عندما صرح رئيس وزراء مصر هشام قنديل أخيرا بأن التعديل الوزاري المزمع ليس سببه ضعف الأداء الوزاري الذي تشهد به الغالبية الساحقة من أبناء الشعب المصري، وإنما بسبب إلحاح بعض الوزراء في ترك مناصبهم، كان مخيبا للآمال بقدر ما كان كاشفا لأمور عديدة. أولها أن السيد قنديل كان راضيا ـ ولا يزال- عن أداء السادة الوزراء ولن يغيرهم لعيب فيهم، ولكن لرغبتهم هم، وتلك طامة كبرى، تدل على استحالة التغيير للأفضل ما دام السيد قنديل موجودا. ثانيها أن رئيس الوزراء يعيش في واد وبقية الشعب في واد آخر، لأن الواقع البائس ينطق بكم المعاناة التي يعيشها المصريون ليلا ونهارا، بدءا من الفوضى العارمة التي لا تبشر بأى خير، بل تنذر بأخطار الحوادث التي لن تبقي ولن تذر، ومرورا بافتقاد أبسط مقومات الحياة وهو توفير الحد الأدنى من الأمن. ما آلت إليه الثورة المصرية الآن يشي بشيء واحد، وهو أن البلطجية والمجرمين ومروجي الفتن وشذاذ الآفاق هم الذين جنوا ثمار ثورة رويت بدماء أطهر شهداء، وأصبحت أهداف ثورتهم الأنبل، نسيا منسيا. نعلم أن الغالبية الساحقة من الأجهزة الأمنية لا تتعاون مع الرئيس مرسي ولا مع نظامه لحاجة في أنفسهم، ولكن الشيء غير المفهوم، بل المدان أن تصمت الحكومة والرئيس على هذه الحالة المزرية من انعدام الأمن، وانتشار حالة الفوضى التي يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، وكان آخر الحوادث البشعة ما حدث في شارع الهرم (وما أدراك زحام شارع الهرم) عندما قتل 5 مجرمين مواطنا (32 عاما) وأردوه قتيلا وهو يسحب أموالا من الفيزا كارت، وسرقوا سيارته، وهذا مجرد مثال يتكرر عشرات إن لم يكن مئات المرات. هشام قنديل الذي يتحدث كثيرا عن سعي حكومته لجلب استثمارات لإنقاذ الاقتصاد المصري، ولكنه لم يسأل نفسه، أي استثمارات ترجى وسط كل هذا التردي والفوضى التي تشهدها شوارع المحروسة، بسبب غياب الأمن بدرجة لا تليق بدولة بقامة وقيمة مصر؟ ثالثها: ألا يعلم السيد قنديل أن غالبية الشعب تكتوي بنار الأسعار التي يتحكم فيها شرذمة من التجار منعدمي الضمير، وسط غياب تام للرقابة، إضافة إلى رفع الحكومة لأسعار الفواتير والخدمات بشكل مضاعف، مما أوجد حالة من السخط العام على الرئيس وحكومته لا ندرى نتائجها. نعلم أن السيد قنديل تولى رئاسة الوزارة من حيث لم يحتسب، فاتسم أداؤه وأداء حكومته بالضعف في مرحلة لا تحتمل الضعف. وزارات حكومة السيد قنديل في معظمها لا تعمل، وتتقاضى رواتب من دون أن يرى المواطن البسيط أثرا يذكر لها، وكأنها غير موجودة. لا ندري: هل يسمع ويرى السيد الرئيس وحكومته عن هذه الحوادث أم يغضون الطرف عنها، ولكن الشيء المؤكد أن هذا الشعب الذي يتأذى، ويعاني شر المعاناة يوميا لن يغفر لمن تولوا هذه المسؤولية الجسيمة من دون أن يكونوا أهلا لها. كنا نتوقع من السيد رئيس الوزراء أن يبدي أسفه وندمه وحسرته على كل هذه الحوادث التي يدفع البسطاء ثمنها من دمائهم، ولكنه بدلا من أن يفعل ذلك يسعى لتبرئة وزرائه، ودفع تهمة التقصير المعيب عنهم. الرئيس مرسي.. لن نغفر لك صمتك على كل هذا العبث والإجرام وحالة الغياب الأمني التام الذي لم تشهده مصر على مر عصورها. سيادة الرئيس.. من حقنا عليك أن تخفف عنا الويلات التي نصطلي بنارها كل يوم.