كان ـ «القدس العربي»: مثل «قصة زواج» لنوا باوباك، أو «كرامر ضد كرامر» لروبرت بينتون يضعنا فيلم «تشريح سقطة» للمخرجة الفرنسية جوستين ترييه، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته السادسة والسبعين (16 إلى 27 مايو/أيار الجاري) شهودا، أو حكاما على زواج يتداعى.
أسفل منزل غير مكتمل الإنشاء تحيطه الثلوج وسط جبال الألب الفرنسية نرى رجلا ملقى على الأرض دون حراك، بالقرب منه قطرات دماء، ونسمع صياح صبي ينادي بجزع على أمه، لا نعرف ما إذا كان الرجل مغشيا عليه، أم ميتا، ولا نعلم إن كان قد دُفع فسقط، أم اختل توازنه، أم أنه اختار أن يُنهي حياته بالسقوط. الرجل الذي نراه طريحا على الأرض، مؤلف وأستاذ جامعي، أما المشتبه فيه الرئيسي فهو زوجته ساندرا (ساندرا هولر).
ما نشاهده في الفيلم، الذي يدور شق كبير من أحداثه في قاعة المحكمة، ليس فقط محاولة لتحديد ما إذا كان ذلك السقوط قتلا، أم انتحارا، أم سقوطا عارضا، بل إنه محاكمة لهذا الزواج وتشريح للعلاقة بين الزوجين بكل تفاصيلها وملابساتها. إنه زواج يشهد مصاعب جمة، إن لم يكن قد انهار بعد، وتتكشف أمام أعيننا تفاصيل هذه العلاقة، ربما نصل إلى سبب ما حدث للزوج. نمضي نحو ساعتين ونصف الساعة في التنقيب في هذا الزواج، وكشف طبقاته وأسراره.
في قاعة المحكمة لا نسمع شهادة الزوجة فقط، ولا شهادة الابن، بل نستمع إلى تسجيلات صوتية للزوجين، يتجادلان ويتشاجران، ولا يبدو التسجيل الصوتي للشجار أمرا مفتعلا بالمرة، أو حيلة للمخرجة، بل يبدو أمرا منطقيا تماما في سياق هؤلاء الزوجين، فهما روائيان ويستخدمان شجارهما العائلي، كمادة خام أو كمصدر إلهام للحوارات والأحداث في رواياتهما. ندرك مما نسمعه من شهادة الزوجة والتسجيلات الصوتية، إن الغيرة أحد أسباب الخلاف الرئيسية في هذا الزواج. الغيرة جنسية أحيانا، لكنها في المقام الأول غيرة أدبية. يبدو لنا أن الزوج سامويل (سامويل تاييس) يمر بأزمة إبداع، فهو متعثر في كتابة روايته الأحدث، ودفعه الإحباط إلى الإسراف في الشراب. أما ساندرا فهي مؤلفة ناجحة، تلقى أعمالها استحسانا نقديا، وتنتقل بسلاسة من رواية إلى أخرى. يسقط الزوج الكثير من إحباطاته الأدبية على زوجته، بل يتهمها بسرقة الفكرة الرئيسية لأحدث رواياتها من روايته غير المكتملة. أما الصدع الرئيسي في هذا الزواج فهو ما حدث للابن دانيال (ميلو ماشادو غرانر). ولد الابن مبصرا، لكن جراء حادث سيارة تسبب فيه الأب فقد الصبي بصره. وسبّب فقده للبصر إحساسا دائما للأب بالذنب وشعورا لديه بأن زوجته تلومه على ما حل بالصبي. المأساة التي كلفت دانيال بصره ضربت أيضا في عمق العلاقة بين الزوجين، وأحدثت فيها صدوعا كبيرة.

تجد ساندرا نفسها محط اهتمام إعلامي واسع، تحيطها الصحافة وكاميرات التصوير في انتظار نتيجة المحاكمة، فتستعين بفانسان (سوان أرلو) وهو محام بارز وصديق قديم لها. يساعدها فانسان في أن تتأهب لمواجهة المحكمة وأن تدلي بأقوالها دون أن تتورط في ما قد يدينها. لكن الجانب الأكثر إيلاما في الفيلم هو اضطرار دانيال، وهو شاهد رئيسي في القضية، للاستماع إلى تفاصيل الخلاف بين أمه وأبيه تذاع علنا في المحكمة، واضطراره لمعرفة أن الحادث الذي أودى ببصره كان سببا رئيسيا لإحداث شروخ وصدوع في العلاقة بين أبويه.. فقد الصبي والده وبصره، وكم من المؤلم أن نرى ثقته تتزعزع في أمه، أو أن نراه يلوم نفسه على تدهور والده ومعاقرته الخمر.
ساندرا هولر، في دور الزوجة ساندرا، هي من يمنح الفيلم تأثيره النفسي والعاطفي الطاغي علينا. هي جوهر الفيلم وجوهر هذا الزواج، لكننا لا نراها ملاكا على الإطلاق، نسمع لصوتها الهادئ وهي تروي من وجهة نظرها ما اعتبره سامويل خيانة زوجية. نستمع لرؤيتها لما وصفه الزوج في تسجيله الصوتي بأنه سرقة أدبية، نستمع إلى ساندرا ونصدقها، لكن تصديقنا لها قد لا يعني أنها تقول الحقيقة، فربما هي متحدثة هادئة مقنعة فحسب، لا وقائع ملموسة، وما علينا فعله هو أن نحاول أن نتحرى الحقيقة.
تضع ترييه الصورة أمامنا وتكشف لنا تفاصيل وأسرار هذا الزواج، هي لا تلقي باللائمة على طرف دون آخر، لكنها تتركنا شهودا متفكرين، نحاول، كما تحاول المحكمة، اتخاذ قرار عادل. لا يحاول الفيلم إثبات وجهة نظر دون أخرى، بل يبقى محايدا، ويتركنا لاتخاذ قرارنا بناء على المعطيات المطروحة.