تسريد الذات المتكلمة في «محكيات طالب جنوبي»

■ ستتوجه دراستنا عن البعد الحجاجي لصورة الذات المتكلمة في «محكيات طالب جنوبي» للكاتب عبد الصادق السراوي نحو الكشف عن الإيتوس الخطابي الذي ترسمه الذات المتكلمة عنها من داخل الخطاب، وعن الأبعاد الحجاجية التي تسعى الذات إلى تحقيقها.
وتأخذ هذه المقالة النقدية شرعتها انطلاقا من أساس نظري متين، إذ سيعتبر من التجني العلمي أن نتحدث عن الحجاج داخل الخطاب السردي (المحكيات) لو لم ينقل محللو الخطاب في فرنسا خلال السبعينيات، بعض المفاهيم الحجاجية من حقل البلاغة والحجاج، إلى مجال تحليل الخطاب، خاصة مفهوم الإيتوس، الذي يُعتبر إحدى الدعامات الثلاث التي يتحقق بها الإقناع (الإيتوس، الباتوس، اللوغوس)، ويعني صورة الذات التي يبنيها المتكلم من داخل خطابه لكي يحوز ثقة المخاطبين، فأثبتوا بذلك أهلية هذا المفهوم ونجاعته في مقاربة الخطابات السردية؛ لاسيما أن الناقدة روث أموسي ميزت في دراستها عن الحجاج داخل الخطاب بين القصد الحجاجي الذي يتميز به الخطاب الإشهاري والقضائي والسياسي، والبعد الحجاجي الذي تتميز به الخطابات السردية من مثل المحكيات. في هذا السياق سنحاول أن ندرس كتاب «محكيات طالب جنوبي» دراسة حجاجية بواسطة تقنية الإيتوس؟
فما هي الصورة التي يحاول الخطاب تسريدها عن ذات المتكلم؟ ثم كيف تتشكل أبعادها الحجاجية؟

1 ـ إيتوس الذات في متخيل الشخوص

تتخذ الذات المتكلمة أفانين متنوعة لترسم صورتها في متخيل الجمهور؛ فتحاول من خلال ممارستها لفعل الكلام على لسان الشخوص، أن تكشف عن الصورة النمطية المتداولة عنها في تمثلات الإنسان المغربي بشكل عام، والإنسان المراكشي والبيضاوي بوجه خاص.
فنجدها داخل الخطاب تعرض صورتها بشكل صريح ومعقول؛ تقول الذات المتكلمة على لسان بائع الأحذية في مراكش: «فأنتم أبناء الصحراء أهل معقول وثقة»، فالذات جادة في تثبيت صورتها باعتبارها إنسانا معقولا وذا ثقة؛ لا يخالط كلامه سخْفٌ ولا تفاهة، وفوق ذلك يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَيُؤْتَمَنُ بِهِ، وهذا الإيتوس الخِطابي الذي أسفر عنه الخطاب، لم تتوان الذات المتكلمة في تأكيده، إذ تعتقد أنه قد يؤثر في المتلقي؛ كأن يدفعه إلى تغيير نظرته تلقاء ذاته والآخرين، أو إلى إعادة النظر في أخلاقه ومبادئه، وحتما سيستدرجه ويغويه بطريقة غير مباشرة لقَبول باقي المحكيات الذاتية التي يقدمها الخطاب تباعا.
ولعل هذا البعد الحجاجي لهذا الإيتوس هو ما دفع الذات المتكلمة إلى تعَمّد تكرار عبارات «أيها الصحراوي» مقرونة بشيمتي الثقة والمعقول عدة مرات؛ تقول الذات على لسان الإسكافي: «أيها الصحراوي» وعلى لسان (الكورتي): «أيها الصحراوي» وعلى لسان السكير: «صحروا الله أعمرها دار»، «خويا الصحراوي اقترب اقترب». فصورة الذات المتكلمة إذن داخل المحكيات هي صورة كل إنسان ينتمي إلى الجنوب الشرقي المغربي، فهو «إنسانُ الله أعمرها دار»، كناية عن حسن الطَّبع وعن التسامح والصبر الذي يتمتع به، ولو في أحلك الظروف، وهو كذلك إنسان موثوق به ومعقول.

2ـ إيتوس الذات المتكلمة في خطابها

الإيتوس المقول:
الإيتوس المقول يراد به «الإحالة المباشرة على المتلفظ في شخصه الخاص، أو طريقة قوله الخاصة (أنا إنسان بسيط»، «أخاطبكم بوصفي صديقا)»، فهو إيتوس يُبنى داخل الخطاب، لمَّا يسند المتكلم إلى شخصه صفات أخلاقية أو اجتماعية أو نفسية أو ثقافية، بشكل صريح لا يقبل الإهمال أو الإنكار من طرف المتلقي. فهو من هذا المنطلق الصورة التي يصرح بها المتكلم في خطابه. من السهل على القارئ أن يتلمس ملامح تشكل صورة الذات المتكلمة داخل محكيات عبد الصادق السراوي؛ ببساطة، لأن ضمير المتكلم الذي يروي المحكيات هو الذات الواقعية نفسها التي أنتجت الخطاب؛ وهو الصفات نفسها التي ألحقت بها، ومن تجلياتها:

– إيتوس القارئ الجاد

يقول الكاتب «مهوس أنا حقا بالكتب»، وبقوله هذا فهو يحيل بشكل مباشر على ذاته، إذ يصف نفسه بأنه قارئ شغوف بقراءة الكتب، ويتأكد هذا الإيتوس بقوله أيضا: «فإن تجلس إلى قارعة الطريق، حيث الضجيج والذهاب والإياب، وبين يديك كتاب ليس أمرا منطقيا». وليس القراءة فعلا يمارسه الكاتب على قارعة الطريق وحسب، بحل حتى الحديقة بوصفها مكانا عاما مقترنا في المتخيل باللعب والتنزه يقول: «وجدتني في الحديقة تحت الشجرة في المكان الذي أركن إليه للمطالعة وللكتابة».

– إيتوس الذات المهمشة

رسمت الذات المتكلمة عن نفسها صورة الإنسان المغربي المقصي في الجنوب الشرقي للبلاد، الذي يعيش على الهامش، مجردا من أبسط حقوقه؛ فالذات هنا ليس وحيدة جنسها ولا فريدة نوعها، وإنما هي نموذج لذوات تتمرغ في وحل المعاناة وتكدح في كل الأحياز والأحايين، من أجل لقمة عيش تسد بها الرمق. يقول الكاتب متحدثا عن صورته التي يتقاسمها مع الكادحين والمهمشين: «نحن نعاني، وأنتم تعانون، والآخرون يعانون… كلنا أبناء الشعب، أبناء الكادحين، فليس لنا حق في حياة سعيدة».

– إيتوس الذات الخاضعة والمنقادة

تقدم الذات المتكلمة نفسها للمتلقي بشكل مباشر، على أنها ذات تتصف بالاحترام وعفة النفس المبالغ فيها، فهي ذات تربت على الطاعة ونشأت على الولاء، تسمح في حقوقها وتتنازل عن مصالحها لأجل كسب رضى الآخرين.. تقول الذات المتكلمة: نشأنا على الطاعة والاحترام والولاء، أن تسمح في حقك في سبيل الآخرين، وأن تتنازل عن مصالحك الشخصية وأن ترض والديك وإن كنت متضررا أحيانا لتخرج بأقل خسارة».

الإيتوس المعروض

هو إيتوس مضمر يعرضه الخطاب بطريقةٍ خفية، بمعنى أنه على عكس الإيتوس المقول. وهكذا، فهذا الإيتوس يتوصل إليه القارئ أو يستنتجه بناء على استخراج جملة من العلامات والإشارات والمواقف المبثوثة في الخطاب. والقارئ للمحكيات سيكتشف بأن الذات المتكلمة تبني لنفسها صورة نموذجية، بطريقة غير مباشرة، استنادا إلى مبادئها أو مواقفها وسلوكياتها. تقول مثلا: «واستقبلتني بابتسامتها المعهودة: يا سلام من ذا الذي يزورنا اليوم، الكتاب دائما كعادتك يا عاشق الكتاب»، فهذا الملفوظ التي تلفظت به الشخصية المحاورة للذات المتكلمة تجعلنا نكتشف صورة القارئ العاشق للكتاب الملازم لفعل القراءة، وهي صورة لم تصرح بها الذات، ولكن الخطاب بناها عنها بطريقة خفية، انطلاقا من وصف سلوكها المعتاد، وهو تأبط الكتب، علّها بهذا تقنع القارئ بتغيير تلك الصورة التي سبق أن كوّنها في ذهنه؛ صورة ذات مذعنة وخاضعة، إذ إن هذه الصورةَ مرحليةٌ، لا تتجاوز زمنيا مرحلة الطفولة المعدومة التي يعيشها الطالب الجنوبي في صحراء زاكورة، تائها بين الجداول والأحواض، مفعما بغد أفضل، بابه مغلق إلا من جهة استكمال الدراسة.

على سبيل الختام

إجمالا فالذات المتكلمة في «محكيات طالب جنوبي» للمبدع عبد الصادق السراوي ذات خبرت الحياة، ولدت من أصلاب خطوبها، وتربت في كنف قيظها ووحلها وحلّها وترحالها، وتشبعت بكل قيم الصحراء، فتعلمت الصبر وقوة التحمل، وتمهرت على قساوة الطبيعة والجغرافيا والمناخ، واقتبست الشموخ من الجبال والأفق من النخلات، وحسن الطّبع والعفة من الأهالي، والكرم من عتبات البيوت… فهي إذن ذات مشتركة، مشاعة، تتنفس حيوات أهل الجنوب. ذات تسعى بطريقة ما إلى تحقيق أبعاد حجاجية أجلّها تثبيت صورة أهل الجنوب الشرقي المتداولة في تمثلات الناس في كل ربوع الوطن.

٭ باحث وقاص من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية