تسلل إلى الحجرة الباردة

حجم الخط
0

قصي اللبدينفذ إليها عندما خلا الممر الأبيض تماما. ألقى نظرة تشبه خط ضوء منكسرا على جثة ممددة في جارور صندوقي، مستغرقة في سكينتها الأبدية.

أحس بأن نظرته قادرة على اختراقها، مثلمايخترق الطفل ظله.

رأى موتى آخرين تتشابه وضعيات أجسامهم.

فتاة زرقاء، ابتسمت له برقة.

لكن أشد ما أثار فضوله، صندوق خال، يحتفظبرائحة ميت لم يعد موجودا فيه. استلقىفي داخله، ووضع يديه على سرته، واحدة فوقالأخرى، محاكيا وضعية الآلة النائمة.

الرائحة تشبه بخار جسد النائم، ولا تشبهتشبع القميص بالعطر، أو العرق.

راح ينظر من أعلى جبهته، عبر الحافةالأفقية المشعة، الى الحجرة الخالية، وقدانعكس الصمت على جدرانها مثل جسم غيرمرئي، في مرآتين متقابلتين.

ومن حيث هو، تناهى إليه صدى ضجيح بعيد، يطفو اسمه على سطحه بين حين وآخر، وسمعطرقعة خطوات منتظمة، تدخل الى الغرفةوتخرج منها، فضغط أجفانه بشدة، لأنه خشيإذا فتحها أن يكتشفوا سره.** *هاتفالموت يخطىء هدفه في اللحظة الأخيرة.

السيارة التي انقلبت بي ذات يوم، عجزت، حتى، عن أن تسقط نظارتي. التسمم الذيهرأ معدتي، وألزمني السرير شهرا، زايلجسدي يائسا في آخر الأمر.

أنا الناجي من انفجار قنبلة خلال لعبة عنالاختفاء.

جسدي يواصل تمدده، بلا اكتراث.

ويوما فآخر، أرى كمّ قميصي يتضاءل وينكمشويقصر.. وأراني أزداد عافية، كأننيدمية.** *أثرأول ميت في ذاكرتي، فتى في الثالثة عشرةمن عمره، نحيل مثل قصبة، وله عينانعاديتان جدا، لا أستطيع وصفهما. ترك بقعةدم حمراء على الاسفلت. رأيت أثره ولمأره. لكنني رأيت صورا تطيش في الهواءعندما رأيت عينين ناتئتين في المرآة.

على هيئته ذاتها، في وزن جسد في الذاكرة، يمشي منذ أكثر من ثلاثين عاما، أمامجسده، وفيه، وخلفه. يمشي ببطء، منسابا معالهواء، أو فيه.

أريد، بشدة، أن أرى الهيئة التي أصبحعليها. لكن صورة أثره لا تزال تهيمن علىمخيلتي كلياً: طبقة خمرية، غامقة، دائريةالشكل تقريبا، تبدو من بعيد مثل فجوةفي منتصف الطريق، لكنها تفضي الى عالم لادُمى فيه.

ينبغي ألا أنسى اسمه أبدا، هو أول الموتى. ** *موتىلم أشهد قط كائنا حيا أثناء احتضاره إلاالأسبوع الفائت.**وهذا الكائن هو سمكة صغيرة، لا يزيد طولهاعلى عشرين بوصة،* *كنت قد ابتعتها منمحل ‘الأحياء البحرية’ في شارع السينما، بعدما أخبرني البائع بأنها الوحيدةالمتبقية لديه. **لا أتذكر ما كان ذلك اليوم على وجهالتحديد، لكنني أعتقد بأنها سبحت فيحوضهاالزجاجي ذي الشكل البيضوي نحو عامينكاملين منذ اليوم الذي اشتريتها فيه. وإذاقارنت هذه الفترة بالفترات التي تقضيهابنات جنسها في أحواض الزينة عادة، فسوفتدرك أن الحياة بالنسبة إليها، كانتنضالا حقيقيا ضد الفناء، لا مجرد رياضةفطرية للزعانف والخياشيم.

خلال العامين المنصرمين جاورتها في الماءبضع عشرة سمكة. ومع أن بعض جاراتها كنأكبر منها حجما، فقد كانت إحداهن تحلّمكان الأخرى بعد موتها، لأنهن لم يملكنقدرتها على تلافي هذا المصير القاتم.

وفي المرة الأخيرة، ابتعت من المحل نفسه، ثلاث سمكات ورديات، دفعة واحدة، وأطلقتها في الكوكب الزجاجي، لتنعم سمكتيبرفقة مبهجة، ثم راقبت زعانفهاالمرحة، بحثا عما يدل على شعورها بالرضا.

وفي اليوم التالي، رأيتها تتقلب في قعرالحوض، وخطر لي أنها تعلمت لعبة ما منشقيقاتها الجديدات، لأنهنّ كنّ يتقلبنبالطريقة ذاتها. ولكنّ ميلها الىالاستمرار في ممارسة هذه اللعبة أثارمخاوفي، فلكزتها بسبابتي، مرة تلو أخرى، بيد أنها لم تستجب بحيوية كافية.

وبعد نحو خمس دقائق، استبدلت بنظرتهاالحذرة نظرة أخرى، جامدة، وتحول لونهاالبرتقالي، المخطط بالأسود، الى علامةعلى السكون المطلق، بعدما كان يمنحهامنظر نمر سيبيري.

هذه المرة الوحيدة التي أراقب فيها كائناحيا يحتضر. وأعترف بأنني لم أسلم بهذهالحقيقة سريعا، إذ لم يزايلني الأمل فيالساعتين اللتين أعقبتا السكون المرعبالذي خيم على الحوض الزجاجي، بعدمااستحال مقبرة جماعية، في رؤية زعانفهاوقدانبعثت فيها الحياة، وعاودت الاهتزازمجددا، كما لو كان موتها مجرد مزحة ثقيلة.

ولكن هذا كان مجرد وهم.

بعد مرور أيام على هذه الحادثة، نظرت الىالحوض الفارغ، فانبثقت من العدم أسماكحية، ملونة، وراحت تسبح في مخيلتي.

صورةكلما اتصل بي صديق أو قريب لي، ليخبرنيبأن فلانا أعطاني عمره، انبثقت فيمخيلتي صورة فلان، هذا، وهو يضحك، أويمشي، أو يأكل، أو يروي نكتة، كأن هولالموت لا يقاس إلا بالصور الأكثر حياةللميت.

وفي مقابل الصورة التي يرسمها المتصل، بصوته المتلجلج، وهو يحدثني عن الفقيد، يتملكني شعور عارم بالخوف من أن يكونوجودي الوحيد المتبقي في هذا العالم، هوفي مخيلة شخص آخر.

ربما يكون هذا أحد أولئك الذين تلتقيهموتفارقهم في شطر من حياتك، كأنهم مجردأطياف ودودة. إذا كان كذلك، فقد يتذكرنيفي عصرية رائقة، وأنا أكتب أو أقرأ علىشرفة مقهى، كما هي عادتي. أما إذا كان أحدأصدقائي اليوميين، فستتزاحم صوركثيرة لي في مخيلته، لا أعرف على أي منهاسيقع اسمي ميتا.

ومن يدري، فقد يستعيد صورة لي، أو مشهداما، في يوم لم يعد له أثر في ذاكرتي.

ذاكرةتلقيت هاتفا من صديق لي، ربطتني به ذكرياتتعود الى أيام الدراسة. قال فيه إنهيرغب بشدة في رؤيتي، فأكدت له ـ من دون أنأعني ذلك فعلا- أنني أشاطره الرغبةذاتها. وقال إنه سيكون عليّ، إذا قررتزيارته قريبا، أن أتوجه الى مستشفى كذاغرفة رقم كذا.- خير؟

سألته متظاهرا بالقلق، فأخبرني بأنهيعاني من التهابات في الصدر. وبالغت فيتصنع الرقة وهو يحدثني عن نوبات الألمالتي تعاوده ليلا.- أنت لا تهتم بنفسك يا صاحبي.

قلت لسماعة الهاتف، ثم زفرت ‘آهة’ مموجة.

وخطر لي أنني أيضا أبالغ في تصنعالاهتمام.- لا تقلق. أنا معتاد على هذا النوع منالآلام.

أجابني.

لم أكن قلقا، ولم أنو زيارته كما قلت، لأنني لم أكن أعتبر صداقتنا أعمق كثيرامن آهتي الهاتفية تلك. وإذا كانت صداقتيمعه قد استمرت كل هذه السنوات، فلأنهناك من يعتقد بأن الذكريات سبب كاف حتىيكون جزءا من حياتك الى الأبد. ولهذافهو لا يتردد في مهاتفتك للسؤال عنأحوالك، والثرثرة معك، أو لإعلامك بأنهيرغبفي زيارتك، وليس مهما إذا لم تكن أنتراغبا في ذلك. عليك فقط أن تبدي اهتمامابما يقوله، وتضرب موعدا له. بالنسبة إلي، لم يكن الأمر على تلك الحال.

لقد آمنت دوما بأن العلاقات التيتستحق الاستمرار في الحياة، تحتاج الى مايتجاوز الشرط العاطفي، وأن الأشخاصالذين يبدأون أحاديثهم معك بعبارة: هلتتذكر؟ ينبغي ألا يغادروا مواقعهمالحقيقية في الماضي. أما الاتصالات التيتتلقاها منهم، بمناسبة، وبدون مناسبة، فليست سوى نوع من الاستهلاك العاطفي، لايلتزم بتاريخ انتهاء الصلاحية.

عرفت بعد ذلك، أنه توفي في الليلة التيتحدثنا فيها معا، على سريره في الغرفةكذا. ولم تزايلني ذكرى اتصاله الأخير، وهوممدد على الخط الذي يفصل الموت عنالحياة، إلا بعدما محوت رقم هاتفه منذاكرة هاتفي.** *ذراع موشومةكنت في السادسة عشرة، عندما علمت، ذاتيوم، أن نسرين، قريبتي، تناولت شريط حبوبكاملا. ولكنني لم أدرك أن معنى ذلك هو أنهاكانت تحاول قتل نفسها إلا لاحقا.

ولم يخطر لي، عندما أدركت ذلك، أنها إنماكانت تعاقب أحدهم لأنه قرر أن يهجرها.

كل ما فكرت فيه، في ذلك الوقت، هو أنهاتعتقد بأن الحياة لا تستحق أن تعاش. وقدحفزتني هذه الفكرة على لعب دور الفتى الذيسيضيف إلى عالم قريبتي المحطم مايجعل هواءه جديرا بالنفاذ الى رئتيها.

أيامها، كنت أؤلف قصائد مستوحاة من تجاربمتخيلة، وأكتب في أعلاها:

الى… ؟. وعندمافكرت في نسرين، من تلك الزاوية، أطحتبعلامات الاستفهام، وكتبت ‘الى.. ن’. وفكرت في إطلاق خطوتي الأولى نحو قلبهااليائس من الساحة التي تتجمع فيهاحافلات كوستر اليابانية لتقل طلابالمنطقة الى مدارسهم، لأننا كنا نتوجهالىمدرستين متجاورتين.

يمكنك أن تتخيل الآن فتى في السادسة عشرةمن عمره، يحمل ثلاثة أو أربعة كتبمدرسية مربوطة بحزام مطاطي على ساعده، ويقف في ساحة الباصات، في السابعة صباحا، منتظرا أن تطلّ فتاته من الجانب الآخر منالطريق، مرتدية مريولها المدرسيالأخضر، ومتنكبة حقيبتها.

سيكون عليك أن تلاحظ أنه منح شعره تسريحةجديدة، وأضفى شيئا من اللمعان علىحذائه الـ ‘توب سايدر’ بعدما حكه بربلةساقه طويلا.

عندما وصلت نسرين، كان قد مضى على وقوفيفي ذلك المكان أزيد من ساعة. ولكنها لمتلاحظ وجودي على بعد أمتار منها، لأنها لمتكن من النوع الذي يتلفت كثيرا حوله.

وما إن ركبَت الباص حتى قفزتُ خلفها، واتخذتُ موقعي في المقعد ذاته، الىجوارها، خلف كرسي السائق مباشرة.

وسألتني وهي ترمقني بعينيها المكحلتين، الواسعتين، اللتين ستضيئان في مخيلتيالى الأبد:- ليش عامل بشعرك هيك؟

في هذه اللحظة، استدار نحونا سائق الباص، وهو شاب ثلاثيني يحمل ذراعا موشومة، وطلب مني أن أجلس في مقعد آخر، لأن هذاالمكان مخصص للطالبات. ولكن نسرينطمأنته قائلة إنني قريبها، ثم استخرجتشريطا لعبدالحليم حافظ من جيب حقيبتهاالمدرسية، وطلبت مني أن أعطيه له، ففعلت.

وضع السائق الشريط في آلة التسجيل وهويضبط جلسته، من دون أن يزيح عينيه عنمرآته. وخلال دقائق، قال المغني كل ما كنتأفكر فيه.

تصغرني نسرين بعام واحد. وهو أمر أتاح ليسؤالها مرات عدة عن القصائد الموجودةفي كتبها، وشرح الأبيات التي ما زلتأحفظها لها، بشيء مما يميز الشخص الذييعرفما يتحدث عنه. وكانت تستقبل ما أقوله لهابرضى وسعادة غامرين.

وخلال أسابيع قليلة، استحالت سلسلةالمقابلات الصباحية، مواعيد مبرمة. وبسببمنانضباط لقاءاتنا، كنا نركب الحافلة ذاتهايوميا، ونجلس في الكرسي الذي جلسنافيه أول مرة. وقد تحدثنا خلال ذلك في كلشيء تقريبا. ولم يتبق سوى أن نصبححبيبين يتبادلان رسائل الحب المكتوبةبأقلام الحبر الجاف.

ولذا، فقد عزمت، ذات صباح، على مصارحتهابالحب. ووجدتني أرتجف وأنا أتخيلملامحها وقد انبسطت تعبيرا عن الشعوربالرضا، لأنني لم أكن أعرف ما سيكون عليفعله بعد ذلك. أخذنا موقعنا اليومي ذاته، خلف كرسيالسائق، وما إن تحرك الباص حتى وجدتنيأطلعها على سر قلبي. وفيما كنت أنتظر منهاإجابة، تنهدت بصمت، وأخذت ترمقنيبعينيها المكحلتين، الواسعتين، اللتينستضيئان في مخيلتي الى الأبد.

وفي مساء اليوم ذاته، ابتلعتُ أربع حباتأسبرين، وألقيتُ الأربع المتبقية منالشريط عِبر نافذة المرحاض، وأنا أنتحب.

سولفاناكنا أنا ونعيم وفتى ثالث أطلق على نفسهاسم أومو، ننتظر مغيب الشمس، حتى نتسلقمعا جدران منازل في الجانب الآخر من سكةالحديد، التي تشطر عوجان نصفين، ثمنستلقي على بطوننا، ونتلصص عبر النوافذالمضاءة في الجهة المقابلة، مكورينأصابع أيدينا كالمناظير.

كنا نستغرق في تأمل فتاة تقرأ في كتاب، أوتشاهد التلفزيون، من دون أن نكونواثقين تماما، من أن ما نشاهده هو فعلافتاة، وأنها تقرأ في كتاب، أو تشاهدالتلفزيون. وعندما تطفأ النافذة، وتستحيل كتلةكثيفة من السواد، كنا ننتقل الى نافذةأخرى، ونواصل التحديق فيها.

وفيما بعد، بدأ كل منا يبحث عن نافذتهويستلقي في مواجهتها، مثل جندي متمترس، الى أن تحين الفرصة المناسبة، فيطلقرصاصاته الحليبية، ثم نحزم سحاباتبناطيلنا، ونلتقي في مكان محدد، لنشقطريقنا معا مجتازين سكة الحديد في ساعاتالنهار الأولى فيما يروي لنا أومو ماشاهده بالتفصيل، كأنه جزء منه.

كان يرتدي نظارة من العظم ذات ذراعينمقيدين من نهايتيهما خلف جمجمته بخيط منالنوع الذي يستخدم لحزم الأحذية، ويقفزأمامنا مقلدا الفتاة التي ضبط عينيهعليها طوال ساعات، وهي تقترب منه وتهمس لهقائلة: ‘أومو، حبيبي، لماذا لا تأتيكل يوم.. أنا وحيدة هنا، تعال لأداعبكبأصابعي هكذا.. تعال لأحيطك بذراعيّ، هكذا، وأعضك هكذا. تعال أومو، تعااال’، فيجيبها هو بصوته المفخم: ‘طيب. اصعديالى السطح، وسألحق بك حالا’. بعد ذلك، يقفز أمامنا كأنه يقفز من سطحمنزل الى آخر، فيقاطعه نعيم راجيا منهأن يطلب من حبيبته اصطحاب صديقاتها فيالمرة المقبلة، إذا كان ذلك ممكنا، فيهزأومو رأسه علامة على الإيجاب، من دون أنيلقي بالا لنبرة السخرية التي تغلفكلمات نعيم، ثم يواصل عرضه المسرحيبالجدية ذاتها.

النافذة التي اخترتها لنفسي صغيرة، مقارنة بالنافذة التي حصل عليها نعيم، أوتلك التي عثر عليها أومو على بعد أربعةمنازل. وقد علمت بعد بضعة أشهر، أنهاتخص طبيبا مقعدا، ترعاه فتاة تدعى فيروز.

وكانت فيروز بدورها مصابة بمرض لاأعرف اسمه، يصعقها بنوبات برد قارسة، ويملأ فمها بسائل كثيف، كريمي اللون.

ويبدو أن الطبيب قد توصل الى صفقة تسمح لهبالاحتفاظ بالفتاة، بسبب حاجتهاالمستمرة الى رعايته لها، كما كان هو نفسهمحتاجا الى رعايتها له.

علمت ذلك مصادفة، فقد مرضت شقيقتيالصغرى، وديعة، ذات يوم، حتى عجزت عنالوقوفعلى قدميها، فساعدت والدي على حملها إلىبيت الطبيب، في الجانب الآخر من سكةالحديد.

وبينما كنا نقترب من المنزل، أخذت أتأملزاوية أومو الليلية، لأتمكن من مراقبةفتاته في ضوء النهار. ولكن النافذة كانتمغلقة، فنقلت عيني مسافة أربعة منازلإلى الزاوية التي اخترتها لنفسي، ثماكتشفت أننا نتجه إليها مباشرة. وراودتنيمخاوف من أن يكون صاحب البيت قد عرف هويةالفتى الذي يراقبه ليلا. ولكن خطواتوالدي السريعة، منعتني من الاستطراد فيمخاوفي.

وعندما فتحت امرأة ثلاثينية نحيلة جدا، وقزمة، باب المنزل، وسمحت لنا بالدخول، لم أفكر أبدا في أنها قد تكون فتاتيالليلية. نظرت من فوق كتفي عبر نافذة حجرةالضيوف، إلى الزاوية التي اعتدت أنأشغلها. بدت بعيدة إلى درجة أنني شعرتبالغباء وأنا أتخيل نفسي ممددا هناك، علىبطني، في انتظار رؤية شخص ما يمر خلفالنافذة.

ظهر الطبيب خلال دقائق، مرتديا قميصاأبيض مزررا حتى العنق، وجارا بذراعيهالقويتين الشائبتين، عجلي كرسيهالمدولب، ثم صافح والدي بود، مشيعا جوا منالراحة في المكان. وأثناء ذلك، كانتالمرأة التي فتحت لنا الباب قد حملت علبةسولفانا خضراء، وضيّفتنا منها، ثم نزعتالقشرة المعدنية عن إحدى حباتها، ووضعتها في فم زوجها، وتركت العلبة علىمسند الكنبة.

دفعت القطعة البنية ذات الشكل البيضويتحت لساني مستشعرا سلاسة مذاقها السكريفي فمي الجاف. وكنت أفكر في طريقة للحصولعلى واحدة ثانية عندما علت أناتوديعة، فجأة، وأخذت تعصر خاصرتها بيدهامن الألم، فقاطع الطبيب أناتها طالبامنها أن تستلقي على الكنبة بالوضعية التيتريحها.

وما إن تمددت بالطريقة التي أوحى بها لها، حتى هوت العلبة الخضراء عن مسندالكنبة، وتناثرت حباتها في كل اتجاه، فلكزني والدي بذراعه طالبا مني، بطريقتهالتي لن يتخلى عنها أبدا، أن أجمع الحباتالمتناثرة وأرتبها داخل العلبة مثلماكانت.

تفحص الطبيب لسان مريضته الذي اكتسى بلونبني غامق، ثم سأل المرأة القزمة عنعلبة دواء زرقاء، فأجابته همهمة، وأسرعتلإحضارها.

نظر الطبيب إليها وهي تبتعد، وغمز هامسالوالدي بأن أهل فيروز وافقوا على تركهاعنده بعدما اطمأنوا إلى أنه لن يلوثشرفهم، فانفجر أبي ضاحكا. أما أنا، فقدرحت، من موقعي الأرضي، أتأمل وجه فتاتيالتي عادت إلى مكانها بخطوات سريعة، وتسمّرت خلف كتفي زوجها، وراحت تراقبه، كأنها أرادت أن تعرف كيف يعاملها حينيستغرق جسدها هو الآخر في إحدى نوباته.

كانت قد كبرت خمسة عشر عاما على الأقل، منذ منتصف الليلة الماضية. وجعلها ضوءالنهار أقل جمالا بكثير. ولكنني لم أهتملذلك كثيرا، لأن كل ما كنت أريده، فيتلك اللحظات، هو أن أتمكن من إعادة ترتيبقطع السولفانا داخل العلبة، مثلماكانت.

شاعر من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية