تسع سنوات من الحرب الخرقاء باهظة التكاليف

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع’نيوزنايت’، البرنامج الذي تبثه قناة الـ’بي بي سي’ الثانية مساء كل يوم، خمسة أيام من الأسبوع، هو بحد ذاته مؤسسة إخبارية. وقد كرس البرنامح مساء الجمعة الماضية (10 ايلول/سبتمبر) جزءاً ملموساً من الوقت للذكرى التاسعة لأحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001. ولم يكن هذا استثنائياً على أية حال، فقد أصبحت الذكرى مناسبة سنوية للمراجعات الإخبارية في العالم بأسره. وربما بدت المراجعة هذا العام أكثر إلحاحاً، ليس فقط لتصاعد العداء ضد المسلمين في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، ولكن أيضاً لأن الحرب في أفغانستان تبدو وكأنها تمر بمنعطف حاسم. ما أدهشني، إذن، لم يكن الوقت الذي كرس لقراءة الحدث وآثاره، بل ما قيل في التغطية نفسها. استضافت الـ’بي بي سي’ الصحافي الامريكي الشهير تيد كبل لإعداد التقرير الرئيسي الذي دار حول النقاش، وتضمن التقرير بدوره مقابلة ثاقبة مع السيناتور الديمقراطي السابق لي هاملتون، الذي يذكر دائماً للدور الذي قام به إلى جانب وزير الخارجية الامريكي الجمهوري الأسبق جيمس بيكر في إعداد تقرير ‘بيكر ـ هاملتون’ الشهير. التقرير الذي قدم لإدارة بوش الابن في كانون الاول/ديسمبر 2006، كلف به بيكر وهاملتون من قبل الكونغرس الامريكي، لقراءة وتقييم مجمل سياسة الحرب على الإرهاب، بعد أن تصاعدت مخاوف مؤسسة الحكم الامريكية من مؤشرات الفشل والتأزم التي واجهت السياسة الخارجية والنفوذ الامريكي في العالم وفي الشرق الأوسط. وينظر إلى كل من بيكر وهاملتون باعتبارهما من أعمدة السياسة الخارجية الامريكية، وليس من خلال الانتماء الحزبي لكليهما. المهم في الأمر أن تيد كبل وجه سؤالاً مباشراً إلى هاملتون حول ما إن كان رد الفعل الامريكي على أحداث ايلول/سبتمبر مبالغاً فيه إلى حد كبير، وما إن كان رد الفعل هذا قد كلف الولايات المتحدة الكثير. وقد جاءت إجابة هاملتون واضحة، وصريحة، وبدون أي تلاعب سياسي، مؤكداً على أن ذلك بالفعل ما حدث، وأن القاعدة استفزت الولايات المتحدة لتبني حرب غير محسوبة العواقب، تسببت في خسائر هائلة للولايات المتحدة وتكاد تصيب الاقتصاد الامريكي بالشلل، إضافة إلى الآثار السلبية التي تركتها على موقع أمريكا في العالم. أحد الذين شاركوا في النقاش بعد ذلك كان ديفيد فروم، كاتب خطابات بوش الشهير، الذي ينسب إليه اختراع مقولة ‘محور الشر’، وأحد نشطاء معسكر المحافظين الجدد. دافع فروم في مداخلته عن سياسة بوش ببسالة، وذكر، مشيراً إلى النتائج الإيجابية لهذه السياسة، أن الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي في وضع أقوى الآن. ولم ينس فروم المقولات المعهودة حول الديمقراطية في العراق… إلخ.

لنبدأ من النهاية، فالواضح أن فروم ينظر إلى ‘شرق أوسط’ آخر غير ذلك المتعارف عليه في الخرائط، لأن الشرق الأوسط الحقيقي لم يشهد انتصاراً للمعسكر الحليف للولايات المتحدة بأي حال من الأحوال. لحظة الانتصار الامريكي في العراق لم تستمر إلا لشهور قليلة، وبعد ذلك بدأت الأمور في التدهور من وجهة نظر السياسة الامريكية في المشرق. خلال سنوات إدارة بوش الأولى والثانية، أصبحت تركيا أكثر استقلالاً عن السياسة الامريكية، وبرزت إيران باعتبارها قوة إقليمية يعتد بها، ليس من جهة الاستمرار في تطوير البرنامج النووي فقط، لأن هذا لا يمثل سوى عامل صغير ومحدود في مكتسبات إيران الاستراتيجية. خصوم إيران الرئيسيون في المنطقة أطاحت بهم إدارة بوش، وحلفاء إيران في فلسطين ولبنان أكدوا مواقعهم في صورة غير مسبوقة؛ أما نفوذ إيران في العراق، فليس محل جدل. سورية، التي وضعت في خطاب بوش الشهير، الذي كتبه فروم، ضمن ‘محور الشر’، خرجت من مأزقي احتلال العراق وأزمة ما بعد اغتيال الرئيس الحريري أكثر قوة ونفوذاً واستقراراً. كما إيران، شهد العقد الأخير صعوداً مستمراً لحلفاء سورية وأصدقائها؛ وبعد محاولة تقويض النفوذ السوري في لبنان، ووضع سورية في موقع المتهم في قضية اغتيال الرئيس الحريري، تشهد تطورات التحقيق في حادثة الاغتيال ما يشبه تبرئة لسورية، حتى قبل صدور القرار الاتهامي. وقد باتت سورية قاب قوسين أو أدنى من توثيق نفوذها اللبناني ليس في أوساط حلفائها السياسيين التقليديين وحسب، بل وفي أوساط السنة وقطاع واسع من المسيحيين. وبالرغم من أن التأثير السوري العربي لم يزل يواجه العقبة المصرية، فإن العلاقات السورية – السعودية عادت تقريباً إلى طبيعتها. وإلى جانب تعزيز أوضاع الدول غير الحليفة لواشنطن، شهدت الفترة نفسها انتصار حماس الانتخابي في فلسطين، وانتصار حزب الله الكبير في الحرب الإسرائيلية على لبنان. الانتصار الانتخابي أدخل حماس إلى دائرة السلطة والحكم الفلسطينيين، بغض النظر عن الانقسام اللاحق؛ وانتصار حزب الله، جعل من الحزب قوة سياسية رئيسية في خارطة الحكم اللبنانية. وعلى الجانب الآخر، تبدو حظوظ حلفاء واشنطن في تراجع كبير. فباستثناء السعودية، التي استطاعت باعتماد سياسة ذكية من القوة والاستيعاب مواجهة الخطر الذي مثلته مجموعات القاعدة في منتصف العقد، فإن أوضاع مصر السياسية والاقتصادية ليست على ما يرام؛ وفي الوقت الذي تتسع الهوة بين النظام والشعب، فإن السياسة الخارجية المصرية تعاني من العجز وتراجع التأثير. في فلسطين، ثمة شكوك كبيرة حول شرعية سلطة الحكم الذاتي، وانهيار شبه كامل لقوة فتح الشعبية، التي تعتبر الأساس الذي أقيمت عليه سلطة الحكم الذاتي. أما في لبنان، حيث ربطت واشنطن بوش بين سياستها وتجمع 14 آذار وسياسة العداء لسورية، فالواضح أن مسوغ وجود 14 آذار لم يعد متوفراً، بعد أن عاد جنبلاط إلى أحضان دمشق، وبدأ الرئيس الحريري الابن مسيرة مصالحة حثيثة مع دمشق. هذه هي صورة الشرق الأوسط الحقيقية، الصورة التي شكلت ملامحها سياسة إدارة بوش. فأي إنجاز في هذه الصورة يمكن أن يحسب لإدارة بوش؟

خلال أيام قليلة من هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001، اكتسبت الهجمات صورة أيقونية ارتكزت إلى انهيار صرح أمريكي ورأسمالي هائل. ولكن بغير الصورة الأيقونية، لم تشكل الهجمات تهديداً حقيقياً للأمن القومي الامريكي. في أكثر من مناسبة، سيما خلال عقد الثمانينات، واجهت بريطانيا تهديدات ملموسة وكبيرة لأمنها، أكبر بكثير مما مثلته هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر. في حادثة شهيرة، استطاع الجيش الجمهوري الإيرلندي تفجير الفندق الذي استضاف رئيسة الحكومة البريطانية، مرغريت ثاتشر، وكبار وزراء حكومتها وقادة حزب المحافظين الحاكم. ولكن رد الفعل البريطاني على التحدي كان وضعه في إطاره الصحيح من الإجراءات الأمنية وسياسات التعامل مع جوهر المشكلة الإيرلندية. في الولايات المتحدة، استخدمت الهجمات البشعة لتبرير سياسات خطط لها مسبقاً لدى دوائر معينة في إدارة بوش، ولتوفير غطاء من الشرعية لهذه السياسات، بعد أن تحالفت حفنة من ديناصورات الحرب الباردة وأصدقاء الدولة العبرية الخلص في إدارة بوش لإقناع الرئيس قليل الخبرة في السياسة الخارجية لتبني سياسة حرب عالمية شاملة. بذلت جهود سياسية وإعلامية لتضخيم الخطر الذي تمثله القاعدة، وصنعت بالتالي صورة للتنظيم الصغير والهامشي، جعلت منه انعكاساً لواقع أنظمة لابد من تغييرها هي الأخرى، ومؤسسات تعليمية لابد أن يعاد بناؤها، ومجتمعات لابد أن تصنع من جديد. أراد ديناصورات الحرب الباردة في إدارة بوش أن توفر الحرب الشاملة لأمريكا سيطرة مطلقة على الشأن العالمي، وأراد أصدقاء الدولة العبرية استخدام أمريكا لتخليص إسرائيل من خصومها الاستراتيجيين، وصنع هوة لا يمكن ردمها بين الولايات المتحدة والعالم العربي والإسلامي، تشكل سياجاً أمنياً دائماً للدولة العبرية.

لم تبالغ إدارة بوش في رد فعلها وحسب، بل انتهجت سياسة كان من الواضح من البداية أنها لا تخدم المصالح والأمن القومي الامريكيين، لا داخل الولايات المتحدة ولا على مستوى العالم. وبالرغم من أن خطل هذه السياسة اتضح في شكل مبكر من الحرب، إلا أن أحداً في إدارة بوش لم يكن لديه أدنى استعداد للاعتراف بالخطأ الهائل أو التراجع عن سياسة كان واضحاً أنها لا تؤدي إلى أي هدف محدد. صحيح أن أفغانستان أثبتت في البداية أنها هدف سهل، ولكن منذ 2005، لم يعد هناك شك في أن طالبان قد عادت إلى الساحة بقوة كان من العبث تجاهلها، وأن النظام الذي وضع في كابل لم يكن قادراً على اكتساب الشرعية أو توفير بديل يعتد به لنظام حكم طالبان، بكل أخطاء الأخير وقصر نظره. أما في العراق، فلم تكد تمر شهور حتى انطلقت المقاومة للاحتلال، وقدم السياسون الذين عادوا مع القوات الامريكية ما يكفي من الأدلة على عجزهم عن إقامة عراق جديد، لا عراقاً ديمقراطياً ولا ليبرالياً ولا وطنياً. ولعل أحداً اليوم لا يعرف على وجه اليقين ما هو العراق الذي صنعه الغزو والاحتلال الامريكيين.

بدلاً من أن توفر سياسة الحرب والاحتلال مصادر قوة جديدة لتوكيد السيطرة الامريكية على الشأن العالمي، أتاح الغرق الامريكي في أفغانستان والعراق وعجز إدارة بوش عن إدراك حدود سياسة القوة والحرب لقوى مثل الصين وروسيا الفرصة لتعزز مواقعها السياسية والاقتصادية، في جوارها الإقليمي وعبر العالم. وفي النهاية، عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية، كانت الولايات المتحدة أعجز عن أن تجد مخرجاً سريعاً وقليل الوطأة. لا المشرق العربي – الإسلامي أعيد رسمه على الصورة التي أرادتها إدارة بوش، ولا العالم خضع للإرادة الامريكية المتفردة. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية