الناصرة- “القدس العربي”:
يؤكد النائب اليهودي الشيوعي في الكنيست عن القائمة المشتركة عوفر كاسيف أن ما يجري في حي الشيخ جراح هو جزء من مسلسل التطهير العرقي الإسرائيلي في القدس المحتلة لكنه يرى أنها أيضا محاولة لتفكيك الائتلاف الحاكم من خلال إشعال حريق جديد بين العرب واليهود في البلاد.
في حديث لراديو الناس الذي يبث من مدينة الناصرة قال كاسيف إن أيادي رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو تقف خلف استفزاز الفلسطينيين في الشيخ جراح ضمن محاولاته خلق أزمة كبيرة من شأنها أن تحرج القائمة العربية الموحدة ودفعها بضغط الشارع العربي للخروج من الائتلاف الحاكم وإسقاطه.
ويبدو أن هذه الرؤية لها ما يبررها ويدعمها فقد كشف النقاب الثلاثاء عن استعداد عضو الكنيست العنصري المتطرف إيتمار بن غفير للقيام بزيارة استفزازية مع ناشطين متطرفين يهود لمدينة شفاعمرو داخل أراضي 48 الأربعاء بذريعة التعرف على معالم يهودية في المدينة. بن غفير الذي يقود عمليات الاستفزاز في الشيخ جراح سبق وشارك في استفزازات مشابهة وسيقود هو ونواب من حزبه المتطرف (الصهيونية الدينية) زيارة شفاعمرو.
من جهتها تنادت الفعاليات السياسية في شفاعمرو لمواجهة زيارة المتطرفين اليهود والتصدي لهم فيما يدعو رئيس بلديتها عرسان ياسين لتجاهلهم خلال زيارتهم تحاشيا لصب الماء على طاحونتهم كما قال هو الآخر في تصريحات إعلامية. وربما تم اختيار شفاعمرو دون سواها عن قصد بسبب حساسية بالغة للزيارة بعدما كانت قد شهدت مذبحة ارتكبها مستوطن يهودي بحق ركاب حافلة من أهلها عام 2005 مما يجعل زيارة المتطرفين اليهود مجددا استفزازا خطيرا من شأنه أن يشعل مواجهات متزامنة مع التوترات والصدامات في القدس وهذا ما يثير مخاوف رئيس حكومة الاحتلال الذي عبر عن قلقه من البحرين من إشعال التوتر في الشيخ جراح داعيا كل الأطراف السياسية لعدم زيارة المكان وتمكين الشرطة وحدها من متابعة “الإخلال بالقانون من أي جهة كانت”.
وانضم وزير خارجية الاحتلال ورئيس الحكومة البديل يائير لابيد لهذه المخاوف وأعرب عن قلقه في حديث للإذاعة العبرية العامة أمس الثلاثاء وأشار لخطورة تكرار المواجهات الساخنة الدموية بين العرب واليهود في مايو/أيار الماضي.

هبة الكرامة
“نحن نستبدل الشرطة والجيش… نحن في حرب الاستقلال”، هكذا عبر قائد عصابة يهودية من المسلحين بمسدسات وأسلحة رشاشة مكونة من مستوطنين يهود جاؤوا من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية بين النهر والبحر، مع اختفاء واضح للخط الأخضر، لـ”استعادة الردع اليهودي” و”مهاجمة العرب” و”لمساندة وحماية اليهود من الهجمات العربية”، خلال أحداث هبة أيار من العام الماضي.
وفي هذا المضمار يتوقف المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) عند المواجهات المذكورة ويقول إنها اندلعت على خلفية عمليات التطهير العرقي في حي الشيخ جراح في القدس وحي العجمي في يافا والضفة الغربية وغيرها من ممارسات المستوطنين وسياسات الدولة الإسرائيلية الاستعمارية الاستيطانية بحق الفلسطينيين في تجمعاتهم الأربعة على امتداد فلسطين التاريخية، ووصلت ذروتها في اندلاع الحرب على غزة، ومواجهات مع الاحتلال ومستوطنيه عمت كل التجمعات الفلسطينية، التي باتت وحدة واحدة في مواجهة منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلية، وتجلى ذلك بصورته الأوضح في إضراب يوم 17 أيار الذي عم أرجاء فلسطين بين النهر والبحر.
الميليشيات المسلحة
ويركز مدار في تقرير جديد على ظاهرة برزت خلال الهبة المذكورة، ظاهرة الميليشيات المسلحة لقطعان المستوطنين الذين هاجموا العرب وممتلكاتهم في مدن اللد والرملة ويافا وغيرها من المدن والبلدات الساحلية، وجاء جزء كبير منهم من مستوطنات شمال الضفة الغربية، وأقاموا في مقرات ومبان تم توفيرها لهم من قِبَل الدوائر الرسمية الإسرائيلية (مبنى رئاسة بلدية اللد مثلا) والتي شهدت عملية شبيهة بـ”التعبئة الحربية”، لكن على شكل ميليشيات وعصابات مسلحة، استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي للحشد والتعبئة والتحريض على قتل العرب وحرق ممتلكاتهم، في إطار ما عُرف بعمليات “حماية يهود اللد من العرب” و”تطهير اللد من العرب”.
دعم رسمي
وتُشير بعض التقارير الإسرائيلية، وهي محدودة، إلى أن ضباط احتياط -قادة وحدات وكتائب في الجيش الإسرائيلي- أشرفوا على عمليات هذه المجموعات التي ينحدر غالبية أعضائها من تيار الصهيونية الدينية ووصلوا إلى اللد من المستوطنات الإسرائيلية الجاثمة على أراضي الفلسطينيين شمال الضفة الغربية، أو ما يُعرف بـمستوطنات “سفوح الجبال”، بشكل حول هذه المباني لما يُشبه “القلاع اليهودية”، يتم فيها تحديد الأهداف العربية التي سيتم مهاجمتها وفق خطط وتعليمات شبيهة بالخطط العسكرية.
مستوطنات سفوح الجبال
وتُصنف مستوطنات “سفوح الجبال” إسرائيليا على أنها مستوطنات أيديولوجية، تضم تيار المستوطنين الأكثر تطرفا وعنصرية؛ إذ يتبنى هؤلاء الفكر الاستيطاني الصهيوني، ذا الطابع الديني- القومي، كأيديولوجيا ونمط حياة، ويُكنون العداء الشديد للعرب، يتمثل ذلك في انضواء هؤلاء ضمن مجموعات إجرامية مثل “شبيبة التلال”.
ومستوطنات “سفوح الجبال” هي “إيتمار”؛ “ألون موريه”؛ “هار براخا” و”يتسهار” بالإضافة إلى المستوطنتين الزراعيتين “جفعات عولام” و”حفات جلعاد”، وتقع في المنطقة التي تضم قرى عقربا، حوارة، بيتا، عورتا، عصيرة القبلية، عينبوس، عوريف، بورين، عزموط، سالم ودير الحطب الفلسطينية إلى الشرق من مدينة نابلس.
استيطان القلوب
ويشير التقرير إلى أن هذه العصابات تشكلت من خليط المستوطنين القادمين من مستوطنات “سفوح الجبال”، وتحديدا مستوطنة “يتسهار” وعلى رأسهم المستوطن اليميني المتطرف عكيفا هكوهين، بالإضافة إلى مستوطني المدرسة الدينية التابعة للصهيونية الدينية في مدينة اللد، التي أُقيمت ضمن ما يُعرف بمشروع “استيطان القلوب” الاستيطاني والذي تُرجم عمليا في إقامة عشرات مشاريع “النواة التوراتية” في كل واحدة من المدن الساحلية -“المدن المختلطة” بحسب التسمية الإسرائيلية- كذلك أعضاء جمعية “لافاميليا” اليمينية المتطرفة وغيرهم. ويقول أحد أفراد العصابات التي هاجمت اللد في هذا السياق “أما الآن فالأمر مختلف؛ إنهم أي الفلسطينيون في اللد يتلقون الروح المعنوية والدعم من غزة… نحن في حرب في قلب الدولة”.
وفي تقرير “مدار” يُشير الباحث أنس إبراهيم في معرض البحث في الخلفيات النظرية للبلطجة الاستيطانية إلى أنه بموازاة الأحداث التي شهدتها فلسطين من البحر إلى النهر، تولد شعور يهودي بقلق “سيادي”، وهو ما دفع السلطة الرسمية في إسرائيل للسماح بـِ، وتفويض، فاعلين “غير رسميين” -المستوطنين- “بحيازة امتيازها الحصري بممارسة العنف وحيازة أدوات إنتاجه”، عبر الاستعانة بالمليشيات الاستيطانية اليهودية في عملية “استعادة السيطرة” على المدن والبلدات في الداخل. كذلك استعادة الردع الصهيوني في ظل “تمرد العرب” ضد المؤسسة الرسمية، وتفعيلها لارتكاب جرائم القتل وإحراق الممتلكات والمساجد والتهديد بارتكاب المجازر، في إطار عملية يأخذ المستوطنون فيها على عاتقهم مهمة حماية النظام السياسي والحفاظ عليه، إلى حد تقويمه وإرجاعه إلى مساره الاستعماري الصهيوني الأولي المُتفق عليه يهوديا؛ والقاضي باستعمار فلسطين بأكملها والاستيطان فيها والسيطرة عليها، وتصحيح أي انحراف عن هذا المعيار. ويخلص إبراهيم إلى أن هذه العملية لا يُمكن وصفها وتفسيرها بالقصاصية التي يطرحها بعض المعلقين اليهود بل بالبلطجة الاستيطانية.
العودة لنقطة البداية
وترى مديرة مركز “مدار” دكتورة هنيدة غانم أن هذا الوضع سيظل قائما ومفتوحا على سيناريوهات وخيارات قد تتجاوز خيارات سياسية للفلسطينيين قائمة في الوقت الحالي، طالما استمرت العلاقة الجدلية بين الاستيطان والاحتلال من جهة، وبين الاستيطان والمواطنة من جهة أخرى، وفق ما هو قائم في الوقت الراهن، وهي قد تكون كفيلة، إلى جانب عوامل أخرى، بإعادة موضعة المسألة الفلسطينية في السياق التاريخي المُمتد منذ أكثر من قرن، ويُعيد القضية الفلسطينية إلى “مربع الصراع الأول، نقطة البداية”.