بيروت ـ’القدس العربي’ـ من مازن معروف: هم شابان وفتاة من رام الله، أطلقوا قبل عامين فرقتهم للأداء السمعي والبصري تحت عنوان ‘تشويش’. كان ذلك ثمرة ستة اعوام من العمل المشترك بين الثلاثة. باسل عباس، روان أبو رحمة وجاد عباس (مقاطعة ـ بويكوت) يؤلفون ثلاثي الفرقة اليوم. قدموا قبل أيام في مركز بيروت للفن عرضا أدائيا، كما كان لهم حفل في مقهى ‘الكهف’ في محلة الجميزة. أما عضو الفرقة ‘بويكوت’، الموسيقي الشاب ومؤلف الهيب هوب، فقدم حفلين فرديين. الاول في ‘زيكو هاوس’ والثاني في مخيم شاتيلا. ‘تشويش’ تحدثت إلى ‘القدس العربي’ عن مشروعها الفني ورؤيتها للحالة الفلسطينية في هذا الحوار:*هل في اختياركم لاسم ‘تشويش’ إعلان موقف أخلاقي أو سياسي أو فني من المرحلة العربية الراهنة؟* تشويش يحمل اكثر من بعد. الأهم بالنسبة لنا هو أن نشوش على الوضع العربي الراهن. أن نشوش على الوضع السياسي الذي نرزح في ظله. طبعا يحمل أبعادا كولونيالية. نريد أن نشوش وأن نتدخل فيه وأن نفككه بطريقة أو بأخرى. نشعر أننا نريد أن نشوش على المفاهميم المتداولة والتي صارت قديمة وبرهنت فشلها. إنها أيضا محتواة في الصورة والصوت اللذين يظهران، وهما لا يعبرا عن الحقيقة. إنه كما المفاهيم عامة. نعني بذلك الصعيد السياسي والفني والاجتماعي. هناك صورة معينة تمثلنا شئنا أم أبينا. وفقا لأجندة سياسية. ‘تشويش’ تريد تغيير هذه الصورة الواحدة عن مجتمع بأكمله. عن حياة. ولا نعني هنا كيف ينظر إلينا الغرب. فلا فارق بالنسبة لنا إذا رآنا الغرب في هذا الإطار أو ذاك. نحن كعرب ‘ما عملناش إشي/ هم يللي عملوا، هم غلطانين’. ما نعني هنا، كيف بتنا ننظر إلى صورتنا. الأمر له علاقة بالإمبريالية والكولونيالية وصناعة الصوت والصورة التي نسهم فيها بشيء او بآخر. البعض يرى العرب على أنهم جمل وصحراء وراقصة شرقية. لكن للأسف، البعض من العرب يشدد على تثبيت هذه الصورة عن نفسها. البعض يحاول إرضاء الغرب بهذا. نحن نحاول ان نشوش على كل هذه المفاهيم.*ضمن هذا الخطاب العام الذي تتخذونه، أين تقع فلسطين مثلا؟ أنتم في النهاية فلسطينيون وتعيشون الصراع وارتداداته يوميا. أما اللاجئون الفلسطينيون فيعيشونه بمستوى آخر.*نحن نواجه الصراع يوميا. وما تحدثنا عنه للتو ينطبق أيضا على الحالة الفلسطينية. عندما أقول مثلا ان حركات التحرير الفلسطينية فشلت، بالنسبة لنا كجيل جديد. عندما بدأنا ‘تشويش’، كانت في فترة شعرنا بها بأن الثورة الفلسطينية لم تفض إلى شيء. إنه صوت جيل يشعر بعدم الرضى من الحالة العامة ومنها الفلسطينية. البرفورمانس الذي نقوم به هو نوع من التحدي بالنسبة للجمهور. هدفنا أن نعكر ما اعتاده الناس. لكننا من الناحية المهنية لا نقف هنا. ومن المستحيل أن نسمي نفسنا ‘تشويش وإعادة بناء’. الأكيد ان ‘تشويش’ تعبر عن منحى عام وليس له علاقة فقط بالحالة الفلسطينية وحدها.*انتم تتطرقون إلى الأرشيف والتاريخ والمفاهيم الدارجة. كيف يكون تفاعل الناس معكم في هذا الاطار؟*لم نتوقع شيئا معينا، لكننا رأينا اننا نعبر عن هواجس وتطلعات الكثير من الشعب والناس، ليس فقط في فلسطين، ولا في العالم العربي وحده، بل في العالم أجمع. بالطبع، هناك خصوصية عربية لما نفعله. دعينا لإقامة حفل في بولندا وهناك، اعتقد الناس اننا نحكي عن حالتهم، عن تاريخ بولندا وخصوصية مجتمعهم. لكن العرض نفسه أقمناه في فلسطين ولبنان وبلدان أخرى. تشويش هي فضاء تعبيري لما نفترضه حالة طارئة، ونحن نجرب أن نحاكي الظروف الانسانية عامة وليس الظرف الفلسطيني وحده. إنها عبارة عن حيز عام. ونحن نتطلع لان نبتكر لغة جديدة، ونعلم بأننا سنلاقي صدى نظرا لحاجة الجيل الجديد لهذه اللغة. والحاجة إلى اللغة الجديدة هي كذلك ترجمة لواقع أن اللغة التي سبقتها فشلت. الكثير من الفلسطينيين قد يشعرون بالاستياء لما نقوله، لكن الكوفية الفلسطينية لم يعد لها معنى. في رام الله، أصبح الامر على هذا النحو: عندما تضع الكوفية فأنت موال لأجهزة السلطة الفلسطينية. حتى العلم الفلسطيني يرفعه رجال الشرطة على سياراتهم، والناس المقربون من السلطة. هذا الرمز العام صار مستقطبا وموظفا من جهة واحدة. علينا إما أن نوجد رموزا جديدة أو ان نغير الرموز القديمة. كلنا نحب حنظلة مثلا، لكن إلى اي مدى يمكنك ان تواصل استخدامه. إلى الآن، تجد أناسا يأخذون حنظلة ويدرجونه في معرض تشكيلي. حنظلة ولد في ظروف معينة، وعلينا أن نراعي هذه الحقيقة. *البحث عن لغة جديدة في الفن، كان يعكس دائما الحساسية التاريخية للمرحلة التي يمر بها الفنان. لكن مرحلة خاصة تشكل جزءا من وعيكم الثقافي، فانتم ابناء رام الله ولا شك أن المعيش اليومي لعب دورا بارزا في تكوين آرائكم هذه. ما هي العوامل التي نقلتكم من الحالة المحلية إلى الحالة العالمية؟*الحاجة أم الاختراع كما يقولون. والظروف الصعبة تجبر الإنسان على ان يعبر عن ذاته. يكون الامر وصفيا في البداية ثم ترى أنه من المستحيل ان يكون ذلك كافيا. تحتاج لأن تبحث عن مستقبل، حتى ولو بشكل متخيل. لازم يكون هناك مخرج وإلا نظل مقوقعين. ما يحدث في فلسطين، يعكس معاناة الكثيرين. أحيانا نشعر أن الحالة الفلسطينية هي الحالة القصوى. العدو يسعى دائما إلى إذلالنا ويكون علينا أن نعيد تعريف المشكلة، وأن نعطيها تفسيرا إنسانيا اكثر عمقا. في فلسطين، المشكلة بارزة اكثر. نحن تحت المجهر وهناك احتكاك يومي مع الحدث. نحن في صراعنا مررنا بمراحل زمنية عدة، وهي كلها تتذبذب بشكل داخلي في ذواتنا. للأسف، الفلسطيني أحيانا لا يشعر بالأفق وهذا ما يحاول العدو بثه في نفوسنا. *هل درستم الموسيقى بشكل محترف، وكيف تم التعاون بينكم؟*بويكوت: درست الموسيقى في الولايات المتحدة لمدة سنتين. هناك أخذت دروسا في تاريخ الموسيقى، بالإضافة إلى علوم موسيقية نظرية. لكن دراستي هناك لم تفدني كثيرا، لأنني لم أكمل دراستي هناك وكان ما تلقنته بدائيا. لا يمكنني إنكار أنني تعلمت بعض الأشياء. لكنني منذ صغري وأنا ألحن وأحاول وضع بعض المؤلفات. وكنت أملك الجانب التطبيقي من خلال ممارساتي الموسيقية السابقة. باسل عباس: أنا درست هندسة صوت في لندن، هذا هو اختصاصي. وأعمل مع روان أبو رحمة التي اختصاصها المادة البصرية والفيديو آرت (لندن) على وضع المكون البصري والسمعي للأعمال كخلفية.
كانت لباسل وجاد وشاب آخر فرقة اسمها ‘رام الله أندرغراوند’ قبل ثماني سنوات. كانت فرقة هيب هوب واشكال موسيقية أخرى. إقترن إسمنا وقتها بالهيب هوب وساعد الاسم كثيرا في رواجها. كنا نستضيف روان وقتها للمساعدة في العروض. وتشكلت شيئا فشيئا رؤية عامة في هذا الاطار. وبدأنا الاعداد لكيفية التعاون على المدى البعيد. ‘تشويش’ عمرها سنتان. فرقة ‘رام الله أندرغراوند’ مرت بتجربة استفدنا منها كثيرا. كنا نتلقى دعوات هنا وهناك للمشاركة في فعاليات او إقامة الحفلات الفنية، ورأينا أن هناك امرا غير اعتيادي، فأن تعمل مثلا لمدة ستة اشهر على الصوت، ومن ثم تكون على المنصة أمام جمهور يهلل لك فقط لانك فلسطيني، لا تقديرا لفنك، فهذا لا يبشر بخير. في ‘تشويش’ وضعنا خطا أحمر على هذا. ونحن نرفض سبعين في المائة من العروض التي نتلقاها. أول عرض كان لنا في نابلس، في بلدة صغيرة هناك. واستقبله الناس بالكثير من الاهتمام. *عملكم هو اقرب إلى تجهيز سمعي بصري، وهناك حس نقدي في الاعمال. كيف توصلتم إلى هذه اللغة الفنية التي تنهلون فيها من الارشيف الفني العربي، والأرشيف السياسي في نفس الوقت، وتدمجونها بموسيقى معاصرة من تأليفكم؟*تشويش هو مشروع ادائي مرئي ومسموع. ونوع اللغة التي نصنعها لا علاقة لها مثلا بالهيب هوب، هناك بعض العناصر الهيب هوبية، لكن عملنا هو فن تجريبي. وأنا كما قلت سابقا أعنى بالجانب التجهيزي في الأعمال، بينما يقوم أخي جاد بإتمام المادة الصوتية والموسيقى الالكترونية. الهيب هوب هو من العناصر الأقل تكوينا في الاعمال. في تشويش، نستخدم أيضا تسجيلات أدائنا الفردي. التجهيز الذي نعمل عليه نعيد استخدامه فيما بعد. قدمنا بعض البرفورمانس الذي شعرنا بأنه تجهيز بصري. وتشويش هي فرقة متعددة اللغات الفنية والتخصصات. اردنا أن نكون متعددي الاتجاهات وغير مؤطرين بكادر محدد. من الصعب ان نصنف فرقتنا او اعمالنا في نمط معين. اما الأرشيف، فقد جمعناه سوا منذ ثماني سنوات. واكتشف كل من باسل وروان انهما يعملان في نفس الإطار مثلا. باسل كان يعمل على جمع أرشيف صوتي، فيما كانت روان تعمل على أرشيف بصري. من وقتها، بدأنا التعاون. وقد اكتسبنا معرفة مهمة في طريقة استخدام الارشيف بإعادة تركيبه وصناعته في سياق آخر، ونبتكر بهذا رواية أخرى. ونحن نتبادل الخبرات والمهارات والثقافة من خلال هذا التعاون في الفرقة. في ‘تشويش’ لدينا المقدرة على الوصول إلى مجموعة اكبر من الجمهور في الشارع. وبالتالي، فنحن خرجنا من الفضاء المغلق في الغاليري أو الآرت سنتر إلى حيز عام، كالشارع أو الساحة. *كيف تؤثر الهوية الخاصة السياسية على مستوى اعمالكم الفنية؟*نحب أن نعرَّف على اننا فنانون من فلسطين، ولسنا فلسطينيين يشتغلون بالفن. هناك اهتمام أصيل في اعمالنا على مستوى الصورة والصوت والثقافة وابتكار لغة جديدة. نحن نهتم كثيرا بشكل وتركيب العمل. ولا يكفي أن نوضح خطاب سياسي ونعلنه ونقوله وكفى. المستوى الفني في أعمالنا أمر لا تنازل فيه. نرفض ان نوضع تحت سياق فلسطيني او شرق أوسطي او عربي فقط. واضح أن عملنا يحكي الجغرافيا التي نعيش فيها ولا داعي لأن نحمل العلم الفلسطيني على المنصة ونؤدي به، أو نلف كوفية على رقابنا. نحاول أن نتحرك ابعد من هذا. وعندما نعرض في أوروبا، لا نقبل ان يكون عملنا آتيا في سياق مهرجان عربي او مهرجان فلسطيني. لا نحب هذه التسميات التي يحاول البعض أن يسمنا بها في أوروبا. نحن عملنا جدي جدا، ونهتم بإشراك الأعمال ضمن مهرجان للفنون السمعية البصرية. وبهذه الطريقة أيضا، نعرِّف الآخر على فلسطين، بدل من أن نؤدي امام جمهور آت فقط لاننا فلسطينيون. نقدم للجمهور عالما جديدا. عندما نشارك في مهرجان فلسطيني، نتوقع مسبقا نوع الجمهور الموجود هناك، ولو قدمنا اي شيء، فإنهم، وبدافع عاطفي سيشجعوننا ويصفقون لنا. نحن لا نريد هذا. لا نريد أن نراوح مكاننا لاننا فلسطينيون. نسعى دوما للنقد، للبحث عن مساحة حوار مع جمهور يستطيع أن ينتقد العمل من ناحية فنية، لا علاقة لها بالهوية فقط. نحن لا نعني أن تأييد الجمهور الفلسطيني للفنان أمر سيىء، على العكس، إنه جيد ومطلوب، لكننا كفنانين، نريد الابتعاد عن الجانب العاطفي في طريقة تعاطي الجمهور معنا. نحن في حاجة للنقد الذاتي لكي نتقدم، وإلا سنظل مكاننا. لا يكفي أن يكون الفنان فلسطينيا لكي نحب أعماله الفنية. *كيف يتم التعاطي معكم في رام الله؟ هل هي مدينة مفتوحة تماما امام أشكال الفن المعاصر؟ *هناك في رام الله خلل. خلل اجتماعي كبير له خلفية سياسية، وهو ممتد إداريا واقتصاديا. المشكلة الأكبر أنه لا يوجد في رام الله فضاء لعرض اعمالنا. ليس هناك ما يمكن أن يوفر لنا الاحتكاك مع الناس عامة. الاماكن التي يمكننا العرض فيها مخصصة للنخبة فقط. لا يمكننا أن نتواصل في ذلك مع المجتمع عامة، نريد ان نصل إلى عامة الناس. لو أردنا العرض في تلك الاماكن النخبوية في رام الله، فمن المؤكد أن الحاضرين لن يستمتعوا، لأن غرضهم يكون فقط بهدف الترفيه. هم يوفدون إلى مثل تلك الاماكن فقط لكي يمضوا وقتا مسليا وينصرفوا بعدها. وفي تلك الأماكن، سينزعج هؤلاء منا لأننا نستخدم كذلك صورة مشوشة، غير واضحة، وصوتا إلكترونيا احيانا يلامس الضجيج، وهو من طبيعة عملنا كموقف فني عام من أحداث العالم. الجيل الجديد يتفاعل معنا عموما بصورة إيجابية. في بيروت، الأمور أسهل. هناك فضاء أوسع ونستطيع التواصل مع شريحة مجتمعية أوسع بالطبع. ذلك متعلق بتلك الصلة التي تجمع اللبنانيين بالفن، وهنا تجد مساحة تعبير أعلى مما هي في رام الله. اما في فلسطين، فهذا الفضاء الشامل قيد الانشاء. لكن المفارقة مثلا، أننا أقمنا عرضا في بلدة قرب نابلس لاقى استحسانا لدى الجيل الاكبر سنا، والكهول مقارنة بالجيل الجديد. اولئك راوا أنفسهم قريبون من الحقبة الزمنية التي نتطرق إليها في الاعمال. شاهدوا تاريخهم بأم العين، لكن من وجهة نظر نقدية وفنية حديثة. ورحبوا بعرضنا كثيرا. اللافت أنهم تقبلوا النقد، ولم يعترضوا عليه. شعروا بان خطابا ما موجهاً صوبهم. تقبلوا هذا الشكل الفني لأنهم لم يروا فيه ترجمة فورية لأسلوب تعبيري غربي، بل شاهدوا مكون هذا العمل، والذي هو تاريخي وسياسي ويمس كل واحد منهم. اخر عرض اقمناه كان في رام الله، وردة الفعل كانت إيجابية جدا. وأراحنا هذا لانه يشكل أرضية للقبول. فما نقدمه في تشويش يتطلب من الجمهور جهدا فكريا وان يسأل هذا الجمهور أن يحاول الدخول في عمق العمل ويصبح شريكا معنا في الحوار الذي نقترحه من خلال العمل.