نحو أربعة أشهر من بداية الحرب، بدا أن الوعد بمواصلة الحرب حتى النهاية، حتى تقويض حماس، كان أسرع وأكثر غروراً مما ينبغي. وأصدرت تصريحات بلا نهاية وبلا أي فحص ومراجعة حقيقية لما يجري أو ما يفترض أن يجري.
يبدو أن الخطاب عن الحاجة لمواصلة القتال مصاب بمصلحة سياسية أكثر من أي مصلحة أخرى، خاصة لدى قادة الائتلاف، خصوصاً لدى رئيسه بنيامين نتنياهو، إذ يدرك هو ومحيطه بأن إنهاء الحرب بداية نهاية حكومته، وقد تكون حكومته الأخيرة.
وزراء “اشتكوا” في المداولات مع كبار رجالات الجيش بعدم وجود إحساس بالنصر، وما زالت إسرائيل تجهل حتى الآن خريطة الأنفاق الحقيقية لغزة، ولم يصل الجيش إلى السنوار ورفاقه الذين يقفون على قيادة المنظمة.
هذا هو السبب الذي يجعل الحكومة ترفض البحث في مسألة “اليوم التالي”: من جهة، تقاتل الحكومة حماس وتعارض قوة دولية في غزة وتعارض إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، وإن كانت هذه السلطة تثبت حالياً نفسها بالتعاون الأمني وفي حماية إسرائيل.
من جهة أخرى، تنفي إسرائيل نفسها رسمياً نيتها احتلال غزة من جديد وحكمها مليوني غزي. الحكومة اليوم تقول ما هو لا، ولا تقول ما هو نعم.
يبدو أن الحكومة لن تتخذ هي مثل هذا القرار، وبعامة، فإن تحدي اليوم التالي ليس ضمن تفكر حصري في إسرائيل، إنما يربض على عتبة الولايات المتحدة.
ستحاول إدارة في الولايات المتحدة كلها العمل على صفقة تضم بضع دول عربية، والسعودية أساساً، مفادها إعلان التطبيع مع إسرائيل مقابل إعمار غزة.
إن التسريبات والمنشورات في الأيام الأخيرة عن مفاوضات جدية، بمشاركة أمريكية وقطرية ومصرية، وأساساً رفض حماس للصفقة، هي مفاوضات لإنهاء الحرب، وليس لتحرير المخطوفين فقط، وتستهدف إعداد الرأي العام في إسرائيل لصفقة تتضمن إنهاء الحرب في غزة. وذلك لأن للولايات المتحدة مصلحة في إنهاء إسرائيل هذه الحرب، خاصة حين تشخص بأن الحرب انتقلت لتصبح حرب عصابات واستنزاف.
الحدث القاسي الذي سقط فيه 21 جندياً يثبت أن حماس فقدت منظمتها العسكرية التراتبية، وذلك بسبب تصفية الكثير من قادتها ورجالها، وكذا بسبب نقص قدرتها على إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل.
ومع ذلك، خلايا المنظمة تنجح في وسائل متنوعة، ولا خطورة تقف في تنفيذ عمليات فتاكة ضد الجنود.
الفجوة بين إسرائيل وحماس لإعادة المخطوفين ووقف الحرب لا تزال واسعة جداً، لكن يبدو أن مشاركة دول أجنبية ستؤدي في النهاية إلى صفقة توقف الحرب دون صلة بمسألة النصر.
وعليه، فمن الأفضل للمفاوضات أن تدار في أقرب وقت ممكن، وأن تنتهي في أسرع وقت ممكن لمنع استمرار القتل، وأكثر من كل شيء، إعادة المخطوفين الذين يجتازون تعذيباً يومياً، إلى عائلاتهم التي تجتاز تعذيباً يومياً.
ولعل اليوم التالي يجلب معه أملاً جديداً للمنطقة كلها في سلام يصنع دوماً بعد الحرب.
جلال البنا
إسرائيل اليوم 25/1/2024