تشكيلي ليبي يستلهم ايقاع الهوية عمر جهان.. تجليات الياقوتة الحمراء

حجم الخط
0

عبد السلام أبو خزام

عندما نقف علي عمل لعمر جهان نحن ـ إذن ـ أمام (نص كائن تشكيلي) نابض علي إيقاع الهوية بصيغتين، أما الأولي فصيغة التوتر ما بين نصين، نص جهان المغترب السري والغامض، والمفعم بالدلالات اللونية ذات العلائق المادية الفاضحة والمستترة علي حد سواء، ونص جهان المنطلق بمنتهي الإشراق والتجلي الصوفي علي براح التراث بمسلك الطامح أبداً وبإصرار، علي الاكتواء بشمس المستقبل.

وأما الثانية فصيغة التجلي المستتر للنص التشكيلي المتوحد، في معادلة (المضمون والسلوك) أي الفن والفنان، علي الأزمنة الثلاثة بسؤال الهوية، وهو من حيث أنجز هذا الملمح عبر استعارة (توتر) الصيغة الأولي بين نصين، أدرك بحس الفنان القابع فيه وبتلقائيته المفرطة أحياناً أن الاحتباس ضمن قاعدة ما من شأنه أن يشد خطواته باتجاه الماضي علي سبيل الارتهان، الأمر الذي هو أصعب وقعاً علي ذاتية الفنان المحترق من تيبس أنامله وجفاف رؤيته ـ وهو المورقة أنامله والمتوهجة رؤاه أبداً (والمتوجهة علي حد سواء) باتجاه المستقبل.

من هنا لم يرض الفنان تقديم المفردات والإياقين المتوهجة بخطوط الظل ومساحات الضوء الفيزيائي، كما عند رمبرانت، كمواعظ معلقة في فضاء الذاكرة، وكما يفعل البعض أيضاً، بل لجأ بها إلي فضاء تشكيلي متوتر العلاقة بالمحيط، كبديل لفضاء التكوين السكوني المكتفي بذاته، مانحاً إياها طاقات تعبيرية جديدة تتجاوز بها، إي المفردات والإياقين، وعاءها الهيكلي الذي انصبت فيه منذ قرون الكهوف الأولي وقرون عقول الكهوف الأخيرة، فكان له ذلك إذ سامها بسمة الهوية كوسيلة عبور حية إلي براح التشكيل المعاصر.

وفي رأيي أن المفردات التراثية والاياقين الكهوفية، التي تستهوي الفنان، تستعص في أغلب الأحيان علي الالتواء والتشكل فهي صريحة في هويتها، واضحة كل الوضوح في تجذرها، حتي أنها كثيراً ما تتماهي في خصائصها بالحرف، فكان لا بد إذاً في هذه الحالة من البحث عن سمات بديلة تفتح الأبواب المفضية بسؤال الهوية إلي فضاء التعبير التشكيلي بكل جمالياته ومؤثراته أمام سؤال أهم: أين الهوية؟ الذي جاء رهاناً ضمن الرهانات العديدة للفنان بما فيها تلك المتعلقة بجهة التوحيد ما بين العناصر المتناقضة علي صعيد الألوان ذات العلائق المادية المتناقضة مثلاً وحتي علي صعيد المفردات والإياقين.

وهكذا لم يخن الاجتهاد صاحبه ولم يهن به، إذ ليس من قبيل الصدفة أو الاستحسان، أن ولج الفنان برؤيته لعناصر العمل المتناقضة ورهاناته، فضاء التشكيل المجرد، بل عن سبق اصرارٍ وتحر، كخاصية أصيلة في صياغة سؤال الهـــــوية منذ ما يزيد علي الأربعة عشر قرنـــــــاً، باعتبار ما شكله لنا نحن العرب والمسلـــــــمين الموضحين من خلاله هويتـــــــنا، المتقدمين به إلي العالم علي أنه أهم مميزات ثقافتنا الفنية، حيث شكل لنا التجريد الـــــنور التوحيدي الذي قامت عليه هواجســــنا الجمعية الحضارية والثقافيــة، باعتبارهما انعكاساً لحالة الهوية، وإبداعاتنا كذلك، فلا زال أي تحول أسلوبي عام في التصور التجريدي يعكس تحولاً في حالة الهوية كلها سلباً كان أم إيجاباً.

من هنا تلقف الجواب وكان لسان حال الفنان عمر جهـــان يردد (تلك الذات، إنها النور الذي يلف الأشكال والفضاء ويغيب الحس والأبعاد، وما الرمز إلا المثال الذي يرسم معالم الكـــون والإنســـــان، إنها حيث يغيب التشريح والبناء المادي للعالم، يتألق المشهد ضمن نظام (توحيدي) خاص، إنها (طريق الوحدة) التي حدثنا عنها ابن عربي.

هكذا اعتنق الفنان صيغة (توحد الوحدات) في اللوحة عبر إقران الفراغ من جهة بالمفردات والاياقين من جهة، وخصائص اللون المادية من جهة بطبيعة المواد المتنافرة من جهة أخري، لتشكل جميعاً وحدة البناء المتناغم، محاولاً شحنه بمختلف الأحاسيس والمؤثرات الطامحة إلي الخروج بالفراغ من عزلته عن خط الظل ومساحة اللون وطبيعة المادة ورماد الذاكرة، إلي آفاق المستقبل وإشراقاته المتعددة.

ولأن اللون في تجربة الفنان لا يمكن أن يكون كافياً وحده، كان سؤال الهوية بمثابة الجمر لصهر بقية العناصر سالفة الذكر في هذه المعادلة الملتفة بالنور التجريدي وهو رهانه الأكبر علي صعيد التجربة.

فالمؤكد أن الصيغة التي اكتشفها الفنان فأعاد إحياءها من آخر أعماقه الغائرة، أوصلتنا إلي صياغة الأشكال المادية جداً ضمن منظومة نورانية تجريدية جديدة، وربما توصلنا إلي تنظيم العالم الحسي تنظيماً اطلاقياً بطريقة ما، أو ربما تصل بنا إلي شيء من الذرية، ربما أقول.. نصل إليها جميعاً ضمن معادلة تجادل منطقي، فالفنان كما أشرنا سابقاً لم يعان الغربة في ممارسة التجريد بمعني تجريد العناصر (المفردات التراثية، اللون، المادة، خطوط الظل ومساحات النور الفيزيائي) بل هو بتلقائية استحضر حالته التشكيلية ضمن جواب (سؤال الهوية)، جامعاً بذكاء ودراية بين عالمين قد يبدوان متناقضين إذا ما تناولناهما بشكل منفصل، لكنهما متفاعلان ومتلازمان في الفهم الجدلي الحي لجانبي حالة الهوية، الواقع (باعتباره الجانب الحضاري المادي) والفن (باعتباره أرقي مراحل الجانب الثقافي المعنوي) علي السواء.

عالم التراث بكل أحماله ومرجعياته وجذوره الضاربة في رحم الهوية، وتمثله هنا المفردة التراثية والاياقين الكهوفية تحديداً، وعالم الحداثة الذي يمثله هنا التجريد تحديداً، كإيحاء لجواب الهوية، حداثة الرؤية التشكيلية ومضامينها الإنسانية المنفتحة علي كل احتمالات التقدم الحضاري والارتقاء الذوقي، والتي تجد ترجمتها في هذا التوزيع القلق المتوتر والمشروع علي العديد من الرهانات.

وتبقي اللوحة متجلية بتوتر سيمفوني متناغم في هيئة (نص كائن تشكيلي) نابضاً علي إيقاع بصيغتين، صيغة التوتر ما بين نصي التجربة وسؤال الهوية، وصيغة التجلي المستتر للنص التشكيلي المتوحد بالفن والسلوك، علي الأزمنة الثلاثة بجواب الهوية.

ويبقي عمر جهان ياقوتة حمراء، كإيحاء لرؤية تشكيلية ملهمة تشي بشيء من صور الجنة وأطيافها عبر فن وسلوك يستدعي الجنة إلي الأرض، وفي ظني بل أكاد أجزم أن هذا ما فعله الفنانون المسلمون علي الدوام: موسيقاهم، زخارفهم، رسومهم، لا تفتأ تحلم بالحديقة.

الحديقة التي اشتبكتفي أصواتوتأسلبت في زخارفوتنمنمت في حروف… الحديقة باتت حرفا وصوتاً.. ورسماًهي في سقف البيت وعلي أرضه وفي فنائه هي في (القروج)ہ فسائل جردة فسيفساء وعلي حوض بركتهہہالفسقيةوهي قطعاً في رماد احتراق الامتدادناقد وتشكيلي ليبيالقروج: حوض زراعة فسائل نباتات الظل في العامية الليبية المصراتية.

ہہ الفسقية: نافورة الماء التي يسميها البعض بالبحرة ومكانها وسط الحوش.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية