تصاعد مقلق للإصابات بالسرطان في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»:  تشير إحصائيات الإصابة بالسرطان بأنواعه في العراق، إلى ارتفاع سنوي مثير للقلق بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والأجهزة والرعاية في المستشفيات الحكومية ومنها المخصصة لعلاج مرضى السرطان، وذلك رغم توفر موارد مالية كبيرة.

وفي آخر إحصائية أعلنتها وزارة الصحة العراقية قبل أيام، عن أعداد مرضى وإصابات السرطان، كشفت عن تصدر سرطان الثدي والرئة والقصبات المرتبة الأولى.
وأفاد أمين عام مجلس السرطان في الوزارة خضير الرواق في تصريح، أن «آخر إحصائية مسجلة عام 2020 من مجلس السرطان في وزارة الصحة أكدت وجود نحو 31 ألف حالة جديدة، بينها سرطان الثدي لدى النساء النوع الأول وسرطان الرئة والقصبات الأول عند الرجال».
وأوضح «لقد أعددنا تقريراً لعام 2021 ومن المتوقع أن يكون العدد المسجل ما يقارب 37 ألف حالة جديدة». وأقر الرواق «بوجود شح في بعض الأدوية الخاصة بمرضى السرطان، بسبب تأخر إقرار الميزانية لعام 2022».
وفي السياق ذاته أشارت وزارة الصحة العراقية، إلى أن السرطان ما يزال أحد مسببات الوفيات العشر الأولى في العراق.
وقال المتحدث باسم الوزارة سيف البدر إن «الحالات السرطانية في العالم والعراق في حالة تزايد بالتزامن مع الزيادة السكانية، وما يزال السرطان أحد مسببات الوفيات العشر الأولى في العراق». وأضاف أن «الحالات المسجلة في العراق بلغت أكثر من 30 ألفا تتلقى العلاج حالياً» مشيراً إلى أن «هناك مشكلة تواجه هذا الأمر وهي تأخر الكشف عن الحالات السرطانية خصوصا سرطان الثدي».
وكشف البدر، أن «أكثر الحالات ما زلنا نكتشفها في مرحلة متأخرة كـ(الثالثة والرابعة) من المرض بعد أن يكون قد انتشر إلى أعضاء الجسم ويكون علاجه أكثر صعوبة وأكثر تكلفة وتعقيدا».
وعن إصابة الرجال بسرطان الثدي، أكد البدر، أن «تسجيل إصابات بسرطان الثدي لدى الرجال حالة ليست جديدة، وان نسبة أقل من 1 في المئة من حالات سرطان الثدي تكون في الرجال». محذراً من أنه «في حال التأخر في تشخيصها أو في المراجعة تكون لها مضاعفات خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة». وشدد البدر على ضرورة إجراء فحوصات الكشف المبكر عن الأمراض غير الانتقالية سيما سرطان الثدي من خلال الفحص الذاتي أو الفحص في مراكز الكشف المبكر.
وفي تصريح سابق، أكد البدر «إن المعدل السنوي للإصابة بمرض السرطان في العراق يبلغ 2500 حالة إصابة، بينها 20 في المئة إصابات بسرطان الثدي» فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية، في شهر شباط/فبراير الماضي، عن وجود نحو 35 ألف مصاب بالسرطان في العراق، وأن 57 في المئة منهم نساء.

عجز حكومي
عن دعم المرضى

ومع إقرار الحكومة العراقية بالواقع المتردي للخدمات في المستشفيات الحكومية، نتيجة لارتفاع أعداد المصابين بالسرطان والنقص الكبير في العلاجات فيها، ما يضطر المرضى لشراء الأدوية على نفقتهم، فقد أطلق البنك المركزي العراقي قرضا لمساعدة مرضى السرطان على شراء العلاج، ولكن بفائدة كبيرة تزيد عن 9 في المئة وهو ما دفع اللجنة المالية النيابية، لمطالبة البنك المركزي العراقي بإلغاء الفائدة المترتبة على قرض مرضى السرطان والأمراض المستعصية الأخرى، مبينة أن المرضى يتحملون شتى أنواع المصاعب في سبيل العلاج وبعضهم يسافر إلى خارج البلاد لعدم توفر بعض أنواع العلاجات.
وقال عضو اللجنة ريبوار رحمن في حوار تلفزيوني، إنه «نظرا للحالة الإنسانية واحتياج المرضى للقرض من أجل العلاج، نطالب البنك المركزي بإلغاء الفائدة على هذا النوع من القروض».
وأضاف رحمن، أن «أغلبية المرضى يشترون العلاج بأسعار غالية، والبعض منهم يضطرون للذهاب إلى الدول المجاورة أو الأوروبية للعلاج. لذلك يضطرون إلى اللجوء لهذا النوع من القروض». وأقر النائب أن «القطاع الصحي في البلد غير مؤهل لتقديم العلاج الكافي لجميع مرضى السرطان والأمراض المستعصية، ومـع ذلك يأخذون الفائدة على القرض الذي يحتاجه الناس من أجل الحياة».
ومن أمام مدينة الطب، أكبر مستشفيات بغداد، تحدث العديد من مرضى السرطان لـ«القدس العربي» شاكين من عدم توفر الأدوية الخاصة بعلاج المرض في المستشفى واضطرارهم إلى شرائها من الصيدليات الخارجية.
وذكر المواطن سعيد العزاوي من محافظة ديالى، ان ابنه مصاب بالسرطان منذ سنوات ويحتاج إلى العلاج الكيميائي والعديد من الأدوية غير المتوفرة في المستشفى الحكومي، لذا يضطر إلى شرائها من الصيدليات وان ذلك يكلفه الكثير من المال وانه اضطر لبيع سيارته لتوفير الأدوية، علما بانه يعمل في القطاع الخاص ودخله لا يكفي لشراء الأدوية، ما اضطره إلى التقديم على القروض من المصارف رغم ارتفاع الفائدة عليها، علما بانه يجلب ابنه من ديالى إلى بغداد كل شهر مرة أو مرتين ويتحمل مشقة وتكاليف السفر.
ولدى بقية المرضى المراجعين للمستشفى، قصصا متشابهة تتلخص في تقصير المستشفيات عن الاهتمام بمرضى السرطان وعدم تزويدهم بالأدوية اللازمة.

السرطان والصناعة النفطية

ومن ناحية أخرى أكدت إحصائيات صحية حديثة محلية ودولية ارتفاع عدد الإصابات بالأمراض السرطانية في المحافظات الغنية بالنفط كالبصرة وكركوك.
وحسب إحصائيات وزارة الصحة، حصدت البصرة أعلى نسب الإصابة بالسرطان بين عامَي 2015 و2017 حيث تراوح بين 400 و500 إصابة شهرياً، لكنه ارتفع بنسبة تصل إلى 200 في المئة تقريباً خلال 2018. وذكرت الوزارة ان «البصرة تتصدر مدن العراق بتسجيل الإصابات بالسرطان، إذ بلغ معدل الإصابات الشهرية عام 2020 ما يقارب (600-700) إصابة، وهذا ينذر بكارثة صحية خطيرة في المحافظات الجنوبية».
فيما أكد مدير دائرة البيئة والصحة في المنطقة الجنوبية وليد الموسوي ان «أسباب الزيادة الحاصلة في انتشار مرض السرطان المستعصي بمحافظة البصرة، تعود إلى تصاعد نسبة التلوث البيئي» مشيراً إلى رمي المخلفات وتفريغ مياه الصرف الصحي لقرابة 15 مستشفى في البصرة بالأنهار الداخلية، وذلك لعدم وجود محطات بيولوجية خاصة بتلك المستشفيات. وأغلب تلك المستشفيات لا تلتزم معايير البيئة.
وعن أسباب الزيادة في السرطان أيضا، أكد مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان بالبصرة مهدي التميمي، أن «أكثر من 90 في المئة من المصابين بالسرطان بالبصرة يتوفّون لشدة المواد الكيميائية في المحافظة بسبب الحروب وآثار استخراج النفط، كاشفا ان بعض الأحزاب السياسية وجهات حكومية، تحاول إخفاء الحقيقة. وذكر ان الحكومة سابقا كانت ترفض الحديث عن مرض السرطان ونِسبه، لكن اليوم لا مجال لإخفاء هذه الكارثة. وأشار التميمي إلى أن الإصابات بالبصرة وحدها تصل إلى 24 ألف مصاب، محمّلا الشركات النفطية العاملة بالمحافظة المسؤولية داعيا الدولة للتحرك ومراقبة تلك الشركات ومن يديرها ويتعاون معها من أحزاب سياسية.
وفي نفس السياق أشارت إحصائيات صحية إلى ان الإصابات بالأمراض السرطانية في محافظة كركوك، الغنية بالنفط، منذ بدء عام 2022 شهدت ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالعام الماضي 2021 في وقت تشهد المحافظة نقصاً حاداً في الأدوية والعلاجات والأجهزة والمعدات اللازمة للكشف عن المرض ومعالجته.
وحسب المسؤولين الصحيين، فقد سجلت محافظة كركوك منذ بداية العام الحالي ولحد الآن 865 إصابة جديدة بالأمراض السرطانية، في حين تم تسجيل نحو 900 حالة في عام 2021 بمجمله، علماً أن المحافظة تشهد مراجعة مرضى من محافظات أخرى، ما يشكل عبئاً إضافياً على مركز الأورام الوحيد في المحافظة.
مدير دائرة صحة كركوك نبيل حمدي، أشار إلى ان «هناك نقصاً في أدوية مرض السرطان، لكون التجهيز يأتينا من بغداد وليس من ضمن مشترياتنا، ولا يحق لنا شراء هذه الأدوية» منوها إلى «وجود نقص حاد في أدوية معالجة الأمراض السرطانية، يقدر بنحو 35-40 في المئة».
وكانت الأمم المتحدة أفادت إنها تعتبر المجتمعات التي تعيش بالقرب من الحقول النفطية في العراق «مناطق لتقديم القرابين البشرية في العصر الحديث» حيث تعطى الأولوية فيها «للربح بدلاً من احترام حقوق الإنسان». في اشارة إلى عدم اهتمام شركات النفط للتلوث الناجم عن عمليات استخراج النفط والغاز، وعدم وجود وسائل لحماية المناطق السكنية القريبة من حقول النفط.
وإضافة إلى تلوث البيئة وآثار استخراج النفط يشير المراقبون إلى أسباب أخرى لانتشار الإصابات بالسرطان في العراق، ومنها المخلفات المشعة باليورانيوم التي استخدمتها قوات التحالف الغربي لقصف مواقع القوات العراقية ومواقع أخرى في بعض مدن العراق، خلال حرب الخليج الثانية 1991 ومن ثم غزو العراق عام 2003 ما أدى إلى تصاعد حالات الإصابة بمرض السرطان إلى أرقام كبيرة لا يمكن السيطرة عليها، وهي تواصل الارتفاع بالتزامن مع عجز وإهمال الحكومة المشغولة بالصراعات السياسية رغم توفر موارد مالية هائلة لديها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية