تشومسكي و’روابي’

حجم الخط
1

عثرت في سفري الاخير الى القارة العجوز على كتاب لنعوم تشومسكي وهو عبارة عن تجميع لعدد من كتاباته تحت عنوان ‘كيف يعمل العالم’، يباشر المفكر ذو الاصول اليهودية والمقيم في الولايات المتحدة الأمريكية كتابه بالحديث عما يريده مخططوا الولايات المتحدة الأمريكية، مستندا في كثير من الأحيان إلى جورج فورست كينان احد ابرز مخططي السياسة الخارجية الامريكية في الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.
استرسل نعوم في أحيان، وتحفظ في اخرى، لكن ما دعاني للكتابة ما أورده تشومسكي على لسان ‘ دين اتشيسون’ وزير الخارجية الامريكية ما بين 1949-1953 وهو قريب من امثالنا الشعبية: ‘ تفاحة متعفنة، تُسمم البرميل كاملا’، وكان يقصد بحبة التفاح المتعفنة التنمية المجتمعية والإقتصادية التي لا تلائم مصالح المُستمثر الامريكي. وحسب تشومسكي ايضا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتدمير أي نموذج جيد في هذا المجال خوفا من ان تصاب الدول المحيطة بالعدوى، ضاربا عدة امثال سأقتصر هنا على ذكر جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية التي تقع الى الجنوب من شرق اسيا والتي يمكن اعتبارها الأفقر عالميا وتصل نسبة الأمية فيها الى 70’، ومع هذا تعرض لهجوم امريكي في الستينات بالتزامن مع بدء ثورة اصلاحية اجتماعية، والمبرر في حينها الحرب الامريكية على فيتنام. ويجيب ان هذا الأمر انتهى بمجرد أن نجح صندوق النقد الدولي في ‘ لبرلة’ لاو، وفتح السوق امام الاختراق والتحكم الخارجي، وما رافقه من تقلص في الخدمات والانفاق على عامة الشعب.
هذه السياسات جعلت مراكز القوة في ايدي بعض رجال الاعمال والمستثمرين الخارجيين بهدف تحقيق التنمية والاستقرار، ورسخت التقسيمة المجتمعية المعهودة، في العالم الثالث: الأغنياء جدا، تقع على مقربة منها المهنيين والمثقفين والقوى الفاعلة التي تخدمها كبديل للطبقة الوسطى، واخيرا طبقة ‘ الجمهور الذي يعاني’. ويتابع تشومسكي ماذا عن البرازيل التي تتمتع بموارد طبيعية غنية وفرص حقيقية للتطور التكنولوجي، ومع هذا تصرف ثلث موازنة التعليم على وجبات الطعام للطلبة في المدارس الحكومية فإن لم يحصلوا على وجبتهم في المدرسة لن يأكلوا ذلك اليوم.
للحظة سوف يعتقد القارئ ان هذا السرد لما جاء في بعض صفحات الكتاب عبارة عن خطبة ايديولوجية اشتراكية، لكنه في واقع الأمر يحاكي بدرجة أو بأخرى ما يتبع اليوم في فلسطين، من تطبيق لسياسات صندوق النقد الدولي القائمة اساسا على مبدأ السوق المفتوح، وتشجيع الاستثمار، ولعل مشروع ‘ مدينة روابي’ المعروف، ابرز المشاريع التي يمكن ان تكون عبارة عن حالة دراسية تُظهر كيف حصلت على كثير من الدعم من قبل السلطة السياسية، حيث صدر قرار بإستملاك أكثر من الف وخمسمئة دونم لصالح المشروع، وكان هناك قرار اصدره الدكتور سلام فياض بإنشاء هيئة محلية’ بلدية’ للمدينة لتكون اول بلدية بلا سكان او 600 ساكن، قبل ان يصدر مؤخرا الدكتور رامي الحمدلله قرارا بتحميل شركة ‘ بيتي’ كافة التكاليف المترتبة عليها، وهو ما يؤشر الى فحوى قرار الدكتور سلام بتحمل الهيئة المحلية للتكاليف وليس شركة ‘ بيتي’ كاستراتيجية لتشجيع الاستثمار. عدا عن التسهيلات الأخرى التي تلقاها المشروع والذي تبلغ تكلفته 850 مليون دولار ثلثاها من شركة الديار القطرية ومن قبل الحكومة الاسرائيلية رغم المعارضة الخجولة للمشروع من بعض المستوطنين.
وتشير اقوال مدير مشروع مدينة روابي في حديث مع صحيفة معاريف الى طبيعة المقبلين على الشراء، ليتبين أن أعمارهم 42 عاما فما فوق، وبدخل يتراوح بين 2000 4000 دولار، بمقارنة بسيطة مع الأجرة اليومية للعامل في فلسطين حسب مسح القوى العاملة لجهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني يتبين ان المتسوط حوالي 80 شيقل اي ما مجموعه شهريا حوالي 1760 شيقل اذا اتبع العامل قانون العمل الفلسطيني بالعمل 5 ايام في الاسبوع بمعدل 8 ساعات يوميا، و 2400 شيقل اي 600 دولار في حال عمل طيلة الشهر، وبنظرة بسيطة يمكن قراءة المشهد، الوحدة السكنية التي تبنى لا يمكنها معالجة الأزمة السكانية تبعا للاسعار المــــتوافرة، ومنطقيا من يعاني من ازمة السكن هم ذوي الدخل المحدود والطــــبقة المتوسطة كالمعلمــــين مثلا وواقعهم ليس بأحسن حال من العمال.
خلاصة القول، إن سياسة تشجيع الاستثمار الاجنبي في فلسطين، وتعزيز نفوذ ومراكز قوى بعض رجال الاعمال وليس جميعهم يمكنهم كما يقول تشومسكي أن يصنعوا المعجزة الاقتصادية ويرفعوا مؤشر الناتج المحلي الإجمالي لكنهم في الوقت ذاته لن يزيدوا المجتمعات سوى مزيد من المعاناة.
وواقع دول امريكية اللاتينية وجنوب شرق الصين التي استعرضها نعوم رغم استقلالها وغنائها بالموارد سقطت في لعبة ‘ السوق المفتوح’ فما بالكم بشعب ودولة يقبعون تحت الإحتلال، و’الي بجرب مجرب عقله مخرب’.
كايد معاري
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية