تصريحات ترامب-نتنياهو… الضفة الغربية الغائب الحاضر!

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»:شكلت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء الماضي، صدمة كبيرة. لقد قدمت صورة عامة عن رؤية إدارته للأوضاع في غزة ومستقبل القطاع، الذي ارتكب الاحتلال الإسرائيلي بحقه جريمة الإبادة الجماعية على مدى 15 شهرا.
وفي حين كانت التوقعات أن يتركز الحديث على الضفة الغربية بحيث يمنح الرئيس الأمريكي موافقة جزئية على ضمها كمقابل على صفقة وقف إطلاق النار في غزة، جاءت التصريحات مختلفة تماما، لقد تبنى الثنائي نتنياهو-ترامب خطة تهجير الفلسطينيين في القطاع والسطو على أرضهم وتحويلها إلى مكان سياحي!.
أما الضفة الغربية فقد حضرت بصفتها المكان الذي لم يحدد ترامب بعد موقفه بشأن سيادة إسرائيل عليها، وقال إنه «سيعلن قراره خلال الأسابيع الأربعة المقبلة».
وأضاف: «نحن نناقش القضية، لكن لم نتخذ قرارا نهائيا بعد».
المفارقة الصاخبة في تصريحات ترامب جعلت الجميع مكنبا على تحليلها والتعاطي معها فيما تحول الحديث عن الضفة الغربية إلى فقرة أخيرة في مقالات المحللين والسياسيين، وفي ذلك ما يستدعي التوقف والتفسير.
الباحث والخبير في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع توقف أمام الأفكار المتداولة بشكل متكرر في الشارع ووسائل الإعلام حول وصف ترامب حيث جلها تركز على أنه «شخصية متهورة، غير عقلانية، أو حتى غير متزنة. ورغم خطابه الديماغوجي وأسلوبه الجدلي، إلا أنه يبقى شخصية واقعية، ذات فهم عميق للواقع السياسي والاقتصادي، وهو ما مكنه من العودة إلى سدة الحكم مرة أخرى والتأثير بشكل كبير على الناخب الأمريكي».
وتابع مناع لـ«القدس العربي»: «يدرك ترامب جيدًا أن مقترحاته بشأن إفراغ القطاع بشكلٍ تام لن تتحقق، إذ إن حرب الإبادة المستمرة منذ أكثر من 15 شهرًا لم تفلح في تحقيق التهجير القسري، فهل يمكن لوسائل أخرى أن تنجح في تنفيذ مخططه؟».
ورأى أن التصريحات الخطيرة تأتي ضمن استراتيجية الضغط القصوى على المفاوض الفلسطيني في المرحلة المقبلة، حيث يسعى إلى تحقيق صورة نصر لإسرائيل عبر فرض شروط تعجيزية، مثل نزع السلاح، تسليم الحكم بشكل كامل، وترحيل قيادات بارزة إلى الخارج. هذه الشروط تمنح نتنياهو صورة الانتصار السياسي، كما أنها تجد قبولًا لدى بعض الأوساط الفلسطينية.
هنا يحاول مناع التوقف عند السؤال الأهم وهو لماذا لم يتطرق ترامب إلى الضفة الغربية؟ هل يعني ذلك أن نتنياهو لا يحمل مخططًا واضحًا تجاهها؟ أم أن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى رؤية استراتيجية بشأنها؟
ويختم قائلا: «في الواقع، يكمن الخطر الحقيقي ليس فقط فيما تم الإعلان عنه، بل فيما لم يتم التطرق إليه أو الكشف عنه بعد».
المحلل السياسي والباحث محمد القيق توقف أمام عدم الحديث عن الضفة الغربية في تصريحات ترامب حيث أشار إلى أنه سيصدر قرارات بخصوصها خلال أسابيع، وهو ما تناوله الإعلام العبري على أنه «إشارة لضوء أخضر بتنفيذ المخطط المتعلق بالضم».
وتابع القيق لـ«القدس العربي» هذا مؤشر على أن التصريحات هي عكس الأفعال وهو ما حدث بالأمس، وهي تصريحات كلها استعراض عضلات ورفع معنويات لنتنياهو أمام الشارع الإسرائيلي والمعارضة السياسية داخليا، وكذلك «شرعنه» له أمام محكمة الجنايات الدولية، وترهيب لدول بعينها وتحديدا في قوله إن اللقاء إنجاز كبير، وهو أول رئيس وزراء يزور أمريكا بعد تنصيب الرئيس ترامب.
ويشدد القيق على أن هذا التحليل يقود إلى التفكير بأن هناك خطة للضفة الغربية، ومن الممكن أن يطلقوا عليها «اليوم التالي للضفة».
ويرجح الباحث أن قطاع غزة سيترك للمناكفات والتداخلات العربية والمماطلات وغيرها، بينما يبدو أنه يحاك للضفة شيء كبير، في ظل أن التصريحات عن غزة لا تتناسب مع الواقع، وكأنه تحدث في واد وما تم الاتفاق عليه في واد آخر.
ويرى القيق أن ترتيب البيت الفلسطيني أصبح ممرا إجباريا ومهما حتى يكون مصدر قوة لحفظ وتجديد الشرعية الفلسطينية أمام العالم، «فالوقت من ذهب، ومرحلة إدارة الانقسام يجب أن تنتهي، وفكرة الفيتو على المصالحة الفلسطينية يجب أن تتوقف.. ففي حال كانت هناك رؤية وطنية فلسطينية لليوم التالي يجب أن تكون في غزة والضفة والقدس أيضا، قبل أن يصبح اليوم التالي واقعا في الضفة وبأيد ليست فلسطينية».
وختم القيق قائلا: «مجزرة الضم وكسر الحق الفلسطيني سيترتب عليها أثر على كل الدول العربية، هناك خوف جمعي حقيقي تعيشه المنطقة جميعها بفعل الهيجان الأمريكي الإسرائيلي».
وما يدعم المخاوف السابقة ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، قبل أيام، حيث قالت إن نوّابًا جمهوريين في مجلسي النوّاب والشيوخ الأمريكييْن، قدّموا، مشاريع قوانين تحظر استخدام مصطلح الضفّة الغربية في الوثائق والمواد الحكومية الأمريكية، واستبداله بـ«يهودا والسامرة» الاسم التوراتي للضفة الغربية.
وحسب الصحيفة، يهدف التشريع المقترح إلى دعم مطالبة إسرائيل بـ«الأراضي التي استولت عليها من الأردن في حرب عام 1967 والتي ظلت تحتلها عسكريًا منذ ذلك الحين».
وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية أركنساس، توم كوتون، في بيان حول التشريع: «إن الحقوق القانونية والتاريخية للشعب اليهودي في يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة) تعود إلى آلاف السنين»، داعيًا الولايات المتحدة إلى التوقف عن استخدام «مصطلح الضفة الغربية، باعتباره مصطلحًا سياسيًا مشحونًا»، على حدّ تعبيره. فيما يقول المعارضون الأمريكيون لخطّة الضمّ الإسرائيليّة، إن مصطلح «يهودا والسامرة» هو الذي يعكس أجندة سياسية.
يذكر أن ترامب، عندما طرح عليه سؤال خلال المؤتمر الصحافي عما إذا كان يؤيّد ضمّ أجزاءٍ من الضفّة الغربية، امتنع عن الرد بشكلٍ مباشر، لكنه لم يستبعد الفكرة تمامًا أيضًا. وقال مشيرًا إلى إسرائيل: «إنها بالتأكيد دولة صغيرة من حيث المساحة». ثم استخدم تشبيهًا لتوضيح وجهة نظره: «مكتبي هو الشرق الأوسط. وهذا القلم، الجزء العلوي منه، يمثل إسرائيل. هذا ليس جيدًا، أليس كذلك؟ هناك فرق كبير».
الباحث والمحاضر الجامعي في جامعة بيرزيت عبود حمايل يرى أنه حين يتحدث ترامب عن «الخيار الأردني»، فإنه لا يتحدث فقط عن غزة، بل يعيد إنتاج مخططات قديمة تمتد إلى الضفة، ولربما الداخل الفلسطيني تحت غطاء الحديث عن سوريا، فأهمية الخطاب هنا هو تطبيع التهجير ومساومة النظام العربي علي تقبله.
يقارن الباحث حمايل بين تهجير النكبة ودعوات التهجير اليوم قائلا: «حين هُجِّرنا في النكبة، لم يكن هناك جدل واسع حول التهجير، لا في خطاب العدو ولا في خطاب الإمبراطورية التي دعمته. لم يكن التهجير موضوعًا للنقاش، بل كان ممارسة مادية، فعلاً استعمارياً يؤسس للواقع الجديد بدلًا من أن يُعلن عنه. أكثر من 500 قرية فلسطينية دُمِّرت من دون أن يُسمح للمحو أن يصبح خطابًا، بل ظل مختبئًا داخل صمت الدولة الجديدة، يُعاد إنتاجه عبر الإنكار والمحو المزدوج: محو الفلسطيني ومحو المحو نفسه».
أما اليوم، والحديث لحمايل فإنه «حين يُطرح التهجير، فإن ما تغيّر ليس منطق الاستعمار، بل آلياته في الخطاب. لم يعد المحو صامتًا تمامًا، بل أُعيدت صياغته بلغة تجعل اقتلاع الفلسطيني إجراءً إداريًا، ضرورة أمنية، أو حتى عملاً إنسانياً. حين تحدث بايدن عن التهجير في بدايات الحرب، غلّفه بمصطلح الممر الإنساني إلى سيناء، حيث لم يكن الفلسطيني مُرحَّلًا قسريًا، بل كان يُمنح طريقًا نحو الأمان، كما لو أن الطرد يصبح أقل وحشية إذا صِيغ في لغة الإغاثة. المسألة ليست فقط في التهجير، بل في الشكل الذي يُقدَّم به، في القوالب التي تجعل الجريمة قابلة للنقاش بدلاً من أن تكون غير مقبولة على الإطلاق».
ويرى أن كل ما يتعرض له الفلسطيني اليوم يؤكد على ضرورة المقاومة.
«ليست المقاومة ضرورة لأن الفلسطيني يرفض الاستعمار فقط أو العيش بذل أو تطلعه للانعتاق والتحرر، بل لأنها هي الفعل الوحيد الذي يوقف الاستعمار عن فرض منطق الحتمية، عن تحويل الطرد إلى مسار طبيعي بلا كلفة. القوى التي تدفع باتجاه التهجير والحسم، والتي تصاعد نفوذها خلال العقدين الأخيرين، لم تصل بعد إلى لحظة التمكين الكلي، لكنها تقترب منها. حتى الآن، لم تستحوذ هذه القوى على كل مفاصل القرار في دولة الاحتلال، ولم تحقق بعد سيطرة مطلقة على السياسات الغربية، لكن إذا استمر مسار الأمور بلا عائق، فإن الحسم سيصبح أكثر من مجرد مشروع، بل واقعًا متحققًا».
ويصف حمايل الضفة الغربية على أنها «الخاصرة الرخوة الحقيقية» حيث يقول: «في غزة، التهجير صعب رغم حجم الدمار، لانه مجتمع راكم قوة وخلق سبل البقاء، أو لنقل خلق إمكانية البقاء بدون ارتهان للنظام الدولي بالمعنى الكلي (لا يعني ذلك ان التهجير لن يقوم ولكن يمتلك ما لا يمتلكه الآخرون في فلسطين). أما في الضفة، فإن الهندسة الاستعمارية تتم بصورة أكثر هدوءًا، أكثر انتظامًا، عبر مزيج من التوسع الاستيطاني، والضغط الاقتصادي، والقمع الأمني، ما يجعل التهجير هناك عملية طويلة الأمد، لكنها قد تكون أكثر حسمًا من أي سيناريو آخر».
وينتقد بدوره رهان قيادات الضفة على النظام الدولي والعربي، وما توفره السلطة من خدمات أمنية، يعني أنهم قد ربطوا مصيرهم بمظلة سياسية ترى في وجودهم وظيفة، لا حقًا ثابتًا. ويكمل: «رهانهم على هذا النظام، الذي تقول أطراف مهمة فيه اليوم بكل وضوح: أتى وقت التهجير، يكشف حدود الرؤية التي حكمت سياساتهم لعقود. لم يكن الرهان يومًا على الشعب، ولا على بناء قوة فلسطينية مستقلة، بل على استمرار معادلة فرضها اتفاق أوسلو، معادلة تقوم على إدارة الفلسطينيين، لا تمكينهم».
ويختم طارحا مجموعة من الأسئلة المصيرية: «المسألة ليست إن كانت المقاومة ضرورة، بل كيف يتموقع الفلسطيني داخل هذا الصراع؟ كيف يتحول من موضوع للتهجير إلى فاعل قادر على إنتاج معادلة جديدة؟ كيف يكسر السردية التي تحاول إعادة تقديم محوه كجزء من حل؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح. كيف يتموقع الفلسطيني داخل هذا الصراع، لا كموضوع للإبادة، بل كفاعل في إنتاج المعادلة ذاتها؟».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية