تصبحون علي خير
بشير زعبيةتصبحون علي خيرمنذ فترة لم تعد تستهويه فكرة الاستنجاد بالفراش مبكرا ولم تشغله مسألة ما اذا كانت الزوجة استوعبت هذا السلوك الجديد أم لا.. فقط ما يشغله الآن هو كيف يمكن أن يكون آخر الساهرين في هذا البيت.. عليه أولا أن يجد السبيل الي القضاء علي أية بادرة قد تجعله صيدا سهلا لسلطان النوم.. ولأن مزاجه لا يسمح له باللجوء الي بدائل مجهدة فليس أمامه سوي غرفة الجلوس؛ هناك جهاز التلفاز يكفي أن يستلقي قبالته.. سيخبرهم أنه قرر أن يجلس هذه الليلة وحده في الغرفة.. يعرف أن للزوجة من الخبرة ما يجعلها تتفادي أية محاولة للاعتراض، وستجرّ الأطفال خلفها..اختار أفضل الأوضاع راحة وهو يأخذ مكانه أمام الجهاز.. صادف أن تزامنت جلسته مع نهاية غامضة لأغنية ما، وظهرت علي الفور صورة نصفية لشخص غطت مساحة الشاشة حتي لم يبق من فراغ فيها سوي حيزين ضيقين أعلي الكتفين.. استنتج بسهولة أنها لا بدّ أن تكون صورة مذيع النشرة، جديته الظاهرة علي الوجه تقرّب طرفي الحاجبين من بعضهما أعلي الأنف وتحركهما مع حركة الشفتين اذ تلقيان بالكلام.. اذن ها هو وجها لوجه مع مذيع بدا وهو يقرأ كأنه يبحث عن شيء ما سقط للتوّ علي الأرض فيلتقطه بعينيه ثم يلقيه بفمه خارج الشاشة.. وضح أمامه أن هذه الحركة طغي عليها ارتباك في البداية وشيء من العصبية، ولعلّ هذا هو التفسير الذي رآه لفشله في فهم الكلام الذي يخرج من فم المذيع، وكان قد قرر حين جلس أنه لن يعير اهتماما لأية تفاصيل، وأن غايته هي المحافظة ما أمكن علي العينين مفتوحتين هذه الليلة.. لكن استمرار هذا العجز الغريب عن الفهم جعله يستقيم في جلسته ويقترب برأسه من الشاشة مستنفرا أذنيه وبعض حواسه.. باستطاعته تمييز المفردات واضحة لكن الأمر يفلت منه حين يحاول التقاطها وفق سياق مفيد.. اقترب أكثر وشعر أن المذيع اقترب بدوره نحوه وبات وجهه يغطي مساحة الشاشة كلها وقد اشتدت عصبيته حتي خيل له أن هذا المذيع يتوجه اليه بالكلام شخصيا وانه في سبيل ذلك قد يقفز في لحظة ما من الشاشة الي الغرف.. ارتدّ الي الخلف لا شعوريا، ورأي أن المذيع تراجع بظهره أيضا الي الوراء واختفت جدية الملامح تدريجيا وكأن علامات رضا حلت محلها.. وفي اللحظة نفسها أحس وهو جالس بحكة خفيفة بدأت عند جذر الأذنين وانتقلت الي سائر الجلد وانشدت معها صفحة الوجه.. تلمس علي الفور أجزاء جسمه واذا بأذنيه تأخذان في الكبر وتزدادان طولا واذا برأسه يأخذ في الاستطالة ويتحول شعر الجلد الي وبر رمادي يميل الي السواد ويتكثف علي امتداد العنق.. كل ذلك حدث بسرعة خارقة حتي أنه حين حاول النهوض ليتحقق من شكل الوجه في المرآة شعر بألم أجبره علي الانحناء.. حاول أن يخطو الي الأمام محدودبا، لكن شدة الانحناء وثقل الرأس جعلاه يستعين بالذراعين فيمدّهما بموازاة الرجلين ويسندهما بشكل عمودي علي الأرض.. هنا في مستطاعه أن يتقدم بأربعة قوائم خطوات نحو باب الغرفة.. تاركا من خلفه التلفاز وكلام المذيع المتواصل الذي لم يعد يجد صعوبة الآن في فهمه.. لو مال بنظره جانبا لرأي ابتسامة علي وجه المذيع وهو يختم:تصبحون علي خير..كاتب من ليبياQSR0