تصعيد جديد بين البلدين: تركيا توقف المحادثات مع اليونان وتهدد بإعادة «بحث السيادة» على جزر إيجه

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

تصاعد الخلاف بين البلدين مع اكتشافات الغاز الأخيرة وبدء التنقيب التركي في مناطق خلافية ونشر سفن حربية وطائرات عسكرية تركية في المنطقة.

إسطنبول ـ «القدس العربي»: عقب أشهر من الهدوء النسبي بين تركيا واليونان حول الكثير من الملفات الخلافية المتجذرة والمتجددة بين البلدين، عادت إلى الواجهة مجدداً الخلافات حول ملفات مختلفة أبرزها قضية تسليح الجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية والانتهاكات المتبادلة للمجال الجوي واتهامات أنقرة لأثينا باستضافة أنشطة لتنظيم «بي كا كا» المصنف من قبل تركيا والاتحاد الأوروبي على أنه منظمة إرهابية.

وفي أحدث حلقات سلسلة التصعيد الأخيرة، أعلنت وزارة الخارجية التركية، في ساعة متأخرة من مساء الجمعة، أنها استدعت السفير اليوناني في أنقرة للاحتجاج على «السماح لمنظمة بي كا كا بالتظاهر قرب سفارة أنقرة في أثينا والتسهيلات التي توفرها بلاده للمنظمات الإرهابية» حيث تتهم أنقرة أثينا برعاية أنشطة والتساهل مع تحركات أشخاص تقول إنهم ينتمون لتنظيم بي كا كا على أراضيها.
كما تصاعدت في الأيام الأخيرة الاتهامات بانتهاك المجال الجوي المتنازع عليه بين البلدين، حيث اتهمت مصادر تركية طائرات حربية يونانية بدخول المجال الجوي التركي، في المقابل اتهمت اليونان طائرات مسيرة وحربية تركية بانتهاك المجال الجوي فوق العديد من الجزر اليونانية في بحر إيجه.
وقبل أيام، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن بلاده قررت وقف المحادثات مع اليونان لأسباب منها خلاف مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس وما تصفه أنقرة بانتهاكات للمجال الجوي، في أحدث تراجع في العلاقات المتوترة بين الجارتين منذ فترة طويلة.
وفي العام الماضي، وبعد توقف استمر خمس سنوات استأنف البلدان العضوان في حلف شمال الأطلسي المحادثات لحل نزاعاتهما في البحر المتوسط والقضايا الثنائية الأخرى، ولم تحرز هذه المحادثات تقدما يذكر، وكثيرا ما تبادل البلدان الانتقادات اللاذعة التي تركزت في الأيام الأخيرة حول السيادة على الجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية، بالإضافة إلى استضافة اليونان لعدد كبير من القوات الأمريكية المدججة في مناطق قريبة من الحدود البرية والبحرية اليونانية مع تركيا.
وقال اردوغان إن تركيا ألغت برنامجا للتعاون الثنائي، أُطلق عليه اسم المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى، مع اليونان، مضيفا في كلمة ألقاها أمام نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان أن أنقرة تريد سياسة خارجية «تتمتع بشخصية قوية» وتابع: «إنكم تواصلون الاستعراض أمامنا بطائراتكم.. ماذا تفعلون؟ انتبهوا لأفعالكم. ألا تتعلمون دروسا من التاريخ؟ لا تحاولوا العبث مع تركيا. ستتعبون وتتعثرون. لم نعد نجري محادثات ثنائية معهم. اليونان هذه لن ترى سببا لذلك».
والأسبوع الماضي، قال اردوغان إن رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس «لم يعد موجودا» بالنسبة له واتهمه بمحاولة عرقلة بيع طائرات إف-16 لتركيا خلال زيارة قام بها للولايات المتحدة، حيث ساد غضب تركي واسع من خطاب رئيس الوزراء اليوناني أمام الكونغرس الشهر الماضي.
وفي أبرز حلقات الخلاف الأخيرة، قال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إن اليونان انتهكت الوضع القائم في جزر شرق بحر إيجه، وأكد أن عليها نزع الأسلحة و«إلا فسيبدأ بحث مسألة السيادة» في تهديد كررته تركيا في السنوات الأخيرة واعتبرته اليونان «تشكيكاً في سيادتها على جزرها».
وقال الوزير التركي إنه تم وضع عدد من الجزر تحت سيطرة اليونان عام 1923 بموجب اتفاقية لوزان، وعدد آخر وفقا لاتفاقية باريس عام 1947 مشيرا أن الاتفاقيتين تضمنتا شرط عدم تسليح هذه الجزر، لافتاً إلى أن «الحكومة اليونانية أنكرت في البداية تسليحها الجزر المعنية، ثم اعترفت لاحقا مبررة ذلك بوجود تهديد من تركيا» مشيراً إلى أن «تركيا وجهت التحذيرات اللازمة لليونان، وبعثت رسالتين للأمم المتحدة، ذكرت في الأولى أن أثينا سلّحت الجزر وأن ذلك انتهاك للاتفاقيتين، وشرحت في الثانية الوجه القانوني للمسألة بالتفصيل».
وعلى الرغم من أن الوزير التركي حاول التأكيد على أن تهديده يتعلق بنقل الملف للمحافل الدولية، إلا أن الرسائل الأساسية كانت واضحة وتتعلق بأن إصرار اليونان على تسليح الجزر منزوعة السلاح يعتبر خرقا للاتفاقيات التي مُنحت اليونان الجزر بموجبها وأن ذلك يتيح لتركيا التنصل من بنود هذه الاتفاقيات، بمعنى أن أنقرة ربما تلوح في مرحلة لاحقة بعدم اعترافها بأن هذه الجزر تخضع للسيادة اليونانية.
ومنذ سنوات، تتهم تركيا اليونان بالتحشيد العسكري في العديد من الجزر القريبة منها والتي تنص العديد من الاتفاقيات الدولية على إبقائها منزوعة السلاح. ومؤخراً عادت أنقرة لطرح الملف بقوة قبل أن تظهر صور تداولتها وسائل إعلام يونانية وتركية إرسال أثينا عناصر من الجيش اليوناني مدججين بالأسلحة إلى جزيرة ميس التي لا تبعد سوى أقل من ثلاثة أميال عن السواحل التركية وهو ما كاد أن يفجر نزاع مسلح بين البلدين العام الماضي.
والخلاف بين تركيا واليونان على ملكية العديد من الجزر ووضعها القانوني والعسكري بالإضافة إلى الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة في بحري إيجه والمتوسط متواصل منذ عقود، لكنه تصاعد بشكل خطير مؤخراً مع اكتشافات الغاز الأخيرة وبدء التنقيب التركي في مناطق خلافية ونشر سفن حربية وطائرات عسكرية تركية في المنطقة.
وسبق أن اعتبر وزير الدفاع التركي خلوصي أقار أن «الحشد العسكري اليوناني في 16 جزيرة ببحر إيجه مخالف للقوانين الدولية». وتؤكد تركيا أن تسليح الجزير يشكل تهديداً على أمنها القومي وتقول إن معاهدة لوزان للسلام، «أحدثت وضعا غير عسكري في جزر بحر إيجه، بعد الأخذ بعين الاعتبار المتطلبات الأمنية لتركيا، وهذا الوضع استمر في معاهدة باريس للسلام، عبر الاعتراف الصريح والواضح به، فهذه المعاهدة خلقت وضعا حياديا لصالح تركيا».
وفي السنوات الأخيرة، تحدثت وسائل إعلام تركية عن أن تسليح اليونان للجزر منزوعة السلاح وصل إلى مراحل «متطورة ومقلقة» وكشفت تقارير إعلامية غير رسمية عن نقل عشرات آلاف الجنود ومئات الدبابات والمدرعات إلى جانب العمل على تأهيل مطارات عسكرية وبناء موانئ عسكرية لتصبح جاهزة لاستقبال طائرات وسفن عسكرية وهو ما تكرر وسائل الإعلام وشخصيات سياسية وعسكرية تركية اعتباره «تهديداً للأمن القومي التركي».
من جهته، قال عمر جليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا إن اليونان عبر تسليحها الجزر في بحر إيجه «تفضّل أن تسلك طريقًا غير قانوني، وهذا طريق مسدود» معتبراً أن «التصريحات المتطرفة الصادرة عن الدول الأخرى (لم يحددها) لا تعني أي شيء أمام مجالنا السيادي والقانون» وأضاف: «الدول التي تدعم انتهاك اليونان للقانون بمنطق التضامن القبلي، لا تمتلك نوايا حسنة حيال العلاقات التركية-اليونانية» واصفاً تصريحات فرنسية بهذا الشأن بأنها «استفزازية وتقوض الحلول الدبلوماسية».
ورداً على التصريحات التركية، دعت الخارجية اليونانية في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة الخميس «تركيا رسميا إلى وقف التشكيك في سيادتها على جزر بحر ايجه» وجاء في الرسالة أن «التشكيك» يتم «لا سيما من خلال المزاعم الخاطئة تاريخياً والتي لا أساس لها من الصحة». كما طالبت أثينا أنقرة «بالامتناع عن الأنشطة غير المشروعة التي تنتهك سيادة اليونان» بحسب المصدر نفسه.
وكانت الوزارة اليونانية قد أبلغت الجمعة الماضي تركيا «احتجاجها» بعد «انتهاك غير مسبوق للسيادة اليونانية من قبل طائرتين تركيتين مقاتلتين» وذكر البيان أن الطائرتين التركيتين اقتربتا من ميناء ألكسندروبوليس الواقع قرب الحدود اليونانية التركية شمال شرق اليونان على مسافة 2.5 ميل بحري، وهو ما نفته وزارة الخارجية التركية معتبرة أنها «مزاعم غير صحيحة» ووجهت اتهامات لطائرات يونانية بانتهاك المجال الجوي التركي.
والثلاثاء، قال رئيس الوزراء اليوناني بعد قمة للاتحاد الأوروبي إنه أطلع نظراءه في الاتحاد الأوروبي على «عدوانية» تركيا و«استفزازاتها التي لا يمكن أن تتسامح معها اليونان أو الاتحاد الأوروبي».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية