رام الله ـ «القدس العربي»: قبل أسبوعين كاملين من ذكرى يوم الأرض الذي صادف في 30 من الشهر الماضي كانت القوى الوطنية والإسلامية قد أعلنت عن فعاليات اليوم، وجاء في بيان عقب اجتماع ضم ممثلي القوى ومؤسسات الأسرى وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان واللجنة العليا لإحياء ذكرى النكبة ودائرة شؤون اللاجئين، أن الفعالية المركزية أقيمت في مدينة رام الله إضافة إلى فعاليات أخرى في كافة الأراضي المهددة بالاستيلاء، خاصة كفر قدوم وبيت دجن وبيتا ومسافر يطا.
جاء «يوم الأرض» الذي تَعود أحداثه لآذار/مارس 1976 بعد أن قامت السّلطات الصهيونية بمصادرة آلاف الدّونمات من الأراضي ذات الملكيّة الخاصّة أو المشاع في نطاق حدود مناطق ذات أغلبيّة سكانيّة فلسطينيّة، وقد عم اضراب عام ومسيرات من الجليل إلى النقب واندلعت مواجهات أسفرت عن سقوط ستة فلسطينيين وأُصيب واعتقل المئات.
وإن كان يعتبر «يوم الأرض» حدثاً محورياً في الصراع على الأرض وفي علاقة المواطنين الفلسطينيين مع سلطات الاحتلال قبل نحو خمسين عاما فإن ما يجري في عموم الضفة الغربية والقدس يفترض أن يحوله إلى الحدث الأبرز في ظل تنامي سياسات السيطرة على الأرض وتهجير سكانها.
غير أن تلك الذكرى حملت المفارقة، لقد مرت وكأنها لم تكن، وبدلا من استثمار الحدث الوطني الجمعي الذي يتفق عليه الفلسطينيون في الداخل المحتل عام 1948 والضفة الغربية والقدس المحتلة، حدث العكس. لقد تحولت الذكرى إلى حالة من العبء على القائمين علينا.
في المقابل، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية «الكابينت» يوم الأحد الماضي، أي في نفس يوم ذكرى يوم الأرض على مزيد من إجراءات السيطرة على الأرض وتحويلها إلى أداة في كسب معركة السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية لصالح المستوطنين ومشروعهم.
لقد صادقت الحكومة على مشروع «نسيج الحياة/ السيادة» ويتضمن فتح نفق بين بلدتي العيزرية والزعيم تمهيدًا لضم مستوطنة معاليه أدوميم للقدس المحتلة، وهو الأمر الذي سيعزز الاستيطان في الضفة الغربية.
المفارقة حسب خبير الخرائط الفلسطيني والاستيطان خليل التفكجي أن مرحلة الإعلان عن المخطط تم عام 2020، وما جرى قبل أيام هو المصادقة عليه، «اليوم تتم شرعنة القرارات والقوانين السابقة أمام حالة الصمت الدولي».
وتعني عملية شقِّ النفق بين العيزرية والزعيم تمهيدًا إلى جانب ضم مستوطنة معاليه أدوميم للقدس المحتلة، ومنع الفلسطينيين من المرور، ما يعني قطع الطريق بين بيت لحم والخليل بأريحا.
والمصادقة على الخطة التي قدمها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أتت بعد عدة سنوات من التأجيل من قبل الحكومات السابقة، والهدف منها تحويل الفلسطينيين عن مسار المنطقة، والطرق التي تربط معاليه أدوميم بالقدس المحتلة، والتي ستكون الآن متاحة فقط للإسرائيليين، دون الفلسطينيين.
وحسب تصريحات مسؤولين إسرائيليين فإنه «الآن أصبحت الظروف مهيأة» وأضافت إن الميزانية مخصصة لطريق «نسيج الحياة».
وسعت سلطات الاحتلال من خلال سن عدة قوانين وإجراءات على الأرض لتغيير الوضع الديموغرافي في القدس المحتلة، ومن خلالها نجحت في رفع عدد المستوطنين في شرقي المدينة من صفر في ذلك العام، إلى 230 ألفًا حتى يومنا هذا، ويسعى الاحتلال لإضافة 150 ألفًا آخرين من خلال تحقيق حلم «القدس الكبرى».
وبحسب التفكجي، فإن المصادقة الجديدة ترتبط بثلاث كتل ضخمة وهي «غوش عتصيون» التي تضم 14 مستوطنة في الجنوب الغربي من القدس ويعيش فيها نحو 80 ألف مستوطن، وكتلة «معاليه أدوميم» التي تضم 8 مستوطنات تمتد من شرقي القدس وحتى غور الأردن ويعيش فيها 50 ألفًا، بالإضافة لكتلة «جفعات زئيف» التي تضم 5 مستوطنات وتقع في الجزء الشمالي الغربي من القدس، ويعيش فيها 15 ألفًا.
ومع ضم التكتلات الثلاثة، ستمتد «القدس الكبرى» على مساحة تزيد على 600 كيلومتر مربع بما يعادل 10 في المئة من مساحة الضفة الغربية، بينما تقوم القدس الآن على مساحة 126 كيلومترًا مربعًا بما يعادل 1.2 في المئة من مساحة الضفة، بعدما كانت لا تتجاوز حدود المدينة إبان الحكم الأردني 6.5 كيلومترات مربعة.
وحسب الخبير والباحث المقدسي زياد ابحيص فإن «طريق نسيج الحياة» هو نفق تحت الأرض مخصص للفلسطينيين فقط يبدأ من جنوب العيزرية ويمتد حتى شمال بلدة الزعيّم، بحيث يقتصر مرور الفلسطينيين بين الأجزاء الجنوبية والشمالية للضفة الغربية على هذا النفق حصراً، ومنع مرورهم بالتالي من طريق بيت لحم-رام الله الحالي الذي يصل إلى الشارع رقم 1 عند مفترق مستوطنة «معاليه أدوميم».
وقد دعم إقرار هذا الطريق في المراحل الأولى نفتالي بينيت زعيم حزب «البيت اليهودي» الذي كان يشكل ائتلافاً لقوى الصهيونية الدينية إبان توليه وزارة الحرب في حكومة نتنياهو عام 2020، والمقترح أن يتم تمويله بالكامل من أموال المقاصة المصادرة من السلطة الفلسطينية علماً بأن كلفته هي 92 مليون دولار.
ويعلق ابحيص على التسمية بالقول إن الجيش الإسرائيلي يحاول تسويقه كطريق يعزز «نمط حياة الفلسطينيين» ويشكل «نسيج حياة» بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، بينما الهدف الفعلي من بنائه هو نقيض ذلك تماماً عبر السماح بالتواصل المباشر بين المستوطنات الإسرائيلية ورفع الحواجز الأمنية عن الطرقات التي تربطها وتخصيصها للإسرائيليين حصراً.
وحول الآثار المترتبة على هذا الطريق يشدد على أنها ستعمل على حصر الحركة بين شمال الضفة الغربية وجنوبها في نفق تحت الأرض مخصص للفلسطينيين فقط، لا يمس إغلاقه بحياة المستوطنين، ما يسمح للاحتلال بزيادة قدرته على منع التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، بشكل قد يؤدي مع الزمن إلى جعل السفر نحو الأردن أسهل فعلياً من محاولة الانتقال بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويترك شمال الضفة وجنوبها معلقان بخيط رفيع تحت الأرض.
ويرى الباحث المقدسي في استحداث هذا الطريق بإنه محاولة لإلغاء الحاجة إلى الحواجز العسكرية في منطقتي الزعيّم والعيزرية، وسيحول الطريق رقم 1 عملياً إلى طريق مخصص للإسرائيليين فقط، ما يسهل الحركة عليه ويسمح لكتلة «أدوميم» الاستيطانية بتواصل أكبر مع المركز التجاري غرب القدس، وهذا سيكون له انعكاس كبير على عدد سكانها المتوقف عند رقم الـ40 ألفاً رغم حجمها الضخم الذي يقارب 70 كيلومترا مربعا، ورغم مرور 50 عاماً على تأسيسها.
ومن النتائج السلبية يرى ابحيص أن استحداث الطريق سيقطع التواصل خلال مرحلة البناء بين التجمعات البدوية الـ25 في برية القدس والبلدات الفلسطينية التي يعتمد عليها أهل المنطقة في التواصل والخدمات، وهو ما يعني عزل التجمعات البدوية تماماً عن بلدات العيزرية وأبو ديس وحزما، ما سيسهل على الاحتلال إخلاء الخان الأحمر وجبل البابا ووادي جمل وغيرها من التجمعات البدوية في برية القدس، وسيمهد بالتالي لضم كتلة أدوميم الاستيطانية إلى القدس بعد منع وصول الفلسطينيين إليها وتفريغ التجمعات البدوية في محيطها.
وشدد الباحث على أن الطريق سيقضم مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية، وبناؤه يتطلب هدم منشآت في بلدات العيزرية المصنفة «مناطق بـ« وفق اتفاق أوسلو، والمفترض وفق الاتفاق أن يكون تنظيم البناء والسكن فيها من صلاحيات السلطة الفلسطينية.
وللتمهيد لتأسيس هذا الطريق ولضم كتلة «أدوميم» الاستيطانية فقد سبق للحكومة الإسرائيلية في شهر 6-2024 أن سحبت صلاحيات البناء والتنظيم في برية القدس من السلطة، لتزيل بذلك صلاحيتها عما يقارب 3 في المئة من مساحة المناطق «ب» من الضفة وتنقلها لجيش الاحتلال عبر «الإدارة المدنية»، أي أن صلاحيات السلطة بشقيها «أ» و«ب» باتت تمتد على 2.110 كيلومتر مربع أي ما يشكل 7.8 في المئة من مساحة فلسطين الأصلية، مقطعة الأوصال بنحو 700 حاجز.
وينقسم طريق «نسيج الحياة» فعلياً إلى شقين: الأول شمالي وقد أنجز بالفعل ما بين عامي 2017-2020، والحالي الجنوبي الذي أحيل للتنفيذ الآن، والشق الشمالي يصل ما بين بلدتي الزعيّم وعناتا شمالاً، ويتكون من طريقين متوازيين يفصل بينهما الجدار، الأول للفلسطينيين ويسمح بالمرور من الزعيّم إلى عناتا ثم مواصلة الطريق شمالاً نحو رام الله، والثاني للإسرائيليين ويوفر مدخلاً شمالياً إلى القدس يربطها بكتلة «أدوميم» الاستيطانية.
وإذا ما اكتمل العمل بهذا الجزء المكون من نفق تحت الأرض فسيجري وصله بالمقطع الشمالي الملاصق للجدار، بحيث يصبح الطريق الوحيد المخصص للفلسطينيين بين شمال الضفة وجنوبها، بينما تصبح طرقات المستوطنين التي تربطهم بالقدس خالية من الحواجز.
يعقب مدير دائرة الأراضي والخرائط في جمعية الدراسات العربية بالقدس خليل التفجكي على المشروع الذي صودق عليه بالقول إن خطورة هذا الشارع تتمثل في أنه يحقق «عزل جنوب الضفة عن شمالها»، وهو ما «يسبب تداعيات كبيرة وخطيرة على حركة تنقل الفلسطينيين بين شمال الضفة الغربية وجنوبها».
ويكمل: «الإجراءات الحالية تحقق مشروع القدس الكبرى الذي وضع الجانب الإسرائيلي مخططاته عام 1995».
ويضرب مثلا على التخطيط الإسرائيلي طويل المدى بإن «مشروع مليون مستوطن في الضفة الغربية وضع عام 1979».
ويشدد التفكجي على أن البرنامج الإسرائيلي واضح تماما، «لقد وضع عام 1983 ضمن الأمر العسكري الخاص بالطرق ويمكن للجميع العودة إليه ومشاهدته، أما اليوم فإن الظروف الدولية مواتية للجانب الإسرائيلي لا نشاهد أي استنكار أو إدانة».
ويرى التكفجي أن الخطورة الراهنة تتمثل في أن الاحتلال يسعى إلى منح قراراته إطارا شرعيا إسرائيليا بحيث تصبح قانونا لا يمكن تغييره، «فالاحتلال يتخذ قرارا لا يتراجع عنه أو ينفيه، بل يتم تجميده في حال رغب في ذلك».
وحسب خبير الخرائط فإنه لا يمكن رؤية المشاريع الإسرائيلية من دون بعدها السياسي، «كل المشاريع الإسرائيلية لها أبعاد سياسية، وهي تقع ضمن سياسة واحدة تهدف لمنع إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية».
وما يرصده اليوم التفكجي هو عمليات تسريع القرارات: «لقد أصبحت سريعة جدا بعد أن كانت عملية إصدارها والمصادقة عليها بطيئة. نحن إزاء مخططات كانت بالأدراج وأصبحت على الطاولة».
ويضيف أن الاستيطان سيتوسع بدلاله ما تشهده الضفة، هناك فتح شوارع وإقامة بنية تحتية للمستوطنين وأخرى للفلسطينيين، هناك اتجاه لحشر كل التجمعات الفلسطينية في داخل «كانتونات» محاطة بالمستوطنات.
ويشدد على أن ما يجري في القدس والضفة اليوم من عمليات توسع استيطاني تؤسس لعملية طرد السكان ونقلهم من مكان لآخر، كلها أمور تحمل هدفا واحدا، وهو دولة واحدة بين النهر والبحر.
ويخلص إلى أن الرؤية الإسرائيلية للدولة الفلسطينية تحمل تصورا مفاده أن تكون هناك تجمعات فلسطينية مربوطة بين بعضها البعض عن طريق الانفاق، هناك استعادة لرؤية «مردخاي كيدار» الذي يروج لدولة العشائر والقبائل، وهو أمر بدأ عام 2005.
ويتوسع في حديثه عن عمليات التنقل عبر الانفاق: «الذهاب من رام الله إلى باتجاه شمال غرب القدس يترتب عليه أن يمر الفلسطيني من خلال نفقين، ومن يريد الذهاب من شرق رم الله عليه أن يسلك نفقا، وكي تصل إلى بيت لحم عليك أن تسلك طريقا يتضمن عدة أنفاق…الخ». ويشدد هنا حديثه على ضرورة الانتباه إلى أن «هذا مشروع وضعه شارون.. وليس وليد مخططات اليوم».
وكان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، قد كشف في تقرير أصدره بمناسبة يوم الأرض أن الاحتلال يسيطر على أكثر من 85 في المئة من الأرض في فلسطين التاريخية ويسعى إلى المزيد.
ويفيد تقرير الإحصاء أن عدد المواقع الاستيطانية والقواعد العسكرية الإسرائيلية بلغ في نهاية العام 2024 بالضفة الغربية، 551 موقعًا، تتوزع بواقع 151 مستوطنة، و256 بؤرة استعمارية، منها 29 بؤرة مأهولة تم اعتبارها كأحياء تابعة لمستوطنات قائمة، و144 موقعاً مصنفاً أخرى، وتشمل (مناطق صناعية وسياحية وخدمية ومعسكرات لجيش الاحتلال). وشهد العام 2024 زيادة كبيرة في وتيرة بناء المستوطنات وتوسيعها؛ حيث صادقت سلطات الاحتلال على العديد من المخططات الهيكلية الاستعمارية لبناء أكثر من 13 ألف وحدة استيطانية في جميع أنحاء الضفة بما فيها القدس، من خلال الاستيلاء على حوالي 11.888 دونم من أراضي المواطنين الفلسطينيين.
أما فيما يتعلق بعدد المستوطنين في الضفة الغربية؛ فقد بلغ 770.420 مستوطن، وذلك في نهاية العام 2023.
وتشير البيانات إلى أن معظم المستوطنين يسكنون محافظة القدس بواقع 336.304 مستوطنين (يشكلون ما نسبته 43.7 في المئة من مجموع المستوطنين)، منهم 240.516 مستوطن في منطقة J1 (تشمل ذلك الجزء من محافظة القدس الذي ضمته إسرائيل إليها عنوة بُعيد احتلالها الضفة الغربية في العام 1967)، يليها محافظة رام لله والبيرة، بواقع 154.224 مستوطن و107.068 مستوطن في محافظة بيت لحم، و56.777 مستوطن في محافظة سلفيت.
أما أقل المحافظات من حيث عدد المستوطنين؛ فهي محافظة طوباس والأغوار الشمالية بواقع 3.004 مستوطن.
وتشكل نسبة المستوطنين إلى الفلسطينيين، في الضفة الغربية، حوالي 23.4 مستوطن مقابل كل 100 فلسطيني، في حين بلغ أعلاها في محافظة القدس؛ حوالي 67.6 مستوطن مقابل كل 100 فلسطيني.