تصادم انصار الاصلاح مع انصار المقاومة دليل علي أزمة فكرية: مآلات المجتمع.. مآلات الأيديولوجيا
محمد شاويشتصادم انصار الاصلاح مع انصار المقاومة دليل علي أزمة فكرية: مآلات المجتمع.. مآلات الأيديولوجيا ما هو مصير مجتمعنا؟ الي أين تسير الأيديولوجيا العربية وما هو مآلها؟ ما هي القوانين التي تحدد هذا المسار؟ هل العوامل الداخلية أهم أم العوامل الخارجية في تحديد هذا المسار؟ هذه هي الأسئلة التي تطرح نفسها علي الفكر العربي الآن في الأزمة. من الطبيعي أن يشتغل الفكر علي أرضية أزمة وهذا ليس بمصيبة، المصيبة أن يكون الفكر نفسه مأزوماً، وهذا حال الفكر العربي الحديث. انه فكر لا ينقد نفسه، خاضع لردات الفعل والانتقالات المفاجئة بين النقائض، يقيم المتاريس بسهولة ولا يستطيع أن يحاور الطرف الواقع علي الجهة الثانية من المتراس، مثلاً أنصار المقاومة لا يحاورون أنصار الاصلاح الداخلي والعكس صحيح، وتميل النقائض الي السير في الاتجاهات المعاكسة للمطلوب، وباتجاه يناقض هدفها الأصلي الذي بدأت منه وفي التقابل بين من يريد الاصلاح الداخلي مع من يركز علي مقاومي الهيمنة الخارجية، رأينا أن أنصار الاصلاح يؤولون الي مواقع معادية للمقاومة مناصرة للتدخل الأجنبي، (هذا حال كثير من التلاميذ المفترضين لياسين الحافظ في سورية الذي كان رغم تركيزه علي تغيير البنية الاجتماعية وخصوصاً بنية وعي الطليعة السياسية لا يجعل هذا التغيير هدفاً بذاته يبرر حتي الاستعانة بالتدخل الخارجي ضد المجتمع ان رفض تغيير نفسه! بل كان الهدف أصلاً من التغيير عنده مقاومة الهيمنة الأجنبية بصورة ناجحة) ورأينا أنصار المقاومة يؤولون الي العداء للاصلاح ومناصرة الأنظمة بدعوي مقاومة التدخل الخارجي (هذا حال كثير من القوميين القدماء المتجمعين في المؤتمر القومي العربي ).المعني بمفهوم مآل المجتمع هو تلك الحركة الداخلية الخفية في جسم المجتمع التي تشبه سريان العمليات العضوية في الجسم النباتي والحيواني، التي تقود في لحظة ما الي تغير في وضع المجتمع باتجاه ما، هكذا كان المآل الي حركة الاحتجاج البروتستنتي موجوداً ويستطيع المراقب المحبو بقوة حدس أن يحس به في ألمانيا قبل حركة لوثر، وهكذا كانت النزعة الاشتراكية في روسيا القيصرية موجودة منذ ستينات القرن التاسع عشر حتي كان القيصر نفسه يسأل المثقف الذي يقابله من طبقة النبلاء (من شريحة الانتلجنتسيا ، وكما يعلم القارئ هذا الاسم روسي) أنت بالطبع اشتراكي؟ وتشير الي أن المآل الاجتماعي الروسي يسير بهذا الاتجاه، وهكذا كانت الطائفية حركة خفية في مجتمعات شرق المتوسط (وهي وفق تعبير برهان غليون في كتاب مجتمع النخبة ، معهد الانماء العربي ـ بيروت ـ 1986) مجتمعات ملغمة بالحساسيات ، حركة نحس بها دون أن تتجلي في أشكال سياسية ناطقة حتي نطقت في منتصف السبعينات في لبنان ثم سورية، وهكذا كان الانقلاب الرأسمالي محسوساً لكن كشبح في البلدان الاشتراكية في شرق أوروبا منذ عهد خروتشوف لكنه لم يتجل بوضوح حتي حركة التضامن البولونية في بداية الثمانينات، وقد ظل الشيوعيون مع ذلك بقسمهم الأكبر في حالة عمي عن هذا المآل رغم وضوحه في بيروسترويكا غورباتشوف ولم يصدقوا به حتي قام يلتسين بحل الحزب الشيوعي السوفييتي.أ ـ في التعلم من ابن خلدون: مآلات وعلامات للمآلات1 ـ مآل العصبيةلعل ابن خلدون كان من أول من أشار الي مآلات يؤول اليها المجتمع حين قال مثلاً الغاية التي تجري اليها العصبية هي الملك ( المقدمة ـ الباب الثاني ـ الفصل السابع عشر)، وفسّر ذلك بأن هناك ضرورة لوجود الحاكم الذي يزع بعض الآدميين عن بعض، وهذا الحاكم لن يقدر علي ذلك الا ان استظهر بعصبية تمكنه من التغلب عليهم وقهرهم في أحكامه، ثم يقول: وصاحب العصبية اذا بلغ الي رتبة طلب ما فوقها، فاذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع ووجد السبيل الي التغلب والقهر لا يتركه لأنه مطلوب للنفس ولا يتم اقتدارها عليه الا بالعصبية التي يكون بها متبوعاً، فالتغلب الملكي غاية للعصبية ، وكما يري القارئ يعيد ابن خلدون هذا المآل الحتمي للعصبية أو بتعبيره الغاية التي تجري اليها الي أصل مصلحي عام يقتنع به البشر من تجربتهم وهو ضرورة الحاكم، ولكن هذا الأساس الذي يبني عليه ليس مأخوذاً من منظومته المعرفية ولا من نظريته الخاصة بل هو قديم، وربما كان مأخوذاً من كتب السياسة الفلسفية الموروثة منذ أفلاطون وأرسطو، لذلك فهو لا يدخل بشكل منطقي مقنع ضمن التسلسل الذي يصفه، وليس هو الأصيل في نظرته، وانما يبدأ الوصف الأصيل، الخلدوني بحق، اعتباراً من رتبة السؤدد التي يبلغها صاحب العصبية ، وهي عند البدو كما هو معلوم رتبة يمارس صاحبها نفوذاً طوعياً غير قهري علي أبناء عصبيته، لكنه لا يكتفي بهذا علي حد زعم ابن خلدون، بل لأسباب نفسية حتمية اذا وجد السبيل الي التغلب والقهر لا يتركه لأنه مطلوب للنفس! وحيث أنه قادر علي التغلب فان السيرورة الاجتماعية ـ السياسية لا محالة ستؤول الي الملك القهري، ولا جدوي من محاولة تغيير هذا القدر.وفي مواضع أخري يتكلم ابن خلدون بعدوانية كبيرة عمن حاول اقامة الحق دون الالتفات الي قوانين بناء الدولة التي اكتشفها ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فان كثيراً من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون الي القيام علي أهل الجور من الأمراء داعين الي تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاءً في الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتلثلثون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم وانما أمر به حيث تكون القدرة عليه. قال صلي الله عليه وسلم: من رأي منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه ، وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها الا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر. ووصفته في مداواة هؤلاء هي التالية: الذي يحتاج اليه في أمر هؤلاء اما المداواة ان كانوا من أهل الجنون واما التنكيل بالقتل أو الضرب ان أحدثوا هرجاً واما اذاعة السخرية منهم وعدهم من جملة الصفاعين ! ( المقدمة الباب الثالث ـ الفصل السادس).مآل هذه الحركات الشعبية التي لم تستند الي عصبية هو الي الاخفاق، ويبدو أن الشيخ لم يكن يغفر الاخفاق، وهو يعيد هنا بصورة نظرية معقدة، ومن منظور جديد مستند الي علم العمران الذي اكتشفه هو وارتاد آفاقه منفرداً، التحريم السني المعروف للخروج علي الحاكم، دون أن يتركنا مع ذلك نفهم علي وجه التحديد، لم كان هؤلاء الذين خرجوا في ظروف اجتماعية عسيرة سادتها المظالم والتعديات مأزورين غير مأجورين ! لأن المجتهد في شرع الاسلام قد يؤجر وان أخطأ!2 ـ علامة علي مآل السقوط، الاستلاب كمؤشر لمآل انهياريواذا كان ابن خلدون تكلم هنا عن مآل سياسي ـ اجتماعي لظاهرة اجتماعية هي ظاهرة العصبية فانه في مكان آخر يكتشف بألمعيته المعتادة قانوناً لعلامات يعرف منها مآل المجتمع، وبالتحديد علامة تدل علي أن مآله الي الهزيمة أمام أعدائه، وهذا حين يقول ان المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده ، فالمغلوب يعتقد الكمال في الغالب، كاعتقاد الابن الكمال بأبيه فلذلك هو يقلده، وكذلك يتزيي أهل المدينة بزي القوي التي تستولي علي مدينتهم، ثم يضرب مثلاً علي هذا القانون فيطلق هذا التنبؤ بحق الأندلس قبل سقوطها الأخير بأكثر من قرن: حتي أنه اذا كانت أمة تجاور أخري ولها الغلب عليها فيسري اليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فانك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتي في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتي لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله ! ( المقدمة ـ الباب الثاني ـ الفصل الثالث والعشرون).وقد كان اللبيب في زماننا (ليس الشيوعيون!) قادراً بناء علي هذه العلامة علي التنبؤ بمآل المجتمع السوفييتي الي الانهيار والسقوط في أحضان الرأسمالية لأن المجتمع الرأسمالي الغربي، لا سيما بشكله الخارجي الأكثر جاذبية للمواطنين السوفييت ونظرائهم في البلدان الاشتراكية وهو شكل المجتمع الاستهلاكي، كان مثلاً أعلي يقلده الناس قدر امكانهم ويتمنون الوصول اليه، وهذا ما كان يراه بوضوح كل زائر لتلك البلاد، وحين بدأت البيروسترويكا استغربت شخصياً الحماسة التي أبداها الشيوعيون في بلادنا لحركة طابعها الرأسمالي واضح ومآله الرأسمالي بيّن، والطابع الرأسمالي للبيروسترويكا الذي سيؤول الي انهيار الاشتراكية بالنسخة السوفييتية رأته مارغريت ثاتشر مثلاً حين طلبت من الغرب دعم غورباتشوف ولكن لم يره الشيوعيون بشتي أصنافهم عندنا!، لا أولئك المنتمون الي الخط السوفييتي ولا حتي التروتسكيون بزعامة أرنست ماندل الذي نفي نفياً قاطعاً امكانية تفكك هذا المجتمع البيروقراطي وتحوله الي مجتمع رأسمالي! وقد عومل من كان يشير الي الطابع الرأسمالي الواضح للتحول الغورباتشوفي ومنهم الفقير لله كاتب هذه السطور بعداء من قبل الشيوعيين، وأذكر أنني في عام 1989 وكنت يومها في لبنان سمعت محامياً ناصرياً يعبر عن رأيه في البيروسترويكا التي كانت وفق الترجمة العربية اعادة البناء بخجل وتردد في محفل شيوعي من اليسار الجديد وبلغة اعتذارية: ليعذرني الأخوة الشيوعيون ان قلت انني لا أري اعادة بناء وانما أري هدماً وتخريباً! ، أما مجلة الأحزاب الشيوعية العربية النظرية، مجلة النهج ، فكانت تحتفل بهذه الحركة ومعها الشيوعيون المقتنعون بعمي منقطع النظير أنهم يشهدون تجديداً ثورياً خلاقاً في الاشتراكية! ومع هؤلاء بصورة غريبة كانت الشيع التروتسكية التي كان ينتظر منها بعض النقد كونها غير مربوطة (شأن الشيوعيين التقليديين ومن التحق بهم من اليسار الجديد) بمعتقد عصمة الاتحاد السوفييتي المطلقة عن الخطأ واحتمالات الارتداد!.لنقل اذن ان مآل المجتمع يمكن اكتشافه ان اتضح لنا أنه مستلب لمجتمع آخر، وبمصطلح الاستلاب أعني هنا كما في جميع الأماكن الأخري، القناعة الداخلية العميقة بالدونية تجاه الآخر، وأن الآخر متفوق بطبيعته وبشكل غير قابل للتغيير علي الذات بحيث يصبح أملها الوحيد في الخروج من الوضع الدوني الذي هي فيه هو التماهي مع هذا الآخر. في حال الاستلاب نحكم أن مآل المجتمع هو الانهيار ككيان وهوية مستقلة والالتحاق بالمرجع الاستلابي التحاقاً سياسياً أو حضارياً.ولو كان الاسلامانيون دقيقين في رصد ظواهر الصحوة لرأوا بوضوح علامات الاستلاب عند الصاحين !، ألم يروا الي احتفال الدعاة بألقاب الدكتوراه، وكان المفروض أن كلمة عالم أو شيخ تغنيهم عن هذا اللقب الغربي قلباً وقالباً!ولو نظرت الي المحجبات لرأيتهن ينزعن الحجاب حيث يمكنهن ذلك شرعياً (مثلاً في البيت أو في الحفلات النسائية (ويسارعن الي ارتداء آخر ما أمكنهن الحصول عليه من صيحات الموضة الغربية، وهذا ما لم تكن تفعله جداتنا وأمهاتنا بحال، فقد كن منسجمات مع أنفسهن وذوقهن الجمالي كان محلياً، فالزي المعتمد عندهن للحفلات كان الزي المحلي الملتزم بتقاليد الحشمة المعروفة، وما كن ليلبسن الملابس غير المحتشمة حتي لو كن لوحدهن)!.وفي هذين المثالين نري علامتين علي استلاب عميق و انعدام توازن اجتماعي (واستعرت هنا قصداً عنوان كتاب للشيخ جودت سعيد يطرح فيه مشكلة الشعور بالمنبوذية عند المحجبات).ب ـ مآلان للتيارين الأساسيين في الأيديولوجيا العربية المعاصرة: الالتحاق بالأنظمة أو الالتحاق بالغرب:1 ـ حلف الحداثة ضد الشعب في كتاب مجتمع النخبة يقول برهان غليون ان النخب العربية التي عانت من هزيمة قاسية أمام الصهيونية وحلفائها في الستينات ثم السبعينات ساقت سببين لتبرير انهيار الحركة الوطنية: الأول هو ضخامة الهجمة الامبريالية والثاني هو تخلف الشعب الفكري وجموده وعدم استجابته للشعارات الثورية ، وحين استندت النخبة الي الحجة الأولي حولت الهزيمة الي انتصار، اذ أن مجرد البقاء في ظل جبروت هذه الهجمة هو انتصار، والتراجع مبرر بضرورات الحفاظ علي الذات، أما استعمال الحجة الثانية فيمتح من معين الاستشراق لأنه يسترجع الحجة الاستشراقية القديمة التي ترجع انحطاط الشرق وتخلفه الي الخصائص الجمودية والركودية والجبرية التي تميز شعبه.لا شك أن الحجتين لا تبدوان منسجمتين، فالأولي حجة ثورية من طبيعتها التغزل بالشعب ومصالحه بل و بطولته ، أما الثانية فكما يري القارئ هي حجة استسلامية تتميز بالعداء للجموع، غير أن برهان غليون يري أن الطبقة الوسطي التي تصدت للقيادة في تلك المرحلة استعملت كلتا الحجتين، الأولي لتبرير التراجع ولقمع كل اعتراض اجتماعي، فمن يستطيع في مرحلة ازدياد الهجمة الامبريالية أن يطالب بالديمقراطية أو زيادة الأجور دون أن يعرض نفسه لشتي الأوصاف، ثم بعد ذلك من يستطيع أن يتهم قيادة ما بالعجز والجبن والاستسلام وهي التي خاضت معركة غير متكافئة، دون أن يخدم مصالح الامبريالية ويطالب بتدمير ما تبقي من جيش وعتاد وأرض؟ وأما الحجة الثانية فتستخدم لتبرير التعاطي مع الامبريالية وهي تمهيد للفاشية، وتتوجه للشريحة المثقفة لتحريضها علي الجموع ولعزلها عن التعاطف معهم وهي تهدف لعزل المجتمع العصري عن المجتمع التقليدي في حلف الحداثة ضد الشعب .هذا الحلف تغير شكله في زماننا هذا، فبعد الصعود الاسلاماني دخل مثقفون كثر في حلف باسم الحداثة ضد الشعب، ولم يكن حلفهم بالضرورة مع الأنظمة (رغم وجود مثل هذا الحلف في بلاد المغرب العربي ولا سيما الجزائر وتونس، ووجوده جزئياً في لبنان الآن) بل صار حلفهم مباشراً مع القوي العالمية المهيمنة، وهذا كنا رأيناه بعد حرب الخليج في الحركة السياسية العراقية المهاجرة والكردية وله مقدمات في الحالة السورية أيضاً.2 ـ مع الأنظمة أم مع أمريكا؟في الثقافة العربية المعاصرة معسكران أساسيان متمايزان، بل هما متناقضان من حيث المنطق الصوري، ولكنهما في الوقت نفسه متكاملان بحكم جدلية تشكل المجتمع العربي الحديث الذي اضطرت طليعته الفاعلة للنضال علي جبهتين متمايزتين: جبهة تغيير الذات لتتناسب مع هدف هذه الطليعة وهو تكوين مجتمع واحد متماسك قادر علي البقاء في العالم الحديث، وقادر علي الاستجابة لتحديات هذا العالم، وجبهة مقاومة التدخل الاستعماري الخارجي المستمر الذي هدفه عرقلة عملية هذا التكون والقضاء علي الروح العنيدة المحركة للحركة الاجتماعية المؤدية الي هذا الهدف، بحيث تنهار هذه الروح وتنشأ بدلاً منها روح ممزقة متخبطة لا تعرف طريقها، بل هي في حالة عماء وفوضي.وتمايز هذين المعسكرين الأساسيين، بل تناقضهما الظاهر لا ينفي أنهما في معظم الحالات متداخلان بحكم الضرورة العملية، لكنهما ينزعان أحياناً الي أخذ الحد الأقصي وهو حد التضارب، وهو ما جعل مثلاً ممثلاً بارزاً لاتجاه تغيير الذات وهو مالك بن نبي يستهين بكتاب فرانتز فانون المعذبون في الأرض وبدفاعه اللاهب عن التغيير في الذات الذي يحدثه حمل السلاح في انسان المستعمرات، وجعل في المقابل منظراً بارزاً لاتجاه التركيز علي مقاومة الفعل الخارجي هو منير شفيق لا يتفهم أطروحات دعاة المجتمع المدني ، بل لا ينجح (وهو الألمعي المعروف) في الاستشهاد بمقولات هؤلاء بمصطلحاتها الخاصة بشكل صحيح (واشارتي هنا الي المواجهات التي واجه بها هؤلاء في قناة الجزيرة مثلاً)، والأستاذ شفيق يضع واقعة التجزئة والتدخل الخارجي في أساس المشاكل التي يواجهها المشروع التاريخي العربي، ويري أن كل بحث في اصلاح داخلي عبث ما لم يتم دحر العامل الخارجي أولاً.هذان اذن هما المركزان الأصيلان للثقافة العربية المعاصرة، الثقافة المخلصة التي لا ينطلق أصحابها الا من تبن عميق لهدف النهضة، وفي سبيل هذا الهدف انتهج هؤلاء طريقين مختلفين متباينين، وان كانا كما قلت لا يستبعدان احتمال الوحدة التكاملية بينهما.لكن علي هامش هذين المعسكرين الأصيلين هناك طفيليات تدعي الانتماء لواحد منهما، رغم أنها في الحقيقة غريبة عن الروح العظيمة المحركة لهما.علي هامش ثقافة المقاومة يعمل عملاء أنظمة مستبدة أثبتت تاريخياً أنها مستعدة لبيع أي شيء في سبيل بقاء الكرسي، وما جعل عمل هذه الطفيليات ممكناً شكلياً، هو استعمالهم لمقولات الثقافة المقاومة كسلاح ضد نقاد الأنظمة في الداخل الذين ضجوا من حالة الاستبداد والفساد، فرفعوا شعار التغيير في النظام السياسي والاقتصادي القائم في سبيل نظام أفضل منبن علي شرعية حقيقية تأتي عبر تعبير حر عن الرأي لا علي شرعيـــــة الدبابة والمدفع، في وجه هؤلاء النقاد تستورد مقولات الفكر المقاوم عن دور الخارج في عرقلة التنمية، والمخاطر الخارجية التي تبـــــرر استمرار الاجراءات الاستثنائية في التعامل مع المجتمع الذي ربطوا فمه ومنعوه من كل تعبير حر، بحيث تذرر المجتمع ووصل الي حالة من فقدان الثقة بالنفس لم يصل اليها قط في عهود الاستعمار المباشر القديم.وعلي هامش دعاة تغيير الذات تعمل طفيليات تحاول النطق بلسان هذا المعسكر الثقافي الأصيل: معسكر ثقافة التغيير المتموضع في مقابل المعسكر الأول، معسكر ثقافة المقاومة .هذه الطفيليات لا تريد التغيير حقاً، بل تريد فحسب أن تعمل ضد ثقافة المقاومة ، فتتنكر بثياب ثقافة التغيير لعدم مقدرتها علي مواجهة الرأي العام بزيها الأصيل: زي عملاء التدخل الاستعماري الخارجي.لو ظل الانقسام بهذا الوضوح لقلنا انه ما من مشكلة تذكر في الثقافة العربية المعاصرة، ولكن المأساة (ان أحببنا دفع التوصيف الي حده الأقصي بهدف التنبيه علي الخطورة!) تكمن في أن العدو صار ضمن البيت ولم يبق علي الهوامش.لو نظرنا الي أبرز مثال عملي علي ثقافة المقاومة وهو حزب الله لوجدنا أن هذه التجربة الكبيرة المتقنة، التي نالت تعاطفاً شعبياً واسعاً علي امتداد الوطن العربي، تعاني من علة داخلية وخيمة من شأنها أن تدفع هذه الثقافة في اتجاه يتناقض مع الهدف المشروع للمقاومة العربية الذي هو كف مفاعيل التدخل الخارجي ليمكن بناء بديل حضاري ذاتي.هذه التجربة الكبيرة التي كان من شأنها أن تثبت امكانيات العقلنة الدينية النهضوية، بخلاف المصادرة الشائعة عند خصوم التيار الاسلاماني خصوصاً التي تضع العقلنة في مقابل الدين، تحولت عملياً بسبب بنائها علي أرضية الولاء المطلق للولي الفقيه في ايران وعلي أرضية الولاء الطائفي الشيعي في اتجاه مناصرة قوي طائفية متعفنة وظيفتها الموضوعية تنفيذ شعار العدو الكبير لحزب الله ألا وهو الصهيونية!ولو نظرنا الي مثال حركة سياسية أخري انطلقت من أرضية التغيير الداخلي بهدف وطني (ولذلك سمي التجمع السياسي الذي يجمع قواها التجمع الوطني الديمقراطي ) وهي الحركة المعارضة السورية لرأينا مواقف غريبة من المناضل الكبير رياض الترك، فهو عرضة دائمة لرغبة بمعاكسة النظام السوري، حتي حين لا تتناسب هذه المعاكسة مع المصالح الأساسية للقطر السوري نفسه، أو مع المبادئ العامة لحركة التحرر العربية، فقد أيد علي التوالي الحركة الطائفية المعارضة في نهاية السبعينات تأييداً عملياً ولو بمجرد السكوت عن طابعها الوخيم الذي لا يقل سوءاً عن طائفية الطرف الآخر، ثم أيد كل من اختلف مع النظام سواء أكان النظام العراقي السابق أم المرحوم عرفات واستمر علي ذلك، وهذا يشير الي أن هذه الحركات التي كانت في الأصل تختلف مع الأنظمة علي أرضية وطنية، بل تختلف معها لأنها ليست وطنية بما فيه الكفاية، صارت الآن تري في الخلاص من الأنظمة هدفها الوحيد حتي لو كان البديل هو الأسوأ والأشد خطراً وضرراً علي المدي البعيد.وسأضرب أيضاً مثالاً لمآل أيديولوجيا وطنية هي تلك الأيديولوجيا الوطنية التي عبر عنها طويلاً الدكتور رفعت السعيد في مصر، فهو الآن عملياً تحول الي المآل الاستئصالي الشبيه بما آل اليه بعض اليسار الجزائري حيث أصبح الاخوان المسلمون هم البعبع الذي يمكن التحالف حتي مع الحكومة الفاسدة التابعة ضده.وأخيراً سأذكر المآل المبشر الذي آل اليه بعض المثقفين الشرفاء في اليسار الذين قرروا الوقوف مع المجتمع والهوية محتفظين من اليسار بموقفه المناصر للفقراء وضحايا الاستغلال المحلي والعالمي وهو التيار الذي أراه له المستقبل كما يعبر عنه أناس من أمثال جلال أمين و عبد الوهاب المسيري في مصر (ويتجلي في مفاهيم حركة كفاية و حزب الوسط الجديد ) ومفكرون آخرون عديدون في الوطن العربي لهم الاتجاه نفسه.ہ كاتب من فلسطين يقيم في برلين8