تسييس لقاحات كورونا ومباراة التعافي الاقتصادي العالمي

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

بصيص من الأمل ينعش احتمالات التعافي الاقتصادي العالمي مع إجازة استخدام عدد من لقاحات فيروس كورونا في الحالات الحرجة والطوارئ. لكن هذا البصيص قد يخلق حالة من الاطمئنان الكاذب تؤدي إلى تدهور حاد في نتائج محاولات السيطرة على كوفيد-19 بعد اقتراب عدد المصابين الجدد من 750 ألف شخص يوميا، وعدد الوفيات لما يقرب من 15 ألفا يوميا أكثر من ثلثهم في الولايات المتحدة. حالة الاطمئنان الكاذب يمكن أن تغذيها أربعة أسباب رئيسية، الأول اقتراب أعياد الميلاد واحتفالات رأس السنة الميلادية التي يسيطر عليها بالضرورة نمط من السلوك الاجتماعي يتعارض مع التزام إجراءات احترازية للحد من مخاطر انتشار الفيروس. الخطر الثاني هو قدرة الفيروس على التحور واحتمالات ظهور سلالات جديدة أشد فتكا وأكثر قوة في مواجهة اللقاحات التي تمت إجازتها حتى الآن. أما الثالث فيتمثل في الشكوك التي ما تزال تحيط بنتائج استخدام بعض اللقاحات وطبيعة الآثار الجانبية التي يمكن أن يتعرض لها الشخص بسبب التطعيم. إن حالة وفاة واحدة أو ظهور أعراض جانبية قوية يمكن أن يؤدي إلى وقف أو إبطاء برامج التطعيم عالميا، ويضع الاقتصاد من جديد تحت مقصلة الإغلاق الجزئي أو الكلى. الخطر الرابع الذي يهدد احتمالات التعافي يتمثل في قصور ترتيبات توزيع اللقاحات على المستوى العالمي حتى تصل إلى الأكثر احتياجا أولا، وليس الأكثر قدرة على دفع المقابل.
ومع أن بعض الدول مثل الصين والسعودية ومصر قررت إتاحة اللقاحات للحالات الحرجة والطارئة، وللعاملين في قطاع الرعاية الصحية، فإن عملية تمويل وتوزيع اللقاحات على المستوى العالمي تعاني حتى الآن من فجوة تبلغ حوالي 28 مليار دولار على الأقل، تحاول منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع دول ومؤسسات دولية التغلب عليها. وهناك مبادرات لتقديم العون إلى الدول الأشد احتياجا لتمكينها من الحصول على اللقاحات، تقوم بها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وإقليمية مثل بنك التنمية الآسيوي، لكن نطاق التغطية الذي تشمله هذه المبادرات ما يزال أقل بكثير من الاحتياجات المطلوبة لتمويل إتاحة وتوزيع اللقاحات على المستوى العالمي للدول والجماعات الأكثر احتياجا. هذه المخاطر الأربعة؛ من شأنها أن تؤثر سلبيا على احتمالات التعافي الاقتصادي والتخلص من تداعيات الإغلاق الوقائي والاحترازي الذي تسبب في خسائر حادة للاقتصاد العالمي ودفع به إلى هاوية سحيقة هي الأخطر منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي.

حدود التعافي أقل من الانكماش

وطبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن إتاحة اللقاحات والأدوية المضادة لفيروس كوفيد-19 يمكن أن يقود الاقتصاد العالمي لنمو قوي في العام المقبل. على سبيل المثال يتوقع الصندوق أن يتعافى الاقتصاد الأمريكي، ويخرج من منطقة الانكماش نهاية العام الحالي ليدخل إلى فضاء النمو القوي في العام المقبل. وطبقا للتقديرات الأخيرة الصادرة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأمريكي في العام المقبل بمعدل 3.1 في المئة بعد انكماش بنسبة أكبر تبلغ 4.3 في المئة في العام الحالي. لكن هذا يعني انه لن يستطيع في العام المقبل أن يعود إلى ما كان عليه في عام 2019 برغم التعافي المتوقع.
ومع ذلك فإن الاقتصاد الأمريكي قد لا يستطيع عمليا تحقيق النسبة المتوقعة من النمو للعام المقبل، بسبب اتساع نطاق الإصابة بفيروس كورونا المستجد أكثر من أي مكان في العالم، وعدم وجود استراتيجية واضحة لمكافحة الفيروس. وقد تجاوز عدد الوفيات بسبب كورونا في يوم واحد في منتصف الشهر الحالي عدد الضحايا الذين راحوا في أحداث 11 ايلول/سبتمبر (أكثر من ثلاثة آلاف شخص). وتستحوذ الولايات المتحدة والهند والبرازيل وحدها على ما يقرب من نصف الإصابات بالفيروس في العالم أجمع، وما يقرب من ثلث عدد الوفيات، وهو ما يجعل من مكافحة الفيروس في الدول الثلاث تحديا كبيرا في وجه آمال التعافي على المستوى العالمي نظرا لأهمية أسواقها، خصوصا وأن المناطق الاشد إصابة في هذه الدول هي الأقل قدرة من الناحية المادية على تمويل الحصول على اللقاحات المطلوبة، لتحقيق الشرط الأولي للتعافي بوقاية الاقتصاد من تداعيات الإغلاق الكلي أو الجزئي في سياق الحرب على الفيروس.
ويقدر صندوق النقد الدولي ان اقتصاد الهند يمكن أن ينمو بمعدل 8.8 في المئة في العام المقبل بعد انكماش حاد بنسبة 10.3 في العام الحالي، وهو ما يتفق مع حالة الولايات المتحدة، حيث تقل توقعات النمو عن الانكماش الفعلي في العام الحالي. وفي هذا السياق فإن الصندوق يقدر أن قوة النمو في الهند ستتجاوز قدرة الصين، التي من المتوقع أن تحقق نموا بنسبة 8.2 في المئة فقط في العام المقبل. لكن الصين على العكس من الدول النامية والصناعية الجديدة استطاعت أن تنجو هذا العام من الوقوع في براثن الانكماش الاقتصادي، وربما تحقق معدلا للنمو في نهاية العام الحالي يتجاوز 2 في المئة وهو يفوق توقعات الصندوق بنمو بنسبة 1.9 في المئة. وتظهر مؤشرات نمو قطاعات الصناعات التحويلية والتصدير والطلب الإستهلاكي المحلي خلال الربع الثالث من العام الحالي اندفاعة كبيرة تفوق كل التوقعات، وهو ما يمنح الصين أملا كبيرا في تحقيق نمو قوي أيضا في العام المقبل بالاعتماد على ثلاثة عوامل رئيسية؛ الأول هو انها نجحت في وضع فيروس كورونا المستجد داخل حيز السيطرة اعتبارا من منتصف اذار/مارس الماضي، في الوقت الذي كانت فيه معظم دول العالم قد بدأت في تطبيق إجراءات الإغلاق الكلي أو الجزئي. الثاني أن الصين تمكنت من زيادة قدرتها التصديرية على الرغم من كل الصعوبات التي كانت تواجهها في الأسواق الخارجية، وحققت معدلات مرتفعة الصادرات خصوصا في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا. أما العامل الثالث فهو ان الصين تعتمد الآن على سياسة اقتصادية جديدة تتجه إلى دفع الاقتصاد على مسار النمو بـ “قوة دفع ثنائية” أو “مزدوجة” تشمل الاعتماد على السوق المحلي وعلى التصدير في آن واحد، ويتم تلبية احتياجات هذا النمط من النمو بقوة الدفع الثنائية من خلال التوسع في إنتاج السلع ذات القيمة المضافة العالية، وتلبية احتياجات الطلب للطبقة المتوسطة الجديدة في الصين الذي يعادل عددها تعداد السكان في الاتحاد الأوروبي وأكثر من عدد السكان في الولايات المتحدة، أو ما يبلغ حوالي 400 مليون شخص.

التعافي في الشرق الأوسط

أما في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فإن توفير اللقاحات محليا لن يترك تأثيرا كبيرا على محركات النمو الاقتصادي، لأن النمو هناك يعتمد على قوة التعافي في الأسواق الخارجية، وعلى مدى الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة ككل. وقد أعلن عدد من دول المنطقة خصوصا في الخليج ومصر والأردن وفلسطين خططا للبدء في تطعيم الجماعات الأكثر احتياجا ضد فيروس كوفيد-19 خصوصا كبار السن والعاملين في قطاع الرعاية الصحية وفي مقدمتهم من يعملون في مستشفيات العزل ورعاية المصابين بفيروس كورونا المستجد. ومع ذلك فإن الخطط المعلنة حتى الآن تعاني من قصور شديد في تمويل الاحتياجات، خصوصا في بلدان تعاني من قيود مالية مثل مصر والأردن. وهناك دول لم تعلن بعد خططا واضحة لتمويل شراء كميات كافية من اللقاحات رغم كونها تعاني من شدة الإصابة وارتفاع نسبة الوفيات مثل العراق، أكثر الدول العربية إصابة. وربما يتجه العراق إلى استيراد لقاحات بشروط ميسرة من كل من روسيا “سبوتنيك-في” والصين “سينوفارم”. وقد بلغ عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في العراق حتى منتصف الشهر الحالي ما يقرب من 600 الف مصاب و 13 ألف حالة وفاة طبقا للأرقام الرسمية. وسوف يحتاج العراق، كما هو الحال في مصر والأردن والجزائر إلى كميات كبيرة من اللقاحات، وإلى توفير التسهيلات اللوجستية الضرورية لضمان سلامة التوزيع، حيث انه من الضروري تخزين ونقل اللقاحات بواسطة وسائل نقل مجهزة لحفظ اللقاحات في درجة 70 درجة مئوية تحت الصفر، وإلا فإنها تفسد وتفقد فاعليتها.
الدول العربية الغنية لن تواجه مشكلات في استيراد اللقاحات من المصادر المختلفة، وتخزينها وتوزيعها بطريقة آمنة، ومجانا، ومن المتوقع أن تبدأ برامج التطعيم في الدول العربية قبل نهاية العام الحالي، لكن ذلك لن يقود حتما إلى دخول اقتصادات هذه الدول إلى مرحلة التعافي، لأن أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي في الدول الخليجية النفطية يعتمد على أسعار النفط في العالم، وتحسن الطلب. ومع أن أسعار النفط قفزت مع انتعاش آمال التعافي بفضل توفر لقاحات كورونا، ليتجاوز سعر خام برنت 50 دولارا للبرميل، فإن الطلب العالمي على النفط ما يزال هشا حتى الآن، وقد تلجأ أوبك بدافع قوة الطمأنينة الكاذبة، إلى زيادة إنتاجها والتوقف عن التخفيضات الطوعية في الإنتاج لغرض الاستفادة من تحسن الطلب. وفي هذه الحالة فإن الأسعار قد تتراجع مما يضر بحصيلة الصادرات. وسوف يظل استمرار تنسيق كميات الإنتاج بين دول أوبك وحلفائها عاملا أساسيا من عوامل توازن السوق خلال العام المقبل.
ويجب أن نضع في الاعتبار أن عددا من الدول المستهلكة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد استفادت من انهيار أسعار النفط خلال الربع الثاني من العام الحالي بتخزين كميات كبيرة من النفط الخام والغاز المسال، وهو ما سيشكل عامل ضغط على الأسعار في السوق حتى الربع الأول من العام المقبل على الاقل.
أما في الدول العربية التي تعتمد في نموها على تحويلات العاملين وايرادات السياحة والخدمات اللوجيستية مثل مصر والأردن والمغرب ولبنان، فإنها ما تزال تعاني من قصور خطط إتاحة وتوزيع لقاحات كورونا، ناهيك عن التكلفة التي سيتحملها المواطنون الذين يعانون بالفعل من ارتفاع تكلفة إجراء المسحات للتعرف على الإصابة بالفيروس. وليس من المنطقي تصديق ان تلك الدول ستتيح اللقاح مجانا للمواطنين، بينما هي تتركهم عرايا تماما وجها لوجه أمام الفيروس بدون أي إجراءات حماية. كذلك فإن احتمالات التعافي بالاعتماد على السياحة وتحويلات العاملين تحوطها شكوك قوية في الوقت الحالي. ومن المرجح أن هذه الدول قد خسرت بالفعل موسم السياحة الأكبر في العام خلال فترة الكريسماس ورأس السنة، وستلجأ إلى محاولة تعويض ذلك بتنشيط السياحة الداخلية، لكن الإيرادات الناتجة عن ذلك ستكون محدودة.
وفي حالة مصر على وجه الخصوص فإن النصف الاول من السنة المالية الحالية ما يزال يحمل بصمات تداعيات كورونا الاقتصادية، سواء من حيث ضعف النشاط الاقتصادي أو انخفاض فرص التصدير وتراجع الاستثمارات الأجنبية. ولذلك فإن مؤشرات النمو للسنة المالية 2020/2021 لن تجيئ كما تتوقع الحكومة؛ ففي أفضل الأحوال سينمو الاقتصاد بمعدل سنوي يبلغ 3 في المئة، وهو ما يعادل ما يقرب من نصف المعدل الذي تتوقعه وزارة المالية.

قيود التمويل

استطاعت دول العالم تمويل حزم تحفيز النشاط الاقتصادي لمواجهة تداعيات كورونا بالاعتماد على الإقتراض الداخلي والخارجي. ويقدر صندوق النقد الدولي تكلفة حزم التمويل في الدول الصناعية المتقدمة بما يقرب من 12 تريليون دولار، وهو مبلغ ضخم جدا سيتعين على هذه الدول سداده من مواردها الحقيقية إما عن طريق زيادة الضرائب أو تخفيض الإنفاق الحقيقي. وستشكل قيود تمويل النشاط الاقتصادي في الدول الاشد مديونية أحد أهم التحديات التي ستواجه خطط التعافي الاقتصادي للعام المقبل، خصوصا وأن بعض الدول النامية ثقيلة المديونية سيتعين عليها ان تبدأ في سداد أقساط القروض المستحقة عليها في العام المقبل.
باختصار، سوف يؤدي توفر لقاحات كورونا وتوزيعها على الأكثر احتياجا أولا وليس الأكثر قدرة على الشراء، إلى انتعاش آمال التعافي الاقتصادي على المستوى العالمي. لكن النمو الاقتصادي لن يسير بطريقة نظرية الأواني المستطرقة، وإنما سيتميز بالتفاوت في توزيع ثمار النمو، والتباين في معدلات وقوة النمو في القطاعات المختلفة. على مستوى العالم ككل يتوقع صندوق النقد الدولي ان ينمو الاقتصاد في العام المقبل بنسبة 5.2 في المئة بعد انكماش يبلغ – 4.4 في المئة في العام الحالي. لكن الدول الصناعية تحقق نموا بنسبة أقل تبلغ 3.9 في المئة، بينما الدول الصناعية الصاعدة والنامية مثل الهند والصين ومجموعة آسيان ستحقق نموا بنسب عالية تصل إلى 8 في المئة أو أكثر. أما في دول الشرق الأوسط فإن معدل النمو المتوقع للعام المقبل فيبلغ 3 في المئة في المتوسط، وهو واحد من أقل المعدلات المتوقعة للنمو. وسيتوقف النمو في الدول المصدرة للنفط على أسعار السوق ومدى تقلباتها. أما الدول العربية النامية التي تعتمد في دخلها على السياحة وتحويلات العاملين وايرادات الخدمات اللوجيستية، فإن محركات نموها تعتمد على قوى خارجية بالأساس، ولا تلعب سياستها المحلية إلا دورا ضئيلا جدا في تقرير مستوى النمو وتوزيع ثماره، ومن المشكوك فيه أن تتمكن هذه الدول من توفير الموارد المالية اللازمة لتغطية احتياجاتها من اللقاحات، وسوف ينتظر عدد كبير منها للحصول على اللقاحات عن طريق المعونات الأجنبية المجانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية