تصريحٌ بالابتهاج

حجم الخط
0

النص الآخر أحمد المديني1 أني لمبتهج حقا بقدومك. لا أذكر منذ متى لم تطرق البهجة بابي، ولا دقّ قلبي لطارق. لذا، وحقّ من خلق الماء، ومن بسط الأرض وأعلى السماء، أعلنُ أني مبتهج بقدومك.2إنك لتجيئين، وأنا أشعر بالتقادم. بالزمن كأنه هناك انساب، بل هو يمضي خلفي، وقُدامي، بلا اكتراث. لا بي، ولا به هو، وبتراكم التماثل، وباستسلام غدٍ ليومٍ يشبهُه، وهذا رغم أني منجمٌ زاخرـ أدّعي ـ لا تنفد معادنه.3مرحى، اقتربي، لا تترددي بعد أن قادتك الطريق نحوي، سأسِفّ لو قلت انتهتْ بك الطريق إليّ. أدخلي، فأنا عربي. ومن شيمي ـ شيم العرب القدامى، العاربة، طبعاـ أن أدعوك للدخول، أن أرحب بضيفي. فإن لم أجد ما أطعمه، ولا ناقة عندي لأعقرها، سأهديه روحي، ما تبقّى على الأقل، من كثرة ما تنفستِ الأيامَ والأنام، وماذا لو عادت كلها لأهديكِها كلها، أنت ضيفي.4تقفين خجلى، هكذا على العتبة، وأقف عند عتبة شفتيك، أقرأ تلعثما يهمّ بهما، يسري فيهما، لا ينطبقان على بعضهما، أتخيلني ارتميتُ بينهما، فأبقى في الأبدية. ثم، كألمٍ يتلوّى، أراهما لا تنبسان بعد، ، بكلمة.5لم أعد أنتظر أحداً. لم أعد أتوقع شيئا، مختلفا جدا. والكلمات التي كتبتُ، وأكتب الآن، لم أتوقّعها. تأتي بمفردها غازية، ولا قِبل لي بردّها. نقيضُك أنت التي أراك ـ الآن ـ رأيتك قبل قليل تقفين وجلى؛ على العتبة.6ليس قدومُك، ظهورُك الآن في مرمى بصري، أُفُقِ قَدَري، وتلعثُمِ نظري، مفاجأةً. فأنا أتجدد دائما لأفاجئ نفسي، ولا أكفّ أخرج عن طوري، تلبية لنداء أوهامي، وصرْعٍ لا قِبَل لي بعرضه، فكيف لغيري أن يتصوَّره، فيما لا فَكاك لي من التصوّر حتى وواقعي يتحدى الخيال، وخيالي. 7فيما يُخيل إليّ أن مجيئكِ الآن، بالضبط، هو مناسبة لجعل الخيال الذي يتحدى الواقع، كما يفعل دائما، وهذا يبزّ ذاك، كما يحدث أحيانا، ينفلتان من أي موقع، ونعتٍ، ومعنى، بصفة خاصة، فنصبح، أنا وإيّاك، قادريْن على منحهما المعنى الذي نشاء، نُعيِّنهما بمغزانا، وبشجن سينمو كلما انغمس النظر، وأوْرق القلبُ في القلب، ونتحدى منذئذ بهذا التصور كل حصار.8أكتفي اليوم بهذا القدر من الغلوّ. أكتفي بهذا القدوم وحدَه. قدومُك. أيُّ صفة تُلصَقُ به ستُثقله، وتَفُجّه. هل تُسمَّى الصلاةُ بغير إسمها؛ الشمسُ؛ الخريفُ؛ الدنيا؛ الربيعُ الذي يصادف كتابة هذه الكلمات؟!. بالمناسبة: ما اسمك أنت؟ أوَ يُعقل أن نتراءى هكذا، لا أعلم، أبالصوت أم بالصورة، ولا يتسمى الواحد منا للآخر، فإن ضيّعَه يوما، لو كان التقاه، لصاح ك ‘ذئب البراري’: أينك؟! 9 ……………….. فتسمَّيْ!10جميع الأسماء متاحةٌ لك. كالورد يضمّ كل الأسماء، ومفردُه وردة، مطلقا، شذاها. إنما سأرتاح عندما أسمعك وأنت تنطقين باسمك، بالضبط، في اللحظة التي تتخطين فيها العتبة… وهنا، ها أنذا أتردّد، لست، كما يقال، على ما يرام. لا أبقى في ثباتي كما أتبجّح… أكاد لا أبقى. ها أنذا أنزلق، أو أصعد إلى الذهول، أو الذُّهان… ها أنذا!11إن شئت الحقيقة، رغم انعدام أيّ حقيقة، لا يجوز لي أن اذهب بعيدا في هذا التهيؤ. أنت أقوى مني هنا. أنت الأقوى. وهذا ببساطة، لأنك الشعر، ولذا لا استطيع مضاهاتك… في الخيال، في المجاز. إذ مِن الجائز أنك عبرتِ وما رأيتُك تعبرين، فالشعر لا يُرى، مثل النبوة، مثل الوحي، لون الأذان، صوت الفجر. وأنت، أيضا، إذ تشْخصين فبالوحشة، أراك هكذا: ‘وحشتني’12لذا أستسلم أمامك الآن. الدليل، أني أكتب بالنثر. أجل، فالنثر خضوعٌ للشعر، ولكِ أنت بالذات. منذ وقت وأنا أترنّح بين البحور، الموسيقية والطبيعية، تتقاذفني التفاعيل، عَجُزًا لصدر، لعَجُز لصُدور. وها أنذا إذ أراك واقفة عند العتبة أنسى كيف يأتي الكلِمُ محمولاً على نبر التفعيلة، وأعلن أمام الملأ: غلبتََني… يا شِعر!13 ……………. .. فتسمّي!

َأوَدخلتْ، أم تُراها بقيتْ عند العتبة؟ أم هي بينهما؟ أم موقعُ الدخول والخروج عندها مكانٌ مختلف، وزمنٌ غير المتفق عليه لا يأتلف، فلن يضبط أحدٌ، لا الدخولَ ولا الخروج؟ أم تراني من صار عند العتبة، عتبة كلمات تخرق الحصار كلما عبرت الأنهار، مخرت عباب البحار؟ ها أنذا واقفٌ عند بابك أريد أن أستأذن بالدخول عليك، كم بيني وبينك من حُجُبٍ وحُجّاب، ودثار، وأستار، كم؟!14أوَ ترين كيف الكلمات لا تطاوعني كي أصف الحالة، أنا من ظننتُها تنبعُ من أناملي كمعجزة الأنبياء، فأسمّي ما يحتاج أن يُسمَّى، يوجدُ إذ أسميه أو يبقى بظهر الغيب، مبتعدا أبقى عن الصفات ومناورات الكلام. وهذا لأني بك، معك، قد سلمت لك صولجان الشعر، بل الشعر أنت، وها أنذا بعدك، برفقتك أستأنف عادتي القديمة؛ النثر. إنما، كيف أنثرك: ماءٌ، وسحابٌ، وغيابٌ، فاغترابٌ؛ ناهيكِ عن أشواق بزّاف، بزّاف. كيف؟! 15خلق الله عباده ليخشوه. ليكونوا كما يريد. كي يستحقوا ثواب اليوم الآخر، الجنة. والجنة التي نتصور شعر، صُوَر، مجاز. ما هو بتجديف، فهكذا هي موصوفة لتقريبها، والتحليق بها في حلم المتقين والطيبين. كيف أطولها وأنا أكتب بالنثر، ولذا أحتاج أن أعرفك من رأسك إلى أخمص قدميك، وجهك، لونك، نحرك، رشفك، همسك، مثلا، حِسّك، شمّك، صوتك، لمسك، خطوك… اضطجاعك، أيهما يتنهد السرير أم أنت، غطسك في الماء، خروجك من الماء، الهواء تستنشقين، مثلا، الطريق تخوضين، العين التي تراك في المرآة حين تستيقظين، بخار كأس الشاي، كيف تنطق عندك، مثلا، كلمة بالإنجليزية اسمها ‘Today ‘، والنهر، ليكن ‘السين’أو ‘أبو رقراق’ أو’النيل’، هل يراك وأنت غادية أم في الرواح يشربُك… حتى غضبُك، حبيبات العرق على الأنف والجبين، صهدُك كيف؟ 16 لم يفاجئني ربيع هذا العام. لست عقيما ليفاجئني أي ربيع. مذ متى لا أذكر، أزرع في النهار كلِمي، وفي أحشاء الليل ارتجاجي وصهيل دمي، وعلى الأديم أطبع قبلة عرفان لِمَا علمتني الغربة، والوحشة، والعزلة، وأنا أغني ملء فمي.17وها أنت جئت. تتالت من عينيك كل الفصول. قلت أختارُك أنت بديلا عن كل الفصول. حتى الخريف معبدي وشفاعتي القصوى لم أحفل به. حتى التي حفّ كأسَها الحَبَبُ. حتى ما عشت من أجله وعيدُ الغضب، أم تراه غداً عيدٌ، ربيع العرب؟!18أمس جاءني صوتك:’ حبيبي، لماذا لا ترقصني على إيقاع التانغو، أنت العائد للتو من بوينس آيرس؟ حبيبي، لماذا لا تضمني بالغناء، أليست الجماهير في كل الساحات قد بحّت حناجرها، بحرّ النداء؟! فافترشنا الليلة، لا تأبه، جسدي لحاف والسماء هي الغطاء، ، حبيبي!’.19حيّرني صوتها، كيف لي أن أتحمّل كل هذا الرجاء، ما عاد لي جسدٌ ولا مكانٌ، ولا متسعٌ من من زمان، كي أعود فأطوّقك، الأرض محيط خصرك، واكتمالك عندي يعز على الوصف، بينا لغتي الصهباء متخثرة اليوم في فمي، لا تسعفني بالكلام. والبلاغة ترتجّ أمامك، لا صورة تأتي أبلغ من صورتك، ولا إعجاز إلا منك سيسلس لي القياد! 20عن أي شيء تبحث أنت؟ عن اللفظ قبل المعنى؟ أم المعنى توَّهَ لفظَه، أم أيُّهُما تيّهَه؟ لم لا يكون لفظُك استقلّ، فيكون اللفظ لفظاً، والمعنى تجرد كنهُه في معناه، حتى استقل عن اللفظ، وذا تجنّح، صار كوكبا خارج مدار المبتغى، تعدّى سِدرة المنتهى، أيّهما يدرك الواحد، أيّهماه؟21ليس تبجّحا، ولا بطرا أن تسائلَ اللغةَ من جديد، وإلا كيف ستخاطب من تأتي للمرة الأولى. كل شيء يحتاج أن يتسمى من جديد، بله أن يكون، فتراه لتراها. الأرض، السماء، الأعشاب، الخرير الخفي، صدى الحفيف، تغريد قٌبّرة، آدم لما تذوّق العسل للمرة الأولى، يدٌ تلوِّح كالشراع، وهذه الأصوات الجامحة في كل أفق، والألوية الدافقة، ألا تراها؟! ألا تسمعها، أم.. ؟ 22بلى، أسمعها، أشمّها، إنما فيها. الغابة تبدأ من شجرة، وأنا اليوم عندي شجرتي، والربيع يزهر من العيون، يتدلى سوالف عوسج من السطوح، وأصبح نبتة فيه، رغم أن الوقت للنار، أولادنا يتعلمون تقاذف الجمر بدل كرة القدم، إنما الحرائق الحقيقية هناك، ما هذا إلا حطب ذابل، والضرام يبدأ في اللغة ويسري، كالنار في الهشيم، نحتاج إلى أجساد أخرى لنحترق. نحتاج إلى قلوب أخرى لنحب، ولذ لا جسدي يسعُني، ولا هذه اللغة تكفي، ولا المُحال يأتي.23كوني مُحالي. آخر وهم في تاريخ الجنون. إن وردة واحدة يمكن أن تصنع ملحمة حب، كما هو رفيف فراشة يهز الدنيا في آخر ركن. ألا تسمعين الدنيا تهتز من وقع خطاك، والحمام يطير كالفراش هائما في حماك. وأنا، منذ الآن، سأهجر اللغة القديمة، وأبدأ الصعود على إثر الهوى، وحريق البلاد، أعلى من كل التخوم، النار شعاري، والهمس سري، واعترافي إليك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية