بغداد – “القدس العربي”: تتبلور هذه الأيام ملامح تناغم شيعي إيراني جديد يمهد للإعلان عن تشكيلة الحكومة المقبلة في العراق والتي يبدو أنها ستكون ذات لون واحد غالب مع بعض الرتوش الشكلية لبعض المكونات، ولتكون امتدادا للحكومات السابقة، في إصرار على فرض الأمر الواقع كخطوة حاسمة لإنهاء الحركة الاحتجاجية السائدة في البلاد منذ أربعة أشهر.
وإذا ما كانت ثمة شكوك وآمال عند بعض العراقيين حول طبيعة الحكومة المقبلة التي تسارع أحزاب السلطة لحسمها، وفيما إذا كانت تستجيب لمطالب الحراك الشعبي فإن إيران حسمت تلك الشكوك بإعلانها دعم محمد توفيق علاوي، الذي اعتبرته الشخص المناسب، بل وأعلنت عن قرب حصول الثقة على تشكيلة حكومته حتى قبل طرحها على البرلمان، حسبما صرح مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، الذي لم يكتف بذلك بل توعد بطرد القوات الأمريكية من العراق في تكرار متواصل للتدخل الإيراني في الشأن العراقي. وقد أثارت تلك التصريحات غضب ساحات الاعتصام التي أعادت رفض ترشيح محمد علاوي والتدخل الخارجي في الشأن العراقي، كما أثار التصريح مسؤولي القوى السياسية ومنهم اياد علاوي الذي غرد قائلا: “إننا في الوقت الذي ندين فيه هذا التدخل السافر في الشأن العراقي نحذر إيران من أنها لن تستطيع تحقيق أحلامها التوسعية في المنطقة العربية ومنها العراق وهذا أكبر بكثير من حجمها وأحلامها”.
وبالترافق مع التصريحات الإيرانية أعلن فالح الفياض، قائد الحشد الشعبي، في أربعينية مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس، في بغداد، أن حصول التوافق في تشكيل حكومة محمد علاوي، يبدو صعب التحقيق وهو ما فسره المراقبون بأن النية تتجه إلى تمرير حكومة علاوي (بلون شيعي واضح) في البرلمان ذي الأكثرية الشيعية، بدون الاهتمام بمواقف واعتراضات المكونات الأخرى. أما التيار الصدري فقد كان أكثر انسجاما مع الطرح الإيراني عندما هدد بمحاصرة البرلمان والمنطقة الخضراء وتحويل العراق إلى جحيم إذا لم يتم تمرير حكومة علاوي!
وما عزز القناعة بلون الحكومة المقبلة هو ترافق مساعي القوى السياسية لفرض الأمر الواقع في تشكيل حكومة علاوي حتى بدون موافقة شركاء العملية السياسية الفاشلة وخاصة من السنة، مع خطوات متصاعدة لإنهاء الانتفاضة، غير مكترثة بالمواقف الشعبية الرافضة لترشيح علاوي أو المواقف الدولية المنتقدة للقمع والبطش ضد المتظاهرين، حيث شهدت ساحات الحراك تناوب الأجهزة الأمنية والفصائل المسلحة، على القيام بمختلف الأدوار لتحجيم الانتفاضة وتقليص مجالات عملها وفعالياتها تمهيدا لإنهائها كليا.
فقد واصلت حكومة عادل عبد المهدي، المقالة شعبيا، مساعي إنهاء التظاهرات من خلال ضغط القوات الأمنية على المتظاهرين لانتزاع بعض المناطق من سيطرتهم وحصرهم في ساحة التحرير فقط محذرة إياهم من الخروج من منطقة التظاهر المحددة، ومهددة باتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. كما قامت برفع الحواجز الكونكريتية وافتتاح جسر السنك وساحة الخلاني وسط بغداد إلا أن المتظاهرين عادوا وسيطروا على بعض المناطق المفتوحة رافضين إخلاءها مع وقوع بعض الاشتباكات. والشيء نفسه تكرر في ساحات الاعتصام في المحافظات الجنوبية، ورد المتظاهرون بمواصلة قطع الطرق والاشتباك مع القوات الأمنية.
أما التيار الصدري، فإضافة إلى مهاجمة أتباعه ساحات الاعتصام والتظاهرات، فقد أصدر الصدر سلسلة توجيهات إلى أتباعه لردع المتظاهرين الذين يقطعون الطرق أو يمنعون الدوام في المدارس والدوائر، أو ينتقدون الصدر في هتافاتهم، فضلا عن دعوته المتظاهرين إلى عدم التدخل في تشكيل الحكومة الجديدة وكأن مطالب الحراك بالإصلاح في واد وتشكيل الحكومة الجديدة في واد آخر.
وردا على محاولات التيار الصدري شهدت ساحات الاعتصامات تصعيدا غير مسبوق لتعزيز صمود الانتفاضة، حيث توافدت جموع كبيرة من أصحاب القمصان البيض (طلبة الجامعات) إلى ساحات التظاهر ليثبتوا مجددا أن الطلبة هم وقود الانتفاضة ومثيرو حماستها كلما تصاعدت محاولات إجهاضها. وجاءت فتاوى جهات صدرية بعدم جواز اختلاط النساء والرجال في التظاهرات وتعرض بعض الناشطات إلى الاعتداءات من أتباع الصدر لتزيد من حماسة وتحدي الناشطات والمشاركات في الحراك وليقمن بتنظيم تظاهرات ضخمة في بغداد والناصرية والبصرة، تحت عنوان ” بناتك يا وطن” ردا على انتقادات الصدريين.
وإزاء تصاعد أساليب البطش والاعتقالات والاغتيالات أخذت التظاهرات منحى جديدا بتوجيه رسائل من التنسيقيات إلى الأمين العام للأمم المتحدة تدعوه إلى حماية المتظاهرين السلميين من قمع السلطة وأحزابها وميليشياتها ومن فساد العملية السياسية، بالتزامن مع إعلان بعض القوى السياسية والحقوقية عن تشكيل فريق محامين لرصد الانتهاكات في الحراك الشعبي وتحديد المسؤولين عن العنف ضد المتظاهرين لإيصالها إلى المحاكم الجنائية المحلية والدولية. يأتي ذلك مترافقا مع إدانات إطراف دولية عدة لأعمال العنف ضد المتظاهرين، ومطالبتها حكومة بغداد بحماية المتظاهرين.
من جهة أخرى لم تدع القوى الشيعية ذكرى أربعينية اغتيال المهندس وسليماني قرب مطار بغداد بقصف أمريكي مؤخرا تمر بدون القيام بحملة للتحشيد ضد أمريكا وقواتها في العراق حيث شددت على إخراج تلك القوات باسرع وقت ردا على عملية الاغتيال، فيما نفت قيادة العمليات المشتركة في العراق الأنباء عن انسحاب قوات من التحالف الدولي (الولايات المتحدة، فرنسا، المانيا، استراليا) كما أكد غابريل صوما مستشار الرئيس الأمريكي أنه “لا انسحاب للقوات الأمريكية من العراق في الوقت الحاضر”.
من الواضح أن سيناريو تشكيل الحكومة العراقية سيكون مشابها لتشكيل حكومة لبنان الأخيرة من حيث غلبة اللون الشيعي عليهما وهيمنة الفصائل المسلحة على قرارهما، وهو أمر طبيعي فكاتب السيناريو واحد وأدوات التنفيذ نفسها، وهو جزء من ترتيب أوضاع البلدين بما يخدم متطلبات الصراع الإيراني الأمريكي في المراحل المقبلة.