باسل أبو حمدةيشي المسار التصاعدي عملياتيا وزمنيا وجغرافيا وديمغرافيا لمجريات أحداث التغيير في سوريا إلى أن النظام هناك هو الأكثر قدرة على قراءة الحالة من بين جميع القوى المشاركة في السعي إلى رسم معالم عملية سياسية وربما جيوسياسية كبرى جديدة آخذة في التشكل انطلاقا من البلد العربي الخامس في نادي الربيع العربي، فما تراه غالبية القوى المعارضة له استعصاء سياسيا يحول دون استكمال تشكل عناصر منظومة سياسية جديدة في سوريا، ينظر إليه النظام بوصفه تقدما مضطردا تحرزه استراتيجيته وتكتيكاته على المستويات كافة السياسية والعسكرية والأمنية بعد أن تمكن من جر قوى المعارضة إلى مربع العمل العسكري وإضفاء الطابع المسلح على ثورة وجدت نفسها بعد سنتين تقريبا من انطلاق شرارتها الأولى بين مطرقة تحالف عضوي إقليمي وعالمي مساند بقوة للنظام وسندان تخلي ما يسمى المجتمع الدولي عن الوقوف إلى جانب شعوب المنطقة التواقة إلى تغيير أنظمتها السياسية المهترئة، وفي مقدمتها الشعب السوري. من أهم الاختراقات التي تمكن النظام من تحقيقها في النسيج الثوري الذي يطرح نفسه بديلا له نجاحه في خلق عناصر طارئة على المشهد ومشوشة له على رأسها تحييد مكونات رئيسية من المجتمع السوري وربما دفعها للوقوف في وجه مسعى التغيير خوفا على مصالح فئوية لطالما شكلت العامل الأساسي في تمرير سياسات كبرى غريبة عن الواقع ومعادية له تتغذى على مخلفات الرسم الجائر والملغم للخارطة السياسية للمنطقة إثر إنتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث لا يختلف إثنان على أن أي محاولة تغيير معالم ذلك الرسم الحقير ستسير بالضرورة في حقل من الألغام العرقية والطائفية والمذهبية والجهوية، التي لها أول ولا يعرف لها آخر في معين لا ينضب أبدا ولا تتوانى الأنظمة فاقدة الشرعية وقوى الاستعمار على مختلف اشكالها عن الغرف منه كلما إقتضت الحاجة إلى ذلك. هذا المشهد القاتم بسرمدتيه وثباته لحقب ممتدة زمانيا ومكانيا يفضي، إذا ما تم إدارجه في سياق مجريات الأحداث في سوريا، إلى استنتاج وحيد يشي بأن أداة التغيير المنشود تبدو متواضعة أمام حجم التحديات التي تمكن النظام من فرضها حتى الآن ليس فقط من خلال محاولاته البائسة لشيطنة قوى المعارضة أو إطالة عمره في سدة الحكم فحسب، وإنما من خلال قدرته على استنباط أساليب وأدوات جديدة عسكرية وأمنية وتعبوية من شأنها إرجاء لحظة خلاص الشعب السوري إلى اشعار آخر ومن أبرزها استحداث تشكيلات ميليشياوية تذكر بطبيعتها بتجارب كبرى خاضتها شعوب أخرى حول العالم اكتوت بلهيب حروب أهلية لم تبق ولم تذر مثل الحرب الأهلية الاسبانية التي اشعلها نظام على فاشيته إلا أنه كان يحظى بدعم حزب له امتداداته العريضة في المجتمع، فبينما تمثلت الذراع العسكرية والأمنية الضاربة للجنرال فرانكو بقوات الكتائب في الحالة الاسبانية، يعمد النظام الفاشي في الحالة السورية إلى إنشاء قوى ميليشياوية مماثلة تتمثل بما يعرف باللجان الشعبية وبالتشكيل الجديد الذي أعلن عن انشائه أخيرا والذي أطلق عليه اسم جيش الدفاع الوطني، ومن المعروف أن هذا النوع من التشكيلات ينضوي تحت راية القوات شبه العسكرية، التي عادة ما يناط بها تلك المهام القذرة الخارجة عن أي عرف أو قانون.في المقابل، أدت مجموعة من العوامل الإقليمية والدولية، على رأسها متطلبات تأمين الدولة العبرية والبلدان العربية من هبوب رياح التغيير في المنطقة، إلى إخفاق الربيع السوري في الاستفادة من الامتدادات والارتدات الطبيعية لظاهرة الربيع العربي بوصفه حاضنة موضوعية للتغيير في بلدان المنطقة، لا بل إن هذه الحاضنة شكلت عبئا على الثورة السورية عندما تداركت القوى المهيمنة في المنطقة والعالم الموقف الذي من شأنه، لو ترك على حاله يعمل ضمن آلياته الداخلية، أن يقلب المـــــوازين كلها ويعيد المنطقة إلى الوقوف على قديميها بدل بقـــــائها واقفة على رأسها طوال العــــقود المضنية الطويلة الماضية التي أعقبت رسم الخارطة الســـياسية المعتمة للمنطقة، حيث بدت قوى التغيير السورية ، مخطأة أو واهمة على أقل تقدير، في عجالة من أمرها في مسألة اسقاط النظام، وانشغلت بالدرجة الأساسية في محاولة الإجابة على سؤال: ما العمل في اليوم التالي الذي يلي يوم الخلاص، معتبرة أن سقوط النظام قــــادم لا محالة، وهذا أمر مؤكد بعد أن بات طرفا الصراع يخــــوضان حرب وجود لا رجعة عنها، لكن الفخ الذي وقعت فيه هـــذه القوى هو عدم صياغة أداة التغيير على مقاس التحديات الحقيقية التي يتعين عليها تذليلها واحدة تلو الأخرى للخروج من النفق المظلم التي وجدت نفسها والمجتمع الذي تمثلة غارقة فيه. نظام منغمس حتى النخاع في تنفيذ سياساته الاجرامية متماديا في القتل والتنكيل والتدمير والتهجير حتى لو أدى ذلك إلى إبادة نصف الشعب السوري، وكان له ذلك، وقوى معارضة تحلم بالتغيير وتفكر فيه برومانسية مراهق متوسدة رياحه من خارج الظاهرة، لذلك يمكن وسم استراتيجية النظام بالواقعية بينما تبقى نظيراتها في الجانب النقيض تحلق في فضاء من الأوهام التي تتعزز مع كل يوم يمضي من عمر الثورة.لذلك لا تبدو الدعوة إلى إعادة قراءة المشهد برمته ملحة فحسب، بل إنها ترقى إلى مصاف الضرورات الكبرى التي لا غنى عنها إذا أريد لعجلة التغيير أن تمضي قدما نحو هدفها المنشود، الذي يشكل إسقاط النظام فيها حجر الزاوية والخلفية والمنطلق عل ذلك يبين معالم الطريق الشائك والطويل ويوضح المسار الذي يتعين على الثورة السورية أن تسلكه بأقل الخسائر، والذي بات جليا أنه خرج عن مسار الربيع العربي التقليدي، الأمر الذي يتطلب تغيرات دراماتيكية على مستوى الأداة أيضا وكذلك على مستوى نسج خارطة القوى المشاركة في عملية التغيير والقوى الحليفة لها فيما يقود إلى رسم خارطة معسكر الأعداء ومعسكر الأصدقاء بعيدا عن الإيحاءات القادمة من كل حدب وصوب والتي لا تعكس ولا تعبر إلى عن مصالح وتطلعات أصحابها، فقد صدق رأس النظام الفاشي في سوريا عندما قال إن الوضع في سوريا مختلف عن بقية الأوضاع في البلدان العربية التي نعمت بمخرجات ربيع عربي يبدو أنه لم يعد له تأثير يذكر خارج الحدود القطرية لكل بلد من بلدانه، لكن ليس على قاعدة الالتفات إلى الداخل والداخل فقط والانغلاق عليه بالمعنى الشوفوني للكلمة مثلما باتت تتطرح بعض القوى السياسية السورية المعارضة شعار ‘سوريا أولا وأخيرا’، وإنما على سبيل توسع الرؤية واستقراء الواقع بصورة دقيقة لا أكثر ولا أقل.هي دعوة، إذا، لتصحيح المسار بشكل جذري قبل فوات الأوان، لكنها دعوة مصحوبة أيضا بتحذير شديد اللهجة من مغبة الوقوع في مزيد من الفخاخ التي لا يتوقف النظام عن زرعها في درب ثورة شاقة وصعبة ومحفوفة بالمخاطر، لا بل الكثير منها، ليس لعيب فيها وإنما لأنها وريثة نظام له ضلع في أي ملف من ملفات المنطقة الشائكة والتي منها تنطلق كل الحسابات المعادية لهذه الثورة اليتيمة والصديقة لها على حد سواء. ‘ كاتب فلسطيني qmdqpt