«تسونامي ترامب»: عودة مستحيلة إلى ما قبل 7 أكتوبر وضبابية «اليوم التالي»

رلى موفّق
حجم الخط
2

تسير الرياح بما لا تشتهي سفن «محور إيران». عودة دونالد ترامب إلى «البيت الأبيض» ليس بالخبر السار. هو الرئيس الذي ألغى الاتفاق النووي الإيراني ومارس «سياسة الضغط الأقصى» في فرض العقوبات على إيران، وهو قاتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري، الذي لعب دوراً أساسياً في تمدد النفوذ الإيراني خارج حدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبْر أذرع عسكرية امتدت من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة، وبُنيت في غالبيتها على أُسس عقائدية دينية.
كان «المحور» ليشعر بارتياح أكبر لو فاز الديمقراطيون بولاية ثانية من أربع سنوات مقبلة. فإيران خبرت التعاطي مع الإدارات الديمقراطية. وزمن باراك أوباما المعجب بذكاء وحكمة القيادة الإيرانية، كان زمن «الصفقة التاريخية» التي وصفها حينها «منظرو المحور» بأنها إقرار بنفوذ طهران في المنطقة مقابل التخلي عن النووي لأغراض عسكرية.
فالنفوذ الإقليمي المتمثل بالأذرع العسكرية يشكل الحماية للنظام الديني. وأقوى الأذرع وأقدمها وأكثرها التصاقاً عقائدياً وفعالية هي «حزب الله» الذي يخوض حرباً شرسة مع إسرائيل على جبهتها الشمالية من جنوب لبنان، بدأها كـ»حرب إسناد» لغزة في اليوم التالي من «عملية طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي نفذتها حركة «حماس» ضد إسرائيل. أراد «حزب الله» أن تكون تلك الحرب التي هجّرت سكان مستوطنات الشمال مضبوطة ضمن سقف «قواعد الاشتباك» وربط وقفها بوقف إطلاق النار في غزة، قبل أن يحوّلها بنيامين نتنياهو حرباً مفتوحة على «الحزب» استهدفت منظومة القيادة والسيطرة وشبكة الاتصالات وقياداته من أعلى الهرم إلى أسفله في غضون أيام، وأتبعها بعملية برية وهجوم لسلاح الجو ما زالا مستمرين بقوة.
هذا باختصار هو مشهد لبنان. اخترق الجيش الإسرائيلي بفرقه وألويته الحدود الجنوبية للبنان، ورغم ما واجهه من شراسة المواجهة مع شباب «المقاومة الإسلامية في لبنان» من فرقة الرضوان – قوات النخبة في «حزب الله» ـ الذين يرابطون على الحافة الأمامية في المواقع والأنفاق، فإن الآلة العسكرية الإسرائيلية، اخترقت الحدود، ودمرت 37 قرية وبلدة حدودية وفجّرت الأنفاق في عمق ما يزيد على 3 كلم في الداخل الجنوبي، منجزة بذلك ما تقول إنه هدف أول بخلق شريط عازل خال من السكان والحركة، بما يمنع إمكانية تكرار عملية مشابهة لـ«7 أكتوبر» من جنوب لبنان تجاه مستوطنات الشمال الواقعة على مرمى حجر من الحدود اللبنانية. أما الهجمات الجوية، فتتواصل بوتيرة مرتفعة مستهدفة مواقع ومخازن وأهداف عسكرية ومالية ومقرّات ومنازل وقيادات «الحزب» على مساحة لبنان، وإن كان التركيز الفعلي على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث معاقل نفوذ «حزب الله» وبيئته الحاضنة، لكنها في واقع الأمر المناطق الجغرافية الرئيسية لتواجد الشيعة عموماً في لبنان على مختلف مشاربهم السياسية، من مؤيدين ومعارضين ومستقلين وأناس لا يدورون في فلك السياسة، بل هم مواطنون متجذرون في أرضهم وهويتهم لبنان، ويدفعون ثمن مشاريع سياسية وعقائدية وأجندات إقليمية حوّلتهم وقوداً لها.

عمليات في العمق الإسرائيلي

يرى المراقبون أنه ليس أمام «حزب الله» ومن خلفه إيران، في الوقت المستقطع قبل استلام ترامب سوى الميدان على ما أكده أمين عام «حزب الله» الجديد نعيم قاسم في كلمة مسجلة في أربعينية الأمين العام السابق لـ«الحزب» السيد حسن نصرالله، حيث ستتركز العمليات على الحدود ضد تجمعات الجنود الإسرائيليين وفي العمق الإسرائيلي الذي سيُستهدف بالصواريخ والمسيّرات من أجل أن «تصرخ» إسرائيل حسب قاسم الذي يريد من نتنياهو أن يستجدي وقفاً لإطلاق النار. لا أوهام لدى العارفين من أن الحرس الثوري حاضر في قيادة عمليات «حزب الله» بعدما أشرف على إعادة تركيب هيكلته التنظيمية التي تلقّت ضربة قاصمة بعد اغتيال أمين عام «الحزب» السيد حسن نصرالله وقيادات عسكرية وميدانية، ما استدعى التدخل الفوري للحرس الثوري لحصر الخسائر ودفع الحزب إلى استعادة حيّز من توازنه.
سيزداد الضغط على إيران وأذرعها في المنطقة بعد فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية. ليس لدى ترامب أي مصلحة في تغيير النظام في إيران، لكنه سيسعى إلى عزله وإضعافه، حسب ما يقوله ممثله لشؤون إيران في إدارته السابقة برايان هوك. فسيد «البيت الأبيض» القديم – الجديد على اقتناع بأن «السبب لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط اليوم هو النظام الإيراني». ما سيقوم به فور استلامه مهامه في العشرين من كانون الثاني/يناير 2025 هو العودة إلى إحياء استراتيجيته السابقة باعتماد سياسة «الضغط الأقصى» في العقوبات على إيران لدفعها إلى مفاوضات حول الملف النووي والصواريخ البالستية والمسيّرات والنفوذ، أو الدور الذي عليه أن يكون بنّاء وهادفاً نحو السلام لرفع العقوبات عنها وإعادة دمجها في النظام الدولي. كان ينقص نظام طهران أن تكشف وزارة العدل الأمريكية عن تفاصيل مؤامرة إيرانية لاغتيال ترامب قبل الانتخابات الرئاسية، كي يرتفع منسوب التحديات أمامها في المرحلة المقبلة.
على أن ترتيب المنطقة مع مجيء ترامب يُعزز إمكانية ألا تكون التسويات أو الترتيبات المقبلة على حساب حلفاء أمريكا من الدول الخليجية والعربية ومن ضمنها لبنان. هكذا تبدو الآمال لدى قوى سياسية لبنانية مناهضة لـ«محور إيران» لكنها تحتاج لأن يكون هناك تصوّر واضح حول «اليوم التالي». فإذا كانت هناك من حركة سياسية عربية – إسلامية خلف تحقيق «حل الدولتين» لإيجاد سبل تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ربما تأتي ثمارها إيجاباً، فإن «اليوم التالي» في لبنان ما زال ضبابياً وغير واضح المعالم على الرغم من اعتقاد البعض بأن القرار الدولي 1701 يشكّل منطلقاً لأي مفاوضات مقبلة يوم يتم الوصول إلى وقف لإطلاق النار. ما هو أكيد أن لا عودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية