رام الله ـ «القدس العربي»: باستثناء المهتمين من أهل السياسة والشأن العام لم تنل استقالة حكومة الدكتور محمد اشتية اهتمام قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، وغداة بث بيان الاستقالة على أثير إذاعة محلية فلسطينية بشكل مباشر، كانت الأسئلة ترد على صفحة الإذاعة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي مستفسرة عن أوضاع الرواتب المتوقفة، وعن تأثير استقالة الحكومة على ضمان استمرار رواتب الموظفين العمومين. ولا يعتبر هذا الأمر مؤشرا على عزوف الفلسطينيين في الاهتمام بقضايا الشأن العام بمقدار ما يعكس تحولا في المجتمع الفلسطيني ودليلا على فقدان الثقة في الحكومات المتلاحقة، سواء أكانت فصائلية أو حكومة تكنوقراط، فجل التجارب السابقة كرست صورة الحكومة العاجزة عن إحداث تغيرات حقيقية في مسار القضية الفلسطينية أو في مسار حياة الفلسطيني اليومية وهمومه التي تزداد وتتضاعف ولا تتراجع.
وتشير الأرقام إلى أنه مرت على فلسطين 18 حكومة منذ تولي السلطة الفلسطينية زمام الأمور عقب اتفاقية أوسلو، حيث كانت هناك 5 حكومات تكنوقراط فقط، ثلاث لسلام فياض ما بين 2007 و2013 واثنتان لرامي الحمد الله، ما بين 2013 و2019. وترأس أول حكومة الراحل ياسر عرفات وظلت منذ عام 1994 وحتى عام 2003 ومن ثم كان رئيس الحكومة محمود عباس، وبعدها أحمد قريع، ومن ثم حكومة إسماعيل هنية، وهي حكومات وإن احتوت على كفاءات إلا أنها كانت حكومات فصائلية.
لقد حدث ما كان متوقعا من تقديم الحكومة استقالتها بعد سنوات خمس، لكن ذلك الحدث ما هو إلا قمة رأس الجليد أمام الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية وتحديدا من الولايات المتحدة الأمريكية التي طالبت بـ«حكومة فلسطينية متجددة» وأمام جهود عربية وفلسطينية دعمت تشكيل حكومة تكنوقراط في قطاع غزة لوحده، وهو أمر عجل بخطوة تقديم حكومة اشتية لاستقالتها.
حكومة تسيير الأعمال
إثر قبول الرئيس الفلسطيني استقالة الحكومة الثامنة عشرة، أُعلن عن تكليف الحكومة المستقيلة بتسيير الأعمال من الرئيس الفلسطيني. ورغم أن القانون الأساسي لم يضع مدة زمنية محددة لعمر حكومة تسيير الأعمال إلا أن القانون الأساسي فرض على الرئيس تكليف رئيس للوزراء وفقا لأحكام المادة 79 من القانون الأساسي خلال أسبوعين من تاريخ انتهاء ولاية رئيس الحكومة.
وحسب ما نشرته «هآرتس» العبرية فأن السلطة قلقة من موافقة حماس على حكومة تكنوقراط في غزة فقط، من شأن خطوة كهذه تعميق الانفصال بين الضفة الغربية والقطاع.
وقال مصدر مطلع لـ«القدس العربي» إن حركة حماس أبدت موافقة على حكومة مؤقتة في قطاع غزة، حيث يدعم هذا التوجه الذي يقوم عليه القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، تدعمه مصر والإمارات.
وحسب مصادر مطلعة فإن ما دفع الرئيس إلى الطلب من اشتية لتقديم استقالة مكتوبة بعد أسبوع من تقديمها مشافهة هو رغبة الرئيس الفلسطيني في أن يظهر في موقف المسيطر على المشهد في ظل التنافس الكبير بينه وبين القيادي المفصول محمد دحلان.
وكما ترى ذات المصادر فإن الرئيس الفلسطيني أراد الرد على اتصالات بين دحلان وقيادات من حماس ودول عربية تسعى إلى أن يشكل حكومة تكنوقراط في قطاع غزة وهو ما أغضب أبو مازن ودفعه للسفر إلى الدوحة وعمان وإجراء اتصالات بهدف إنجاز حكومة تكنوقراط، أو الظهور بمظهر أن هناك مسارا للفعل السياسي.
وأكدت المصادر أن حركة حماس تتواصل مع الطرفين (أي دحلان وعباس) ويبدو أن الخيار الذي ستعتمده الحركة يعتمد على نتائج لقاءات موسكو التي انتهت قبل يومين.
ورأت أطراف فلسطينية أن تقديم الحكومة استقالتها هو رسالة، نالت ترحيبا أمريكيا، مفادها جدية الرئيس في التغيير والإصلاح السياسي.
وحسب المحلل السياسي جهاد حرب فإن السبب وراء استقالة الحكومة الفلسطينية الحالية والمضي لإيجاد حكومة تكنوقراط، هو أن الرئيس يريد أن يضع أمام المجتمع الدولي أنه جاهز لاستلام وإدارة العمل في قطاع غزة، وأنه جاهز للحديث حول حكومة في لقاء موسكو وأنه لا توجد أي عقبة أمام الفلسطينيين للنقاش حول شكل الحكومة وعلى ما يبدو توجد موافقة من حماس على تشكيل حكومة تكنوقراط.
وتابع أن الرئيس الفلسطيني أراد أن يكون جزءا من تحديد وجه اليوم الثاني للحرب في الرد على وثيقة نتنياهو التي ألغت الوجود الفلسطيني في إدارة شأن الفلسطينيين في الضفة وغزة، كما أنها استجابة لمطالب عربية ودولية للتحضير لأي مسار سياسي مستقبلي لمسار ما بعد الحرب.
ويرى حرب أن حكومة الخبراء المستقلة «التكنوقراط» هي الأمثل في هذه المرحلة، معتبرا أن هذه الحكومة ستقوم بدور أساسي بحيث تكون حكومة إنقاذ وطني، مطالبة بإعادة الحياة للشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة؛ وتوفير التمويل لإعادة الإعمار وبعث مصادر العمل والرزق، وتوحيد مؤسسات الدولة في الضفة والقطاع على أسس مهنية، والتحضير للانتخابات العامة، وفتح الطريق لمستقبل سياسي جامع للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، حكومة كهذه لا تحتاج فقط ممارسة كامل صلاحياتها فقط أو حرية اختيار منهج العمل، بل تحتاج الدعم والمساندة بذات القدر من المساءلة والرقابة على أعمالها.
وتشير المصادر إلى أن الحكومة الجديدة قد يطول الإعلان عنها، حيث لم يقدم الرئيس تكليفا رسميا لأي طرف فلسطيني. فيما تشير التسريبات إلى رغبة الرئيس في تكليف مستشاره الاقتصادي المقرب منه شخصيا وعضو اللجنة التنفيذية محمد مصطفى، وهو أمر يقرأ في رام الله على أنه تعزيز سيطرة الرئيس على مقاليد الأمور في ظل حالة تدفعه لإجراء تغييرات هيكلية كبيرة في النظام السياسي الذي تضخمت فيه الرئاسة وأدوارها على حساب الحكومة الفلسطينية.
وصفة لن تضمن تحقيق الإصلاح
وتشير ذات المصادر أن الأمريكان تحديدا ودولا عربية لا يريدون تكليف الاقتصادي مصطفى، على اعتبار ان هذه وصفة لن تضمن تحقيق الإصلاح السياسي المنشود. وهم في المقابل يطرحون السياسي القوي سلام فياض. والأخير بالنسبة لجهات كثيرة يعتبر خيارا جيدا باستثناء الرئيس الفلسطيني، فهو شخصية قوية وصاحبة تجربة ويمكن الاعتماد عليه في إدارة ملف إعادة الإعمار وتقليص صلاحيات الرئيس الفلسطيني أيضا.
وحسب المحاضر في العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية في فلسطين الدكتور أمجد أبو العز فإن تشكيل حكومة فلسطينية جديدة مسألة مبكرة في ظل أن أمور وقضايا الحوار الوطني ما زالت غير ناضجة وواضحة حتى اللحظة.
وشدد أبو العز على أن طرفي الانقسام الفلسطيني يقدمان شروطهما المسبقة، وهو ما يجعل منظمة التحرير خارج الإطار العام الذي يمكن التوافق عليه.
ويضيف: «هل من المنطقي وفي ظل الحرب على قطاع غزة مطالبة حماس بالاعتراف بإسرائيل مثلا كشرط لدخول منظمة التحرير الفلسطينية؟».
ويرى أبو العز أن هناك عقبات في طريق الحكومة الجديدة تجسدها تصريحات القادة والمسؤولين وتعقيدات الملف في غزة في ظل سياسات الاحتلال بالسيطرة الأمنية عليها، وهو ما يجعل من الخيارات أكثر صعوبة وتعقيدا.
ويرى أنه قد نشهد في القادم من الأيام نتائج الحوار الوطني في موسكو، حيث خرجت الفصائل ببيان سياسي أكد على الروح الإيجابية البناءة التي سادت الاجتماع، واتفقت على أن اجتماعاتها ستستمر في جولات حوارية مقبلة للوصول إلى وحدة وطنية شاملة تضم القوى والفصائل الفلسطينية كافة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
كما أكدت الفصائل على توافقها على مجموعة من المهمات الملحة أمام الشعب الفلسطيني رفض أي محاولات لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بما فيها القدس.
وعلق الناشط السياسي والمجتمعي عمر منصور على بيان الفصائل في موسكو معتبرا أن البيان ليس بحجم المجزرة في قطاع غزة، كما انه لا يؤسس لمرحلة جديدة من التوافق والوحدة اللازمة، ولم يقدم رؤية محددة وخريطة طريق، ولم يتضمن أي إجابة على تساؤلات حول الحكومة الجديدة وتوسيع المنظمة.