تشبث بالحياة ولا تنتحر

حجم الخط
0

تجلي غريزة البقاء في فيلم ‘127 ساعة’: هيفاء أبو النادي’127 ساعة’ فيلم يجسّد غريزة البقاء في أقوى صورها. وهو مقتبس من قصة حقيقية لمتسلق جبال يدعى آرون رالستون عن مذكراته Between a Rock and a Hard Place ومن إخراج داني بويل صاحب فيلم Slumdog Millionaire الذي حقق نجاحاً باهراً وحاز ثماني جوائز أوسكار عام 2009. هذا الفيلم مثال حيّ بقصته الحقيقية على أنّ استحضار القوة من الداخل أمر صعب جدّاً، لكنه ليس مستحيلاً. ففي كل منا قوة تسكننا يمكن لها أن تكون خرافية في مفعولها إن أحسنّا استدعاءها.

تتلخص الحكاية بذهاب آرون رالستون وحده ومن دون أن يخبر أحداً بوجهته في رحلة إلى أخدود بلو جون، فيتعثر ويقع في صدع عميق بين الصخور، وتسقط على يده صخرة كبيرة تجعله عالقاً وغير قادر على الحركة أو الوقوف باعتدال أو حتى الجلوس. فيبقى رهين إقامة جبرية بطعام وماء قليلين وبرد قارس في الليل، وحشرات يراها ويسمع أصواتها ليل نهار، وعدّة رحلته المتواضعة التي حاول من خلالها أن يحسم أمر عزلته القسرية تلك، بالإضافة إلى عقله الذي عمل على استحضاره كثيراً وكاميرته التي استعان بها لرصد وتسجيل ما يحصل، من أجل توثيق محنته في ما لو توفي ووجده أحد ما في يوم من الأيام.

في مثل هذه المآزق يصبح لكل شاردة وواردة وقع مذهل على النفس والروح، فالشمس التي تطلع شيئاً فشيئاً وتنقل دفأها عبر أشعتها ما بين الصخور في أخدود بلو جون العالق فيه آرون رالستون، كفيلة بأن تجعله يفكر عميقاً، وكأنّ كلّ ما حصل جعله يقدّر كل لحظة حياة عاشها سابقاً بصحة وسلام وطمأنينة بين عائلته ورفاقه وأحبته.

الفيلم تحدّ كبير نجح المخرج داني بويل في تحقيقه بحرفية ومهارة عالية، حيث تدرج فيه ما بين صعود ونزول في الصدع الصخري الذي علق فيه آرون (الممثل جيمس فرانكو)، وتميّز عن طريق الاستعانة بتقنية split-screens التي أضفت متعة وتشويقاً على فيلم تجري أحداثه كلها تقريباً ما بين آرون وكاميرته مع هواجسه وأفكاره وأحلامه وذكرياته وهلوساته أيضاً. لذلك حاول المخرج أن يبتعد كل البعد عن الرتابة المعهودة في مثل هذا النوع من الأفلام عن طريق تسريع الصورة بطريقة فنية من وإلى الموقع المطلوب في منطقة بلو جون.

وجه الممثل ‘فرانكو’ المعبّر جدّاً وأداؤه الرائع الذي رُشّح عنه لجائزة أوسكار أفضل ممثل عام 2010 ساعد فعلاً في صناعة فيلم قويّ، بالإضافة إلى الموسيقى التي حملت الفيلم عالياً وقللت كثيراً من حجم الرتابة في إيقاعه، فصنعت منه فيلماً ممتعاً إلى أقصى درجة، على الرغم من علوّ صوت المعاناة فيه.

هناك أشياء كثيرة تجعلنا نتشبّث بالحياة حتى اللحظة الأخيرة ونحن في المحكّ. ربما نكون قبل وقوعنا في المحنة نعيش كما لو أن كل شيء منحتنا إياه الحياة أمر مسلّم به، كما لو أنّنا نعيش إلى الأبد. كلنا بحاجة إلى قرصة أذن صغيرة أو كبيرة، كلنا بحاجة إلى الوقوف مع الذات طويلاً، تماماً كما وقف آرون مع نفسه بيد عالقة تحت وطأة صخرة عنيدة صماء لا تكفّ عن الضغط عليها ووقف سريان الدم فيها.

تكمن كل الحكاية في فكرة التماثل السريع للشفاء إن أردنا نحن ذلك حقّاً، فالأمر كله مرهون بجزئية التعاطي السليم مع الواقع الذي نحن فيه عالقون. وكأنّ آرون يخبرنا بشكل غير مباشر: تعامل مع الوضع كما هو، ولا تنتحر لكثرة السواد الموجود، كل شيء معدّ سلفاً، تماماً مثل هذه الصخرة التي كانت بانتظاري طوال حياتي حتى هذه اللحظة.

المسألة إذن هي في الاختيار، والبدائل ليست كثيرة بالطبع، إما أن تفكر في طريقة للنجاة، أو أن تفقد بوصلتك ووعيك وعقلك وتستسلم لواقعك الأليم، بانتظار غراب يحوم فوق رأسك كل صباح في الساعة نفسها يتمنى موتك لتكون وجبته الشهية! فالأمر كله يدور في عقلك وحده، وفي طريقة تعاملك مع الأشياء، رغم أن المنظومة التي تجمع كل البشر واحدة، لكن طرائق تفكيرنا هي التي تختلف، ومن هنا يتحقق البعض، ويفشل البعض الآخر في التحقق.

وعلى أنغام كلمات وألحان أغنية بيل ويذيرز Lovely Day لا يفقد آرون رباطة جأشه رغم قناعته التامة بأن يده قد ماتت كليّاً وأن البرد الذي يقرصه كل ليلة لن يرحمه، وأن ما في حوزته من ماء قد نفد، ولم يبق لديه سوى أن يشرب بوله.

خمسة أيام كاملة قضاها آرون في محنة جعلته يشعل شموعاً كثيرة بدلاً من أن يلعن الظلام وحظه، رغم الارتباك الذي بدا واضحاً ومبرّراً في لحظات صدق كثيرة أمام الكاميرا. قضى تلك الساعات الطويلة في ظروف قاسية لا يمكن لأحد إلا بقوة وقدرة آرون أن يحتملها. حلٌّ أخير يفكر فيه بعد عدة محاولات فشلت في إنقاذ يده العالقة، كأن ينحت الصخرة باستخدام سكين رديئة الصنع، وأن يربط الصخرة من وسطها بحبل مثبت أحد أطرافه ببروز صخرة علوية، أما الطرف الآخر من الحبل فيقبع بين يد آرون اليسرى وقدميه، ويظل يشدّ في محاولة زحزحة الصخرة ولكن من دون جدوى، إلى أن يفكر جديّاً في التخلص من يده. بالنسبة له هذا هو الحل الوحيد من أجل البقاء والخروح حيّاً من مأزق الصخرة هذا!

يتسم آرون بالجرأة، والقوة الخارقة التي تملكته من أجل أن يبقى على قيد الحياة بما يتحلى به من أمل جعله يكسر عظم يده ويقطعها. فلا خيار آخر أفضل من ذلك، وكأنه يطبق قاعدة win-win ، فما الفشل إلا فرصة جديدة لتحقيق النجاح.

كاتبة وأكاديمية أردنية / فلسطينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية