لندن ـ «القدس العربي»:
وجه النائب عن حزب العمال البريطاني المعارض عمران حسين، سؤالا في البرلمان لوزير خارجية بلاده جيمس كليفرلي قائلا: «كم ألفا من الفلسطينيين الأبرياء يجب أن يُقتل من أجل أن تدين الحكومة (البريطانية) هذه الوحشية والمجزرة (الحاصلة في غزة)؟».
جاء هذا السؤال ليعكس تزايد حالة الغضب التي تجتاح شرائح واسعة من الشعب البريطاني ضد استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وترددت أصداؤها تحت سقف البرلمان خلال جلسة استماع لوزير الخارجية كليفرلي، يوم الثلاثاء الماضي، أدلى خلالها بتصريحات تتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني وأجاب على أسئلة النواب.
وبعد كلمة كليفرلي، تحدث النائب عمران حسين عن الغارات الجوية العشوائية والحصار الإسرائيلي الشامل على الغذاء والماء والمستلزمات الطبية في غزة، مشيرا إلى أنها تسببت في مقتل آلاف النساء والرجال الفلسطينيين الأبرياء، بالإضافة إلى أكثر من 1000 طفل.
ووصف النائب حسين ما يحدث في غزة بأنه «يتجاوز الكارثة الإنسانية» لافتا إلى أن دماء الأبرياء ما زالت تراق في شوارع غزة. وتابع: «لا يزال الجيش الإسرائيلي يدمر المساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات والمخابز ومرافق المياه والمنازل، لذلك لدي سؤال بسيط للغاية لوزير الخارجية كليفرلي: كم ألفا من الفلسطينيين الأبرياء يجب أن يُقتل من أجل أن تدين الحكومة هذه الوحشية والمجزرة (في غزة)؟».
الحكومة ودعم إسرائيل
بالمقابل تمسكت الحكومة البريطانية بموقفها الداعم لإسرائيل في حربها ضد قطاع غزة، وأقصى ما أبدته من مواقف يفيد بأنها قد تناقش هدنة إنسانية وليس وقفا لإطلاق النار في غزة.
وبهذا الصدد دعا رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك الأربعاء الماضي إلى «توقف لفترات محددة» في العمليات العسكرية للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، بدون تنفيذ وقف لإطلاق النار.
وكرّر الزعيم المحافظ موقف بلاده قائلاً إن «إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها» بعد هجوم «حماس» الدامي في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وطالب بتمكين المواطنين البريطانيين من مغادرة غزة وبتحرير الرهائن لدى حركة حماس، وبتمكين إيصال المساعدات الإنسانية إلى الأراضي الفلسطينية.
وقال ريشي سوناك أمام البرلمان خلال الجلسة الأسبوعية لطرح الأسئلة على رئيس الوزراء «لتحقيق كل هذا، يجب توفير بيئة أكثر أمانًا، ما يتطلب بالطبع التوقف لفترات محددة، وهو أمر مختلف عن وقف إطلاق النار». وأضاف «هذا بالضبط ما تحدثنا عنه مع شركائنا الدوليين» في الأمم المتحدة.
وقال المتحدث باسم سوناك للصحافيين في وقت لاحق إن وقف إطلاق النار «لن يعود بالفائدة سوى على حماس» بينما «التوقف الإنساني المؤقت والمحدود النطاق، يمكن أن يكون أداة عملية».
وأكد المتحدث أيضا أن رئيس الوزراء البريطاني يختلف مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي قال الثلاثاء الماضي إن هجمات حماس لم تحدث «من فراغ» مشيرا إلى «56 عاماً من احتلال خانق» يعاني منه الفلسطينيون.
ورد المتحدث باسم سوناك على موقف غوتيريش «من الواضح أننا لا نتفق مع هذا التوصيف الذي تم طرحه». وأضاف «نحن واضحون أنه لا يوجد أي مبرر للهجوم الإرهابي الهمجي الذي تشنه حماس والذي كان مدفوعاً بالكراهية والأيديولوجيا».
غضب شعبي متزايد
على حكومة المحافظين
ويلاقي الموقف الرسمي البريطاني الداعم لإسرائيل مزيدا من المعارضة الشعبية التي تمثلت بالتظاهرات الضخمة التي تكررت في لندن وعدد كبير من المدن الرئيسية، وهو واقع غير مسبوق في تاريخ الدعم الشعبي البريطاني للقضية الفلسطينية وفقا لما قاله سفير فلسطين في بريطانيا حسام زملط خلال لقاء عبر الإنترنت مع قيادات مسلمي بريطانيا، حيث قال إن عدد المشاركين في مسيرة لندن لوحدها السبت الماضي تجاوز ثلاثمئة ألف متظاهر، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتظاهرين الذي خرجوا في كل مدينة من المدن البريطانية التي شهدت تظاهرات غاضبة. وأوضح أن حجم تلك التظاهرات غير مسبوق على مدى خمسة وسبعين عاما الماضية، وان المشاركة لم تقتصر على المسلمين البريطانيين فقط بل تم تسجيل مشاركة شرائح أخرى بينها مسيحيون ويهود، رفضا للعدوان على غزة.
وانطلاقا من هذه الحقائق دعا سفير فلسطين مسلمي بريطانيا إلى مواجهة خطاب العنصرية والحفاظ على التماسك مع جميع مكونات الشعب البريطاني. وقال «إن مسلمي بريطانيا هم جزء من الشعب البريطاني، وان رسالتنا هي رسالة سامية وكبيرة، لذا فإن دعم القضية الفلسطينية لا ينحصر بالمسلمين في بريطانيا بل بمعظم البريطانيين، وان دعم المسلمين البريطانيين للقضية الفلسطينية هو دعم للحق والإنسانية».
وأشار أيضا إلى أن عددا كبيرا من يهود بريطانيا شاركوا في التظاهرات الداعمة لفلسطين، وبالتالي يجب حمايتهم أيضا «لأن المشكلة ليست مع اليهود وإنما مع الاحتلال والاستعمار والحصار ونظام الفصل العنصري، ويجب أن نكون في صف واحد لحماية كل مكونات الشعب البريطاني بمن فيهم اليهود». وذكر السفير زملط «أن الكراهية تُمارسُ ضدنا، ونحن يجب أن نكون في الصف الأول لمحاربة الكراهية سواء كانت ضد المسلمين أو المسيحيين أو اليهود، فقضيتنا ليست قضية صراع ديني بل هي قضية حقوق الإنسان».
وأضاف أن بريطانيا هي بلد قانون وينبغي الالتزام به، كما أن الديمقراطية توفر لنا العديد من الأدوات للتعبير عن مواقفنا بشكل سلمي.
ويتوقع كثيرون أن تتصاعد في بريطانيا حالة التضامن مع الشعب الفلسطيني خلال الأيام المقبلة، وخاصة مع مشاهدة العالم الفظاعات التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
أزمة في حزب العمال بسبب حرب غزة
وبالتوازي مع ازدياد الضغوط الشعبية على حزب المحافظين الذي يرأس الحكومة البريطانية فإن ضغوطا شعبية مماثلة تعرض لها زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر على خلفية موقفه من حرب إسرائيل على قطاع غزة. وحاول ستارمر جاهدا تخفيف حدة التوتر في صفوف حزب العمال بعد تصريحات أدلى بها بشأن الرد الإسرائيلي على الهجوم الذي شنّته حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر ورفضه الدعوة إلى وقف إطلاق النار وتبريره في موقفه الأول قيام إسرائيل بقطع الماء والكهرباء والوقود عن غزة، وهو موقف تراجع عنه لاحقا بعد موجة استقالات لعدد كبير من كوادر حزب العمال.
وأثرت الحرب سلبيا على زعيم المعارضة العمالية فأعادت إحياء الانقسامات القديمة في الحزب اليساري الوسطي الذي يعود الفضل إلى ستارمر في توحيد صفوفه، في وقت يسعى للعودة إلى السلطة في الانتخابات المرتقبة العام المقبل.
وتقدّم العمال على الحزب المحافظ الحاكم بفارق أرقام عشرية على مدى أكثر من عام في معظم استطلاعات الرأي. وبدأت الانقسامات في صفوف العمال تظهر بعدما أجرى ستارمر مقابلة إذاعية في 11 تشرين الأول/أكتوبر أشار فيها إلى أن إسرائيل لديها «الحق» في قطع المياه والطاقة عن غزة.
وسعى في غضون أيام لتوضيح أنه كان يقصد بأن البلاد لديها الحق في الدفاع عن نفسها. لكن بحلول ذلك الوقت، انتشر المقطع على الإنترنت بشكل واسع.
وسرعان ما استقال أكثر من عشرة مسؤولين منتخبين محليا من حزب العمال على خلفية التصريحات.
إلا أن الاستياء ازداد ودعا حوالي 150 مسؤولا محليا مسلما من حزب العمال ستارمر لدعم وقف فوري لإطلاق النار في غزة. وقال زعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس سروار لشبكة «بي بي سي» إنه «لا يوجد مبرر لحرمان (المدنيين في غزة) من الموارد الأساسية». وقضى ستارمر الذي كان كبير المدعين العامين بعض الوقت الأربعاء مع أكثر من عشرة نواب مسلمين من حزب العمال في مسعى لتخفيف حدة التوتر.
ووقّع أكثر من 30 نائبا من حزب العمال على مذكرة في البرلمان تدعو إلى وقف إطلاق النار.
لكن ستارمر لم يدعم المبادرة واختار بدلا من ذلك تأييد دعوة رئيس الوزراء ريشي سوناك لهدنة بغية لسماح بدخول مزيد من المساعدات إلى غزة.
وقال استاذ السياسة لدى «كينغز كوليدغ» في لندن أناند مينون «عزز ذلك بالتأكيد فكرة أن حزب العمال لم يعد كما كان في عهد (زعيمه السابق) جيريمي كوربن».
وأضاف «هناك نقاط ضعف واضحة سواء في ما يتعلق بالانقسامات في الحزب وفي نهاية المطاف بأصوات المسلمين. لكنني لا أعتقد أننا نقترب من ذلك الحد. حاليا، يتعامل مع الأمور بشكل جيد». ومن شأن التصعيد الإسرائيلي ضد غزة أن يعمّق الانقسامات في صفوف العمال، فيما ذكر الإعلام البريطاني بأن الحزب يشعر بالقلق من إمكانية استقالة عدد من أعضاء حكومة الظل.
ويُعتقد بأن النواب الذين يمثلون مناطق تضم أعدادا كبيرة من المسلمين هم الأكثر قلقا من مواقف ستارمر، قبيل الانتخابات التي يتوجب تنظيمها قبل كانون الثاني/يناير 2025.
وخلص استطلاع لوكالة «سورفيشن» عام 2021 إلى أن 72 في المئة من مسلمي بريطانيا البالغ عددهم حوالي أربعة ملايين يشعرون بأن حزب العمال يمثلهم بشكل أفضل.
وذكر تريفرز بأن مواقف ستارمر لن تدفعهم للتصويت للمحافظين، لكنه حذّر من أن عدم الاكتراث للمقاعد الهامشية يمكن أن يكلّف العمال في إطار محاولتهم انتزاع الأغلبية من المحافظين.
وقال لفرانس برس إن «الخطر بالنسبة لستارمر هو أن نسبة من هؤلاء الناخبين يمكن أن يمتنعوا عن التصويت. سيكون لذلك أثر في أماكن معيّنة».