الناصرة- “القدس العربي”: تتواصل الاتصالات بين قادة الأحزاب في إسرائيل من أجل محاولة الإفلات من الأزمة الائتلافية وتشكيل حكومة جديدة وسط سباق بينهم من يكون بيده أكبر عدد ممكن من التوصيات عليه بصفته مرشحا لرئاسة الحكومة وينتهي هذا السباق يوم الإثنين القادم الموعد النهائي لتلقي رئيس إسرائيل توصيات الأحزاب قبيل تكليفه أحد رؤسائها بإقامة حكومة.
وما زالت كافة السيناريوهات مفتوحة على مصراعيها. فهناك من يرجح نجاح بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة ضيقة بدعم خارجي من القائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس أو من خلال ضم منشقين له من أحزاب أخرى. في المقابل من يرى أن مأزق نتنياهو هذه المرة أصعب من الجولات الثلاث السابقة التي فشل فيها تشكيل حكومة مستقرة وبالتالي يرجح كفة تشكيل حكومة بيد خصومه في اليمين والمركز واليسار يتناوب على رئاستها رئيس حزب “هناك مستقبل” يائير لابيد، وحزب “يمينا” نفتالي بينيت بدعم من القائمة الموحدة وربما بعض نواب المشتركة أو بدون النواب العرب من خلال انتقال حزب “يهدوت هتوراه” المتزمت من معسكر نتنياهو التقليدي إلى المعسكر المناهض له. أما رئيس حزب “أمل جديد” بقيادة جدعون ساعر الذي انشق عن الليكود، فرفض كل إغراءات نتنياهو ومنها التنازل عن رئاسة الحكومة بعد عام، مشددا على أنه لم ينضم لنتنياهو وأنه شخصيا لا يرى نفسه مرشحا لرئاسة الوزراء، وحاليا يقوم هو بدور الموفق بين رؤساء الأحزاب الأخرى لتشكيل ائتلاف جديد بدون الليكود.
وقال رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان، إنه سيوصي بتكليف رئيس حزب “يوجد مستقبل” يائير لابيد لتأليف الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وأضاف ليبرمان في بيان نشره في حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أمس أن حزبه سيقدم مشروع قانون ينص على وجوب استقالة أي رئيس حكومة تقدَّم بحقه لائحة اتهام، ومشروع قانون آخر يقضي بتقييد شغل منصب رئيس الحكومة بولايتيْن فقط.
وكان ليبرمان عقد اجتماعاً مع لابيد يوم الجمعة الفائت. وقال مصدر مسؤول في “يوجد مستقبل” إنهما اتفقا على البقاء على اتصال وعقْد اجتماع آخر قريباً. وجاء هذا الاجتماع ضمن الجهود التي يبذلها رئيس “يوجد مستقبل” لحشد التأييد له كي يسند رئيس الدولة رؤوفين ريفلين إليه مهمة تأليف الحكومة أولاً. وعقد لابيد اجتماعين مع رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس، ورئيسة حزب العمل عضو الكنيست ميراف ميخائيلي. كما تُبذل مساع لإقناع رئيس حزب “يمينا” نفتالي بينيت بالانضمام إلى المعسكر المعارض لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في مقابل توليه منصب رئيس الوزراء بالتناوب.
بيضة القبان
من جهته قال رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس إنه يرى بقائمته “بيضة القبان” ومنفتح على عروض من قبل كلا المعسكرين، وأن ما يحسم أمره هو مدى استعداد كل منهما لتلبية مطالب القائمة الخاصة بفلسطيني الداخل، مثل خطة حكومية لمكافحة العنف، ووقف هدم منازل العرب، وتوسيع مسطحات البناء في البلدات العربية، والاعتراف الرسمي بالقرى البدوية في النقب غير المعترف بها حتى الآن وبقيت محرومة من الماء والكهرباء.
وسوّغ منصور موقفه “البراغماتي” هذا بالقول إنه لم يعد هناك يمين ويسار صهيوني في إسرائيل، ولا مجال للتمييز بين المعسكرين، وأن الذهاب إلى الكنيست يقتضي مواقف عملية لينة لخدمة جمهور الهدف الذي ينتظر حلولا لمشاكله الملحة، في إشارة لفلسطينيي الداخل الذين يرغبون بسياسة التأثير وعدم الاكتفاء بالتمثيل السياسي كما تؤكد استطلاعات رأي ودراسات كثيرة.
في المقابل علمت “القدس العربي” أن اتصالات ومفاوضات رسمية ستجري فعلا اليوم بين مندوبين عن “الليكود” وبين القائمة العربية الموحدة. من جهتم التقى أمس رؤساء مكونات القائمة المشتركة أيمن عودة وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة للتداول في موقف القائمة من موضوع تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل. وقالت النائب عايدة توما من المشتركة لـ”القدس العربي” إن التوصية السابقة على رئيس حزب “أزرق- أبيض” بيني غانتس عقب انتخابات 2020 جاءت بعد نقاشات كبيرة داخل القائمة المشتركة. منوهة أن ذلك تسبب بخيبة أمل بعدما انقلب على نفسه وعلى المشتركة وانضم لليكود وشكّل حكومة وحدة وطنية معه. وتابعت: “لذلك نحن لن نسارع للتوصية على أحد وننتظر ممن يرغب بالحصول على دعمنا أدلة على أنه مختلف في طروحاته وبعيد عن مواقف الليكود”. وجاءت هذه الإشارة عقب توّجه رئيس حزب “هناك مستقبل” يائير لابيد للقائمة المشتركة طالبا اللقاء بمندوبيها للتباحث في طلبه بالتوصية عليه.
الطيبي: لا لنتنياهو
يشار إلى أن لابيد حاز على دعم الأحزاب “إسرائيل بيتنا”،”العمل”، “ميرتس”. فيما تتواصل الاتصالات مع حزب “أزرق- أبيض” ومع “أمل جديد” و”يمينا”. ومن المنتظر أن يتسلمّ رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين غدا الأربعاء كافة التوصيات ليقرر خلال أيام من سيختار من بين المرشحين بناء على التوصيات التي سيتلقاها.
وقال الطيبي لـ”راديو الناس” الذي يبث من مدينة الناصرة، أمس: “اجتمعنا نحن رؤساء المشتركة اليوم قبيل اللقاء مع لابيد وتباحثنا في التحركات السياسية في البلاد، خاصة أن الأمور غير واضحة حتى الآن. ولذلك لم نحسم أمرنا بعد ونريد إسماع موقفنا بعد سماع المواقف ونأخذ بالحسبان ما حصل في الماضي أيضا من هذه الناحية”. وقال الطيبي إن حركته “الحركة العربية للتغيير” “لها اجتهادها ولم تبلوره بعد، ولا أعرف إذا كانت التوصية على أحد المرشحين هي أهم شيء هذه المرة، خاصة أن الصورة معقدة وضبابية وغير محسومة إلا بانتقال بعض النواب من هذا المعسكر للمعسكر المنافس”. معتبرا أن “الانتخابات الخامسة إمكانية واردة طبعا في ظل الصورة السياسية المعقدة”. وردا على سؤال، قال الطيبي إن “القائمة المشتركة تلغي أي تعاون مع محور نتنياهو سموطريتش وبن غفير”. في المقابل أبدى استعداده للتعاون مع القائمة العربية الموحدة من أجل فحص إمكانية تعاون مشترك في المفاوضات مع يائير لابيد.
وحول أسباب انهيار القائمة المشتركة، قال الطيبي إن “الأحزاب ستقوم بمراجعة دفاترها وأخطائها بشكل معمق كل حزب على حدة، وكقائمة مشتركة بشكل جماعي، بعدما خسرت نحو ربع مليون صوت، وهذه رسالة ينبغي أن تؤخذ بالحسبان”. وكشف أن نسبة المواطنين العرب ممن شاركوا في انتخابات الكنيست الـ24 قد بلغت 46% فقط بعدما بلغت في انتخابات 2020 نحو 65%.
وتابع: “هذه الخسارة تقول إن هناك حاجة لتبدأ معالجة فورية. باركت لنواب القائمة العربية الموحدة. صحيح أننا متنافسون، لكن القواسم مشتركة، مع أن الحملة الانتخابية الأخيرة كانت قاسية جدا بحقنا للأسف”. من جهته قال رئيس حزب التجمع الوطني الديموقراطي، جمال زحالقة لـ”القدس العربي” إن حزبه لن يوصي هذه المرة على أي مرشح لرئاسة الوزراء نظرا للتجربة الفاشلة مع غانتس قبل عام.
يشار إلى أن تمثيل التجمع الوطني الديموقراطي انحسر من ثلاثة نواب داخل القائمة المشتركة إلى نائب واحد (سامي أبو شحادة) بعد الهزة السياسية التي عصفت بها في هذه الانتخابات. ودعا رئيس تحرير صحيفة “معاريف” بن كسبيت الإسرائيليين لممارسة دورهم وإفشال أي محاولة للذهاب لانتخابات خامسة تستنزفهم من كل النواحي.
هل تكون الانتخابات الإسرائيلية الرابعة كسابقاتها؟
حول هذا السؤال يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت إنه “من غير الواضح بعد أي حكومة إسرائيلية يمكن أن تُقام في ضوء النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الـ24”. كما يقول إنه “لم يتضح بعد فيما إذا جولة الانتخابات الرابعة هذه هي الأخيرة، أم أنها ستكون كسابقاتها وتؤدي إلى جولة انتخابات خامسة على خلفية الأسباب ذاتها”. ولعلّ ما يبدو واضحاً حتى الآن هو أنه ليست هناك أغلبية لحكومة يؤلفها معسكر الأحزاب المؤيد لاستمرار حكم بنيامين نتنياهو والذي يضم الليكود وأحزاب اليهود الحريديم المتشددين دينياً و”الصهيونية الدينية”. وفي الوقت نفسه يرى شلحت في مقال نشره في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أنه ليست هناك أغلبية لحكومة يؤلفها معسكر الأحزاب المناهض لاستمرار حكم نتنياهو.
ويتابع: “كما يبدو واضحاً أن هناك حزبين فقط لم ينتميا إلى أي معسكر طوال الحملة الانتخابية، وهما يمينا، برئاسة نفتالي بينيت، والقائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس. بناء على ذلك فإن أياً منهما لن ينكث وعوده إذا ما قرر السير مع نتنياهو أو الانضمام إلى خصومه”. كذلك من الواضح بالنسبة لشلحت أن نتنياهو حاول الاستفادة إلى أقصى الحدود من فتح مرافق الاقتصاد، وانخفاض أعداد المرضى بفيروس كورونا، وتلقيح أغلبية السكان، وعودة الدراسة والتجارة، لكنه لم يحظَ بالنصر الذي كان يتمناه. لافتا إلى أن خصوم نتنياهو أيضاً لم ينجحوا في استغلال تقصيره خلال عام الوباء للإطاحة به من الحكم على خلفية شبهات الفساد التي تحوم حوله. وقد اتسمت الانتخابات الإسرائيلية بعدة خصائص تستلزم الوقوف عندها كما يرى شلحت ومن أبرزها نشير إلى ما يلي :
– ازدياد عدد القوائم الفائزة التي استطاعت تجاوز نسبة الحسم (3.25%)، حيث فازت 14 قائمة في مقابل 8 قوائم فازت في الانتخابات السابقة التي جرت في آذار 2020. وهذا يدل على حالة تفكك في المشهد الحزبي الإسرائيلي، فالقائمة المشتركة للمجتمع الفلسطيني في الداخل تفككت إلى قائمتين، وقائمة “يمينا” للصهيونية الدينية تفككت إلى اثنتين، وانشق جدعون ساعر عن حزب الليكود وأقام حزباً جديداً “أمل جديد”، وتفكك تحالف “أزرق- أبيض” الذي كان يضم ثلاثة أحزاب هي “مناعة لإسرائيل” و”يوجد مستقبل” و”تلم” إلى حزبين. وتفكك تحالف حزب العمل- ميرتس إلى قائمتين من جديد (العمل وميرتس). وهذا يدل على أن التكتلات التي كانت في الانتخابات السابقة كما التفكك في الانتخابات الحالية لم ينقذا إسرائيل من معضلتها السياسية الموجودة فيها منذ انتخابات نيسان 2019. ويعتقد أيضا أن ذلك يدل على أن أحزاباً صغيرة وفيّة لدربها ولا تطمس هويتها الأيديولوجية يمكنها أن تحظى بتأييد جمهور الناخبين الذين يتماهون مع وجهة نظرها، منبها إلى أن كل الأحزاب الصغيرة التي كان هناك شك في أنها ستنجح في تجاوز نسبة الحسم فعلت ذلك بنجاح، وتحديداً عندما خاضت الانتخابات لوحدها.
ويشير شلحت إلى أن زيادة قوة الأحزاب التي تعتمد، وفقاً لما يؤكد عدد من المحللين، على ما يسمى بـ”اليهودية الصرفة”، على غرار أحزاب اليهود الحريديم والصهيونية الدينية. وأصبح لهذه الأحزاب معاً أكثر من 22 مقعداً في الكنيست الحالي. ويضيف: “لا بُدّ من أن نشير هنا إلى أن حزب الصهيونية الدينية الذي يشمل حركة قوة يهودية التي تضم أتباع حركة “كاخ” التي أسسها الحاخام العنصري الراحل مائير كهانا، استطاع الحصول على 225 ألف صوت، أي 5.1% من الأصوات، وقد عمل نتنياهو كثيراً على تركيب قائمة هذا الحزب خوفاً من خسارته وضياع عشرات الآلاف من أصوات اليمين، كما حدث في دورات الانتخابات السابقة”.
ويشير شلحت لنجاح الحزب في تحقيق إنجاز انتخابي كبير بحصوله على ستة مقاعد في الكنيست، ليُعاد بذلك تمثيل حزب كهانا القديم/ الجديد في الكنيست لأول مرة منذ ثمانينيات القرن العشرين الفائت، حيث كان مائير كهانا نفسه عضواً في الكنيست ومُنع حزبه (كاخ) من خوض الانتخابات عام 1988. وفي عام 1994 أعلن عنه كمنظمة إرهابية، وهو مُدرج ضمن لائحة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا.
ويتفق شلحت مع تحليلات ترى أن فوز قائمة “الصهيونية الدينية” ينطوي على شرعنة للكهانية، فضلاً عن أنه لم يأت تقريباً على حساب الحزبين الحريديين، شاس ويهدوت هتوراه، وبالتالي فإن نحو 20 % من الناخبين اليهود انتخبوا أحزاباً أصولية يهودية، وهم فعلوا ذلك بمباركة وتشجيع من رئيس حكومة الاحتلال.
ونبه أيضا أن الكهانية تشكل تياراً في إسرائيل، ولا يجوز قياس تأثيرها بقوتها الانتخابية. ويتابع شلحت: تواترت على أعتاب هذه الانتخابات التحذيرات من مغبة أن يؤدي الاستعصاء السياسي إلى ما يشبه الفوضى والانهيار. ويقارن عدد من المحللين بين الأزمة السياسية التي تسببت بهذا الاستعصاء وترافقت خلال الانتخابات مع أزمة فيروس كورونا، وبين الأزمة التي ترتبت على حرب تشرين/ أكتوبر 1973 وتسببت بأزمة ثقة عميقة بالقيادة الإسرائيلية في ذلك الوقت”. ويقول أيضا إنه في الوقت نفسه يشير هؤلاء إلى أن الأزمة الحالية أضيف إليها المزيد من الانقسام القبلي والعرقي وإلى حدّ ما الأيديولوجي، ناهيك عن أنها تزامنت مع تبدّل الإدارة في الولايات المتحدة وانتهاء ولاية إدارة كانت متماهية مع سياسة اليمين الإسرائيلي بزعامة نتنياهو.
بطبيعة الحال يحتاج ما حدث في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل إلى وقفة أوسع من هذه بكثير، ونقصد بالأساس تفكيك القائمة المشتركة وما يعكسه ذلك من دلالات وتغيّرات قد يكون بعضها بنيوياً. وقد ساهم ذلك إلى حد كبير في تراجع نسبة التصويت في المجتمع الفلسطيني بشكل ملفت حيث يتضح أن 47% فقط من المواطنين العرب شاركوا في الانتخابات الإسرائيلية.