تسعة أعوام على يناير 2011: “واحة” السيسي هي سجون واعتقالات وقمع وفساد

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لسنا في حاجة لتوصيف حال مصر اليوم وبعد تسعة أعوام من ثورة 25 يناير التي أطاحت بالديكتاتور محمد حسني مبارك ليحل محله ديكتاتور أقام أسوأ نظام في تاريخ مصر الحديث. فهو لم يجلب الأمان الاقتصادي الموعود، بل زرع الخوف في قلوب المصريين وأسكتهم وتفاخر بالفساد وبناء القصور والمشاريع الفارغة. كما وأسكت وكمم الرأي وقتل المئات من المعتصمين في ميدان رابعة في يوم واحد من صيف عام 2013 بعد انقلابه ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي توفي في قاعة المحكمة صيف العام الماضي.

وفي مصر عبد الفتاح السيسي أصبح النقد حتى لو كان لطيفا أو هادئا مدعاة للسجن والتعذيب. وأي نشاط حتى ولو لم يكن سياسيا فهو يفسر كنقد للمؤسسة الحاكمة. واعتادت مصر على إحياء ذكرى ثورة يناير بتغييب جديد لتلك الثورة التي أعاد نظام السيسي وأبواقه الإعلامية كتابتها من جديد وجرى محوها من الذاكرة باعتبارها ثورة طالبت بالحرية والعدالة والخبز، ولم ينل منها المصريون سوى الخوف والجوع والإهانة.

الشكوى ممنوعة

وبعد عشرة أعوام على بداية الربيع العربي الذي كانت مصر أهم تمظهراته يسود التشاؤم وفقدان الأمل والعجز. فيما يحاول الشباب البحث عن مهاجر جديدة خشية أن يكون مصيرهم الموت قهرا أو الاعتقال.

ففي سجون مصر اليوم أكثر من 60.000 سجين فيما تحوم مخاطر الاعتقال فوق أي نشاط اجتماعي، اقتصادي أو قانوني. ففي تقرير لصحيفة “الغارديان” (24/1/2020) قالت فيه إن طبيب الأسنان محمد عبد اللطيف الذي كان يعمل في مستشفى الجيزة، اعتقل بسبب شكواه من قلة الإمدادات الطبية للمستشفيات ومن الاجور المتدنية للأطباء. وعندما بدأ هاشتاغ “الأطباء المصريون غاضبون” داهم بيته خمسون من رجال الأمن وحققوا معه ساعتين قبل اقتياده معصوبا إلى مكان مجهول. وبقي مقيدا لمدة 9 أيام ولم يسمح له بالحركة أو الحديث وقدم له طعام قليل وظل في ملابسه التي اعتقل فيها. ويعتبر هذا تطور جديد في مستوى القمع والاضطهاد، فبعد إسكات وسجن أو قتل ناشطي الثورة الشعبية، بات النظام يستهدف عائلات نقاده الذين يعيشون في الخارج. وعم الظلم في مصر الآن الصحافيين والعاملين في المنظمات غير الحكومية ومنع حرية التعبير وأغلقت مئات المواقع الإخبارية على الإنترنت (500 موقع).

فقد سجن كل من محمد نصيف ومحمد غنيم وهما موظفان في مكتب الضريبة عام 2018 بعد نشرهما تعليقا على فيسبوك اعتبر مؤذيا للنظام ومصلحة الضريبة. ولم تعد السجون المصرية تستوعب الأعداد المتزايدة من المعتقلين الذين يتم احتجازهم بطريقة عشوائية. وبنى النظام 19 سجنا جديدا منذ ثورة 2011 التي كان من المفترض أنها تقلل نزلاء السجون وتمنح المواطنين الحرية. وباتت تهمة الإرهاب جاهزة لأي شخص يعبر عن قلق أو ضجر خفيف من النظام. وتم اعتقال 21 شخصا احتجاجا على رفع أسعار تذاكر المترو وجهت لهم تهم الإرهاب. وفي الوقت الذي خرج فيه مئات من المتظاهرين في أيلول (سبتمبر) احتجاجا على الفساد الذي كشفه المقاول محمد علي في أشرطة فيديو نشرها على يوتيوب، شن النظام حملة اعتقل فيها ضعف من خرج في المدن المصرية. واعتقل 4.433 شخص حسب المفوضية للحقوق والحريات في القاهرة.  ولا يزال الكثيرون منهم في السجن بتهم دعم جماعة إرهابية أو التظاهر بدون إذن أو لأنهم أساءوا استخدام الإنترنت وتقويض الأمن القومي واستخدام منصات التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار الكاذبة. ووجهت تهمة الإرهاب لطبيب الأسنان محمد عبد اللطيف وأضيف إلى المجموعات التي اعتقلت في أيلول (سبتمبر) 2019. واعتقل محاميه محمد باقر عندما كان في زيارة المعتقل علاء عبد الفتاح، الناشط المعروف. ولا يزال الطبيب معتقلا بناء على قرار حبس يجدد كل أسبوعين.

التسوق جريمة

وباتت نشاطات عادية مثل التسوق مدعاة للاعتقال كما حدث مع طالب عمره 19 عاما اعتقل في وسط القاهرة في 21 أيلول (سبتمبر) ومر الطالب أمام حاجز تفتيش ظهرت في مناطق القاهرة حيث يوقف رجال الأمن المارة ويفتشون هواتفهم المحمولة. وزادت من مخاوف السجن التقارير عن وفاة السجناء مثل المواطن الأمريكي-المصري مصطفى قاسم الذي اعتقل مع صهره في مركز تسوق بالقاهرة عام 2015 وحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما. ولكنه أضرب عن الطعام وتوفي في مستشفى السجن. وعبر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن غضبه بشأن وفاته التي قال إنها لم تكن مبررة، وذلك عندما التقى السيسي في برلين التي استضافت مؤتمرا حول المسألة الليبية. إلا أن الناشطين يتهمون الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب التي تغاضت عن تصرفات النظام ولم تلق بالا لوضع حقوق الإنسان في مصر أو غيرها. بل ونقل عن ترامب وصفه للسيسي بـ “ديكتاتوري المفضل” والحاكم الذي يقوم بـ “عمل رائع”. وناشد تحالف منظمات حقوق إنسان مصرية والصليب الأحمر الدولي الحكومة المصرية لفحص حالة السجون بعد وفاة قاسم، مشيرة لوفاة 917 سجينا ما بين حزيران (يونيو) 2013 وتشرين الثاني (نوفمبر) 2019. وتوفي مرسي في السجن حيث حرم مرارا من العناية الطبية وسجن في ظروف اعتبرتها لجنة برلمانية بريطانية نوعا من التعذيب. وعبرت الأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 عن قلقها من آلاف السجناء في مصر وأنهم قد يتعرضون لانتهاكات لحقوقهم وهم في السجن. وبعد فترة أصدرت مصلحة السجون المصرية شريط فيديو ليناقض المنظمة الأممية وأظهر مسؤولين في زيارة لسجن طرة سيء السمعة ومقابلات مع المعتقلين. وسمح لمجموعة مختارة من الصحافيين التجول في عنابر السجون حيث ظهر طاه وهو يقوم بالشواء وسجناء يلعبون كرة القدم. وقال أندرو ميللر، من مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط “سجن أعداد كبيرة يعرقل الحياة الاجتماعية والعائلية ويترك أثره الواضح على السياسة، خاصة أن الدولة المصرية سجنت الناس الذين من المحتمل ممارستهم سياسة سلمية”. وقال إن الاعتقالات الجماعية لا يمكن استمرارها من الناحية الاجتماعية والسياسية “فهم بطريقة مقصودة وغير مقصودة يعززون من اللاعبين الذين اختاروا طريق العنف والذين بقوا خارج السجن وسيطروا على النشاط المعارض. وفي كل عام يحول الأمن المصري في ذكرى يناير القاهرة لثكنة عسكرية، حيث يؤكد حضوره في شوارعها ويزيد من حملات مداهمة البيوت.

التواطؤ الدولي

وفي حال مصر تتواطأ الدول على قمع المصريين خاصة الولايات المتحدة التي وإن غضبت على قتل مواطنها لكنها تركته يموت بدون أن تضغط على النظام وتستخدم ما لديها من أوراق نفوذ عليه، خاصة الدعم العسكري السنوي لمصر. وأرسل قاسم رسالة للرئيس ترامب الداعم الحقيقي للسيسي قال فيها “أضع حياتي بين يديك” ومات قبل أن يتلقى ردا. وظن قاسم كما تقول صحيفة “واشنطن بوست” (14/1/2020) أن بلاده ستسارع لحمايته واعتبر جواز سفره الأمريكي واقيا من الرصاص وأن لا أحد سيضر به، خاصة من حكومة تتلقى مليارات الدولارات على شكل مساعدات عسكرية. وقاسم هو واحد ممن قرروا الموت احتجاجا فهناك أكثر من 300 سجين أعلنوا إضرابهم عن الطعام. ولكن الإضراب يكون ناجعا في بلد تخاف حكومته من العواقب. بل وزادت ظروف حقوق الإنسان سوءا بعد زيارة ترامب إلى الشرق الأوسط عام 2017 وأكد أن موضوع حقوق الإنسان لا يهمه. بل وأكد دعمه للسيسي وفرش البساط الأحمر له ودعاه إلى البيت الأبيض وهو ما لم يكن يحلم به في عهد باراك أوباما.

وكانت وفاة مرسي الذي انهار في قاعة المحكمة بمثابة صيحة تحذير لمن وثقوا بصدقية النظام وقدرته على توفير العناية المناسبة للمعتقلين. وكان ترامب قد تباهى مرارا بتحريره السجناء الأمريكيين في الخارج. وفي قضية قاسم لم يقدم أي دليل على ارتكابه مخالفة بل وحوكم مع 738 متهما في محكمة جماعية وصدر ضده حكم السجن لـ 15 عاما.

جونسون يرحب

 وكان آخر من فرشوا السجاد الأحمر للديكتاتور المصري رئيس الوزراء البريطاني الشعبوي بوريس جونسون، الذي دعاه الأسبوع الماضي لحضور مؤتمر التنمية الافريقية بصفة مصر رئيسة للدورة الحالية للاتحاد الافريقي، في وقت كانت فيه القاهرة تشهد محاكمات جماعية تضم أشخاصا كانوا أطفالا وقت اعتقالهم. وأشارت مديرة جمعية بريطانية للدفاع عن السجناء وضحايا التعذيب مايا فاو بمقال نشره موقع “ميدل إيست آي” (21/1/2020) إلى أن جونسون وبقية قادة العالم التزموا بالكياسة مع السيسي وتجنبوا طرح ملفات التعذيب والسجناء في مصر. ووصفت مصر بالصندوق الأسود الذي يمنع فيه الصحافيون من العمل بحرية ويتم التحرش بهم واعتقالهم. وقالت إن الحديث بصراحة يعد فعلا جريئا في مصر ومحفوفا بالمخاطر. وأشارت لأم سجن ابنها “عمار” عندما خرج من المدرسة. ووصفت كيف حطم السجن أحلام ابنها الذي كان يطمح لأن يصبح مهندسا. ولم تكن جريرة الطفل سوى أن والده كان سجينا وجاء اعتقاله وتعذيبه للضغط على والده.

واحة استقرار

لكن السيسي يسمي دولته البوليسية واحة استقرار، ففي احتفال بعيد الشرطة الذي تزامن مع ثورة 25 يناير قال “لقد شاهد العالم كله كيف تحولت مصر إلى واحة للأمن والاستقرار في سنوات قليلة”. مع أن أجهزته لم تتوقف عن الملاحقة والتضييق، فمع كل مناسبة ذكرى تزداد البيانات وحملة الاعتقال، وباتت جماعة الإخوان المسلمين التي أطاحت السيسي عندما كان وزيرا للدفاع برئيسها مرسي، شماعة لتعليق كل المشاكل والإرهاب عليها. وأعلنت وزارة الداخلية يوم الأربعاء أن جماعة الإخوان تخطط لـ “نشر الفوضى” و”تقويض استقرار البلد” عبر الدعوات على الإنترنت للتظاهر يوم 25 كانون الثاني/يناير. وقالت في بيان لها إن عددا من عناصر الإخوان اعتقلوا واكتشفت معهم كميات كبيرة من الأسلحة. وأضافت أن المتآمرين كانوا ينسقون مع عناصر الجماعة الهاربين في تركيا. ويعكس البيان خوف النظام من تكرار تجربة ثورة 2011 ولهذا حاول محوها من الذاكرة المصرية مع أن السيسي ولحاجة في نفسه عاد إليها واعتبرها في خطابه في عيد الشرطة بـ “المناسبة العزيزة”. مع أن إعلامه ظل يركز على أن الثورة الحقيقية هي انقلابه الذي قاده في تموز (يوليو) 2013. ولا نعرف إن كان الكلام تعبيرا عن الثقة بالنفس وأن أعداء النظام في الداخل والخارج باتوا مقيدين. فالمعارضة الخارجية لم تتوصل بعد إلى مشروع حقيقي للتخلص من النظام الذي يشعر أنه آمن في علاقاته مع القوى العالمية والإقليمية. ولم تكن تظاهرات أيلول (سبتمبر) 2019 إلا حدثا عابرا ولعبت فيها أشرطة فيديو المقاول محمد علي دورا في كشف الفساد وزيادة حنق المواطنين الذين تحملوا عبء السياسات الظالمة وارتفاع مستويات المعيشة. ورد النظام على المئات باعتقال الآلاف. وقد يعلن بعض رموز ثورة 2011 عن وفاة انتفاضة يناير إلا أن حكم الرجل القوي كما يعلمنا التاريخ لا يدوم، والمنطقة مليئة بالأمثلة. وفي الوقت الحالي ترزح مصر تحت كابوس من الخوف، مات فيه كل أنواع الإبداع الفني الذي أطلقت الثورة العنان له، غرافيتي، حفلات شوارع، موسيقى تحت الأرض، ولم يعد يرى في مصر تلك الشهادات الحية والبصرية ضد الظلم والقمع. وبات الفنانون والموسيقيون مثل الصحافيين والأكاديميين هدفا للاعتقال. فكل الصور الجدارية في شارع محمد محمود بالقاهرة محيت في محاولة من السلطات لمحو بقايا الثورة. ويشير تقرير في موقع “المونيتور” (23/1/2020) إلى أن فناني الثورة دفعوا ثمنا باهظا واضطروا للهجرة من البلاد مثل جنزير الذي كانت لوحته الجدارية في شارع محمد محمود مدعاة لاتهامه بالإرهاب لأنه صور جنديا يقف فوق كومة من الجماجم. ومن لم يهرب من الفنانين يواصل عمله من خلال ممارسة الرقابة الذاتية واللجوء للرمزية. وهذا وضع جديد للحالة الفنية والثقافية المصرية لأن الفنان في البلاد لم يتعود على القيود وسيتغير الوضع. في الوقت الحالي لا يزال الديكتاتور يرزح على صدور المصريين وجنوده يقفون على أكوام الجماجم والسجون تملأ بر مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية