محمود أبو فروة الرجبي الخطاب إذا لم يتصدى لقضية، معناه انه لا يمانع بِها ويوافق عليها ضمنا، أو غصباً. هناك إشكالية حقيقية في تعامل الخطاب الإسلامي مع المرأة، فما دام المسلمون أصلاً يتعاملون بِشكل غير عادل معها، وما زال بعض مِنهم يعدها مجرد ‘شيء’ فإن هذا الأمر انعكس على الخطاب نفسه، وجعله غير قادر على التعامل معها بإيجابية. لن ندخل في موضوع هل الخطاب انعكاس لحياة الناس، أم انه يجِب ان يكون متقدماً عليها، بل ويعمل على تغييرها، فهذه بديهية، ولكِن في الخطاب الإسلامي هناك خوف من قبل صانعي الخطاب الإسلامي من رجل الشارِع العادي، وهناك تخوفات من التطرق لموضوع المرأة خوفاً من الاتهامات التِي توجه لأي شخص يتصدى للدفاع عنها، فبعض الناس يعدونها من باب الخيانات. أتذكر في هذا المقام أنني استضفت عالم دين كبِيرا، وزوجته على برنامج خاص في حياة FM في الأردن ـ الشخص نفسه أصبح وزيراً فِيما بعد-، وقال ذلِك العالم انه يساعِد زوجته في المطبخ، وهو يعرف جيداً حقوق المرأة في الإسلام ففوجئت بالرسائل القصيرة تهاجمني، وتتهمني بِأننِي أقوم بتوعية المرأة بحقوقها، وهذا يعنِي أن (عينها) ستقوى، وستبدأ بالمطالبة بحقوقها. والأغرب من ذلِك، وانني في برنامج لي على إحدى الفضائيات العربية، دافعت عن بعض حقوق المرأة التِي يحاول البعض ثنيها عن المطالبة بِها، فراح الموظفون في تِلك القناة يوجهون النقد لي، ويتهمونني بِأننِي أدافع عن المرأة التِي أخذت أكثر من حقوقها بألف مرة. على كل، لن ندخل في هذا الموضوع أكثر من اللازم، لكِن، نريد ان نتحدث أكثر عن موضوع قرِيب جداً مِنه، وهو تسليع المرأة في الخطاب الإسلامي. المقصود بتسليع المرأة هو معاملتها على أساس أنها سلعة، أو شيء، وليس إنسانا، وقبل الدخول في الموضوع لا بد أن نسجل لِهذا الخطاب انتقاده الشديد لتسليع المرأة من قبل أهل الفن، والإعلانات، وفِي المسلسلات، والأفلام العربية والأجنبية، وهذا يسجل للخطاب، ولكِن للأسف فإن هذا الخطاب نفسه يغض الطرف تماماً عن تسليع المرأة عندنا نحن المسلمين، بل وينفيها، وإليكم بعض أشكال هذا التسليع. أولاً: التعامل مع المرأة على انها شيء في موضوع الزواج، فهِي مجرد جسد، وشكل، وحِينما يتم ذهاب أي امرأة للخطبة لإبنها فإنها تبحث عن الجمال، وضرورة عدم وجود أي عيب فِيهِا، وإذا حصل وكان هناك أي مشكِلة بسيطة في جسم الفتاة فإن فرصتها في الزواج تقل، بل ويمكِن ان يكون نصيبها في هذِهِ الحالة الزواج من المتزوجين سابقاً، أو كبار السن، وهذا الأمر لا ينطبق على الزوج، وفِي حالة أصر الابن على الزواج من فتاة لديها مثل هذا العيب فإنه يتعرض للنقد، والمحاربة من قبل الأهل، والجيران وربما الأصدقاء. أما المرأة المطلقة، والأرملة، أو التِي تكبر قليلاً دون ان تتزوج، فهِي حسب رأي المجتمع غير صالحة للزواج، فتخيلوا مثلاً امرأة في العِشرين من عمرها ترملت، يكون مصيرها لاحِقاً الزواج من رجل خمسيني في أحسن الأحوال، وحتى لو تقدم لها شاب لم يسبق له الزواج فربما رفض أهلها أيضاً في معظم الأحوال.هذه الأمور تؤذي نفسية كثير من الفتيات، فهن في صراع، لا يستطعن الزواج ممن يردن، وفِي حالات كثِيرة تعانِي فِيهِا بعض الفتيات من الرغبة الجنسية الشديدة، ولا يمكِن لها العيش دون زوج شاب، ولكِن ترملها المبكر، أو طلاقها يؤدي بِها إلى حصر فرص الزواج من كبار السن، وفِي حالة وقعت في الخطأ فإن أحداً لن يرحمها، مع أنها لا تستطِيع الزواج، وليس من خياراتها المتاحة طلب العفة بالزواج، الا في حالات نادرة مرفوضة نوعاً ما اجتِماعِياً، وهذا ليس معناه أننا نبرر لأي كان الخطأ، ولكِن هذا ما يحصل في مجتمعنا. كثير من الفتيات يسمعن جملاً مثل: هذِهِ الفتاة ناقصة لأنها ذات بشرة داكنة، أو لأنها تعرضت مثلاً لإحتراق بسيط في يدها، أو رجلها، ومع عملية الكشف الحسي الذِي تقوم بِهِ الأم عادة، فإنها تعطِي تقريراً يقلل من فرصة هذِهِ الفتاة بالزواج، وكأنها سلعة لا أكثر ولا أقل. الخطاب الإسلامي لا ينتقد هذا الأمر بل هو يساهِم في تسليع المرأة من خِلال حث أئمة المساجد على الزواج من الفتاة الصغِيرة البكر، لما جاء في الحديث النبوي الصحيح: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم.وهذا الحديث له ظروفه، وصيغته لا تدل على الوجوب، ولكِن العقل المسلم الذكوري ـ بِشكل عام – يميل إلى الانتقائية في الشريعة بِما يلائم شهواته، ورغباته، وخاصة الجنسية مِنها، فكم نسمع من يقول إنه يرِيد ان يتزوج على زوجته لتطبيق السنة النبوية الشريفة، وهذا الحماس الشديد في تطبيق السنة لا يكون الا في هذا الأمر، ويبدو ان للرغبة الجنسية ـ عند البعض- دخل في ترجيح هذا الأمر على غيره، مع اقرارنا ان تكرار الزواج ليس سنة. والمعروف ان التعامل مع أي نص يراعي الظروف والزمان، وللأسف فإننا لم نسمع من أي عالم دين تصحيح لمفهوم هذا الحديث، فمع انتشار التعليم، وارتفاع سن الزواج، فمن يتصدى للعزوبية عند المرأة، ومِن يدعو الشباب إلى الزواج من الفتيات سواء كانت كبِيرة، أو صغِيرة في السن، كي نساعد على صون عفة الجمِيع، فما دام الشاب يستطِيع الزواج في أي وقت يرِيد، فماذا تفعل الفتاة، ومع هذِهِ الميزة الراجعة إلى طبيعة المجتمعات العربية أكثر مِنها إلى الدين، فإن الناس لا ترحم الفتاة المخطئة، بل نادِراً ما يتم إدانة رجل بأي فعل، فهو منزه عن الخطأ وان وقع في الخطأ. ولِلحدِيثِ بقية فهناك أمثلة كثِيرة في الخطاب، بل وفِي الفقه ـ الذِي هو أصلاً جهد بشري في فهم النصوص البشرية- تسلع المرأة بِشكلٍ بشع.’ اعلامي أردني