فلا هو عمل على مساعدتها أو تغييرها، ولم يكن يتدخل سوى في حالات محدودة وبعد زيادة حجم الخسائر ثم في النهاية اضطرت للاستقالة تماما كما ضحى مبارك بحكومة نظيف لتهدئة الثوار، ومن بعده المجلس العسكري بحكومة شفيق. تأخر المجلس العسكري في إصدار قانون الغدر أو العزل السياسي بشأن أعضاء الحزب الوطني المنحل، والذي يفترض ألا يقتصر على معاقبتهم جنائيا فقط، وإنما حرمانهم من الترشح في الانتخابات.. تأخر صدور هذا القانون تم تبريره في حينها بأنه يحتاج لبعض التعديلات خاصة وأنه في طبعته القديمة كان يُخضع الشخص لمحكمة عسكرية استثنائية أحكامها غير قابلة للاستئناف مما قد يضر بمبدأ محاكمة المدنيين أمام القاضي الطبيعي، ومع إدخال هذه التعديلات، فضلا عن تغيير مسمى القانون من الغدر إلى العزل لم يصدر هذا القانون إلا بعد أحداث التحرير الأخيرة.. وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عن أسباب تأخر صدوره طيلة هذه المدة، فما دامت النية متوافرة لصدوره لماذا لم يصدر منذ خمسة أشهر على اعتبار أن إجراءات التقاضي ضد فلول الوطني وفق القانون تستغرق عدة أشهر.. وهو ما دفع البعض إلى تشبيه صدور مثل هذا القانون المتأخر بالقرارات التي كان يصدرها مبارك متأخرا خلال فترة الثورة مما يفقدها أهميتها. كما أن صدور مثل هذا القانون في مثل هذا التوقيت يجعل من الصعب إقامة الدعوى ضد الفلول قبل إجراء الانتخابات بأيام، ثم إن صدور أحكام قضائية ضد الفلول بعد الانتخابات من شأنها الطعن في جزء من البرلمان، فضلا عن إحداث حالة من الإرباك لبرلمان يفترض فيه أن يكون مستقرا من أجل القيام بالمهام المنوطة به لاسيما فيما يتعلق بتشكيل لجنة المائة المنوط بها صياغة الدستور.

وهو ما قد يدخل البلاد في حالة من الفوضى ربما تدفع لتدخل الجيش ثانية على غرار ما حدث في الجزائر أوائل التسعينات. عدم حديث المجلس العسكري في إعلانه الدستوري الصادر في نهاية مارس والذي يعد بمثابة الدستور المؤقت عن الجهة المنوط بها تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، حيث ليس من حق الحزب الفائز بالأغلبية في البرلمان تشكيل الحكومة على غرار النظام البرلماني على اعتبار أن الإعلان لم يحدد نظام الحكم في البلاد خلال الفترة الانتقالية وهل سيكون برلمانيا أم رئاسيا.. وقد أوضح أحد أعضاء المجلس العسكري هذا الأمر بعد ذلك حيث اعتبر أن حق تشكيل الحكومة من اختصاص المجلس وكانت هذه مفاجأة لنا، لكنها لم تكن مفاجأة للمتشككين في المجلس.

ويبدوأن المجلس كان يستشعر ثقل الإسلاميين، وأنهم قادمون للبرلمان، فأراد أن يفوت الفرصة عليهم، وربما وجهة النظر هذه تجد ما يدعمها بالنظر إلى تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ الثورة، حيث خلت حكومة شرف الأولى والثانية من أي ممثل للتيار الإسلامي، بل تم رفض الاقتراحات التي تقدم بها الإخوان لضم بعض الشخصيات الوطنية في حكومة شرف الثانية في يونيو الماضي، في حين ضمت حكومته وفديان هما وزيرا السياحة والإعلام، واشتراكي هو وزير التضامن الاجتماعي.. وقد تكرر نفس الأمر مع حكومة الجنزوري الأخيرة. عدم تحديد المجلس العسكري موعد اجراء الانتخابات المحلية، ومن الذي يدير المحليات خلال الفترة الانتقالية، حيث اكتفي بإحالة الأمر للحاكم العسكري في كل محافظة.5ـ تضمنت حكومات شرف المعدلة، فضلا عن حركة المحافظين فلول من الحزب الوطني.. وهو ما طرح الكثير من علامات الاستفهام في حينها. جاءت وثيقة السلمي بتعديلاتها الأخيرة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وكشفت النوايا الحقيقية للمجلس العسكري الذي يرغب في عدم مناقشة أحد لميزانيته، فضلا عن الاحتفاظ بحقه في الاعتراض على أية نص في مشروع الدستور.. وهو ما يعني أنه سيكون وصيا على الحكم المدني وربما هذا ما دفع القوى المعارضة إلى النزول في مليونية التحرير الأخيرة في الثامن عشر من نوفمبر الماضي.

أوجه الشبه بين المجلس ومباركإن تصرفات المجلس العسكري دفعت البعض إلى محاولة عقد مقارنة بينه وبين مبارك فهناك أوجه شبه كثيرة بين المجلس ومبارك لعل من أهمها ما يلي: الصبغة العسكرية لكل منهما. الرغبة في البقاء لأطول فترة ممكنة، وما ترتب على ذلك من التأخر في إصدار القرارات التي يحتاجها الشعب والاستعاضة عنها بقرارات أخرى مثل رفض مبارك حل مجلس الشعب والشورى وقيامه في المقابل بتعيين نائب عسكري له، ثم إعلان إقالة حكومة نظيف وكأنها المسئولة عما حدث في مصر.. تماما كما تم تحميل حكومة شرف المسؤولية وحدها عن الأوضاع المتدهورة خلال المرحلة الانتقالية، وكأنها كانت صاحبة الصلاحيات المطلقة مع أن هذا لم يحدث.. كمـــا لم يتحدث مبارك عن انتهاء فترة حكمه إلا قبل معركة الجمل بيوم واحد حيث أشار إلى انه باق لحين انتهاء فترة رئاسته في يوليو ولن يترشح ثانية. ثم جاءت أحداث الجمل لتجعل هناك مطلبا واحدا هو الرحيل الفوري وليس الرحيل بعد انتهاء مدة رئاسته في يوليو.. ومع ذلك ظل يماطل كثيرا إلى أن اضطر للاستقالة بعد تهديد المتظاهرين بالذهاب الي القصر الرئاسي وضغط المجلس العسكري عليه لقبول الاستقالة وتسليم البلاد له وبالتالي يتم القضاء على فكرة التوريث التي كانت ستضر حتما بالمؤسسة العسكرية لاسيما كبار القادة الموالين لمبارك.

وفي المقابل نجد أن المجلس العسكري اضطر إلى الإعلان عن موعد تسليم السلطة بعد أحداث التحرير ومحمد محمود بعدما ظل هذا الأمر مبهما لفترة طويلة، بل وجدناه يضـــع جدولا زمنيا واضحا ومحددا وقليلا من وجهة نظــــرنا بشأن الانتهاء من تشكيل الجمعية التأسيسية ووضع الدستور في مدة لا تزيد عن شهرين بعدما كان حديثه السابق عن امكانية استغراق هذا الأمر أكثر من عام ‘ ستة أشهر لتشكيل اللجنة، وستة أشهر لوضع الدستور، وفي حالة انتهاء المهلة يقوم هو باختيار لجنة تأسيسية جديدة’. هذه التصرفات جعل البعض يتشكك في موقف المجلس العسكري، وفي رغبته في تسيير البلاد من وراء ستار، مع ضمان عدم المحاسبة بعد تسليم السلطة لمدنيين.. وربما إقدام المجلس على تشكيل مجلس استشاري يعينه على اتخاذ القرارات لحين تشكيل البرلمان، ثم حرصه على إجراء الانتخابات بشفافية ونزاهة، يعد بمثابة محاولة لاستعادة الصورة الذهنية الايجابية التي رسخت عنه في أذهان الشعب منذ بداية الثورة.’ باحث ومحلل سياسي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية