تصعيد شرس في حملة استهداف ناشطي تظاهرات العراق

حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: بالتزامن مع دخول الانتفاضة الساعية للإصلاحات في العراق، شهرها الثالث هذا اليوم، يتعرض نشطاء التظاهرات والإعلاميين الداعمون لها، إلى أبشع حملة استهداف منظمة في تاريخ العراق الحديث.

ويؤكد حملة راية حرية الفكر من النشطاء ورجال الإعلام خلال لقاءاتهم وتصريحاتهم عبر القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، أنهم يواجهون حربا نفسية بشعة في كل يوم يتوجهون فيه إلى ساحات التظاهر والاعتصام، جراء حملة منظمة من الاغتيالات والخطف والاعتقالات تنفذها جهات رسمية وغير رسمية ضدهم.

نماذج من حملات الاستهداف

وفي محاولة لإسكات أصوات الحق المدافعة عن التظاهرات والشعب، شهد العراق سلسلة اغتيالات طالت ناشطين وإعلاميين منذ بدء انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر.

فقد اغتال مسلحون مجهولون بأسلحة كاتمة للصوت، الناشط المدني والأديب أمجد الدهامات، الذي يعد أحد أبرز قادة التظاهرات الشعبية في محافظة ميسان جنوبي العراق. وتمت عملية التصفية بعد عودته من ساحة الاعتصام في مركز المحافظة. وفي بداية الشهر الماضي، قُتل الناشط ورسام الكاريكاتير العراقي حسين عادل وزوجته سارة على يد مسلحين اقتحموا منزلهما في مدينة البصرة جنوبي العراق لمشاركتهما في معالجة جرحى التظاهرات.

كما انضم إلى قافلة شهداء الانتفاضة، ناشطون آخرون منهم عدنان رستم، الذي اغتيل على يد مسلحين مجهولين في بغداد بعد عودته من التظاهرات، كما اغتيل عامر النصراوي من بابل، في انفجار قنبلة في مخيم الاعتصام، ووسام النصر الله من الناصرية.

وفي السياق ذاته، نجا بطل آسيا في رياضة بناء الأجسام، مشتاق العزاوي، من محاولة اغتيال في منطقه الحسينية شمالي بغداد. وقد أصيب العزاوي بثلاث رصاصات في قدمه بعد مشاركته في التظاهرات. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لمحاولة الاغتيال.

ومن جهة أخرى تعرض المئات من المتظاهرين والناشطين، إلى حملة اعتقالات واسعة، إضافة إلى عمليات خطف من قبل جهات مجهولة، بينما تحدث ناشطون عن وجود قوائم بأسماء عدد كبير من الناشطين المطلوبين لمشاركتهم بالتظاهرات.

وكانت لجنة حقوق الإنسان الحكومية أعلنت خطف صبا المهداوي، الطبيبة والناشطة، منددة بـ”عمليات الاختطاف المنظمة”. كما جرى خطف الناشطتين ماري محمد وميمونة شاكر محمود، بعد عودتهما من المشاركة في تظاهرات ساحة التحرير ببغداد في تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

وفي تعليق عن عجز الحكومة على حماية المتظاهرين واستمرار خطف الناشطين، أكد زعيم المنبر العراقي أياد علاوي، في تغريدة على حسابه في تويتر: “أختُطفت صبا المهداوي، وأُفرج عنها ولم نعلم من هي الجهة التي قامت باختطافها وكم اختطفت قبلها أو ستختطف بعدها. كم مختطفاً أو معتقلاً لم تُسلّط عليه الأضواء ما يزال مصيرهم مجهولاً؟”. وقال: “متى سينتهي هذا المسلسل المخجل، ومتى سيشعر العراقي بالأمن والأمان رغم تخمة أعداد الأجهزة الأمنية”.

وفي الإطار ذاته، قام مجهولون باختطاف ثلاثة محامين ناشطين في الاحتجاجات الشعبية، ولا يزال مصيرهم مجهولا، وهم عبد الكريم العميري وعلي الساعدي من بغداد وعلي جاسب من ميسان، مما حدا بنقيب المحامين العراقيين ضياء السعدي إلى استنكار اختطاف المحامين، مؤكدا في تصريح صحافي “أن اختطاف المحامين يعد من الجرائم الخطرة التي تخلق أجواء من الرعب والتخويف بين صفوف المحامين المتظاهرين السلميين وتؤدي ايضا إلى هز المجتمع العراقي”.

بينما أعلن ناشطون أن زميلهم الناشط علي هاشم قد تم اختطافه في بغداد من قبل مسلحين مجهولين عند عودته من التظاهرات، وناشدت عائلته الحكومة لكشف مصير ابنها. كما تم خطف الناشطين حسن الحسيني من كربلاء وخالد جمال وجبار ستار وغيرهم الكثيرين.

ويذكر أن بعض الناشطين المختطفين قد تم إطلاق سراحهم بعد أيام من الاعتقال والتعذيب وبعد تهديدهم بعدم العودة إلى التظاهرات، ومن ذلك إطلاق سراح الناشطين علي هاشم وصبا المهداوي وماري محمد، بعد أيام من خطفهم من قبل جهات حكومية وبعد تدخل سياسيين وضغوط الشارع. بينما ما زال المئات من الناشطين مختطفين.

وفي الوقت الذي أعربت مفوضية حقوق الإنسان عن قلقها حيال مصير مخطوفين بينهم متظاهرون وصحافيون وكوادر طبية، منددة بـ”عمليات الاختطاف المنظمة” فإن منظمة العفو الدولية بدورها، دعت السلطات العراقية إلى الكشف عن مصير الناشطين في التظاهرات. وقالت المنظمة في رسالة وجهتها لوزير الداخلية العراقي ياسين الياسري “إن اختطاف الطبيبة صبا المهداوي يأتي في إطار حملة لإسكات حرية التعبير في العراق”. وشددت على أن السلطات العراقية أخفقت في إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في الانتهاكات المرتكبة ضد النشطاء والصحافيين.

وكان مجلس القضاء الأعلى، أوعز بإطلاق سراح نحو 2500 شخص ممن شاركوا في التظاهرات، والذين كانوا معتقلين لدى السلطات الأمنية من دون مسوغ قانوني سوى الاشتراك في التظاهرات التي كفلها الدستور.

وإضافة إلى الأرقام السابقة لضحايا التظاهرات بسقوط 350 شهيدا ونحو 15 ألف مصاب ومئات المعتقلين، فقد أعلنت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، عن مقتل 11 متظاهرا وإصابة 289 آخرين في الاحتجاجات التي شهدتها بغداد ومحافظات جنوبية، خلال الأسبوع الماضي، نتيجة استخدام القوات الأمنية “العنف المفرط”. وقد طالبت المفوضية، الحكومة “بالتدخل العاجل لايقاف العنف بشكل فوري واتخاذ أقصى درجات ضبط النفس وتطبيق معايير الاشتباك الآمن والمحافظة على أرواح المتظاهرين والقوات الأمنية”.

العالم يرفض العنف

وفي جديد مواقف منظمات حقوق الإنسان وجهات دولية، فقد عبرت تلك الجهات عن القلق من انهيار حقوق الإنسان وتصاعد أعداد ضحايا الانتفاضة بشكل غير مسبوق في العراق.

ودعا اتحاد المحامين العرب في رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى “حماية المتظاهرين السلميين في العراق من الاستخدام المفرط للقوة” مطالبا “أن تأخذ جميع أجهزة الأمن المعنية دورها اللازم لحماية المتظاهرين”.

وأعرب الاتحاد عن أمله، في أخذ المادة 99 من الميثاق بعين الاعتبار لتنبيه الحكومة العراقية إزاء الاستخدام المفرط للقوة، مشدداً على ضرورة مقاضاة جميع المتورطين في أعمال العنف.

وبدورها وصفت منظمة العفو الدولية في بيان، بتاريخ 25/11 التطورات التي تشهدها مدينة البصرة جنوبي العراق، بأنها “صادمة”. وقالت المنظمة إن هناك “تطورات صادمة في العراق، جراء تصاعد موجة العنف الذي يتعرض له المتظاهرون في البصرة، والذي أدى إلى مقتل وجرح العديد من الأشخاص”. وأكدت المنظمة انها “تشعر بالقلق الكبير إزاء التجاهل الواضح والمشين من قبل قوات الأمن العراقية لأرواح المحتجين، وحريتهم في التعبير والتجمع”.

وفي موقف لافت للإدارة الأمريكية، وصف مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، الوضع في العراق بـ”الرهيب والفظيع” مهددا بعقوبات قد تفرضها واشنطن قريبا ضد المسؤولين عن “الفظائع” في العراق. وعبر شينكر الثلاثاء الماضي في مؤتمر صحافي في الخارجية الأمريكية، عن استيائه، قائلا إن “الوضع في العراق رهيب وفظيع، في ظل استخدام القوة بشكل مفرط” ضد المتظاهرين. وكشف أن “واشنطن تواصل تحقيقاتها بشأن تحديد المسؤولين عن أعمال العنف والفظائع التي يتم ارتكابها في العراق، وستمضي قريبا في فرض عقوبات عليهم”.

أما الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت، فإنها وبعد زيارتها جرحى التظاهرات الراقدين في مستشفى ببغداد، قالت في تغريدة لها بموقع تويتر، إنها “حزينة للغاية لمشاهدة الإصابات المروعة” مشددة انه “يجب ألا تأتي حرية التعبير أبداً بهذا الثمن”.

وأكدت بلاسخارت، أن القتل والاختطاف والتهديد والضرب مستمر ضد المتظاهرين. وقالت في كلمتها أمام مجلس النواب العراقي: “بينما نحيي ذكرى من فقدناهم، لا تزال قيمهم ومطالبهم كما هي، وخلال الأسابيع الستة الماضية، تظاهر مئات الآلاف من العراقيين حاملين مطالب حقيقية ومشروعة وواضحة”. وشددت على أن “العنف لا يولد إلا العنف… وينبغي أن يتوقف الآن”. وكانت بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي” نشرت تقريرين خاصين حول انتهاكات حقوق الإنسان في العراق.

قمع وسائل الإعلام

ولم تكتف الحكومة العراقية باستهداف التظاهرات والناشطين والإعلاميين الداعمين لها فحسب بل شملت إجراءاتها غلق عدة قنوات فضائية وإذاعات، لإسكاتها وردعها عن تغطية التظاهرات.

وقد أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات (الحكومية) قائمة بأسماء قنوات طلبت إيقاف بثها بحجة قيامها بـ”التحريض” ونقل فعاليات التظاهرات، ومنها قنوات “العربية، الحدث، الشرقية، الفلوجة، الرشيد، هنا بغداد، دجلة، والحرة”. كما وجهت الإنذار إلى قنوات أخرى ومنها “السومرية، آسيا، روداوو، سكاي نيوز، واور”. إضافة إلى غلق المحطات الإذاعية “راديو الناس، سوا، إذاعة اليوم، نوا”. وقوبل قرار هيئة الإعلام بموجة استنكار واسعة من منظمات حماية الإعلام وحقوق الإنسان، التي اعتبرته قرارا متعارضا مع مواد الدستور التي تكفل حرية الفكر والإعلام.

وهكذا يبدو أن قرار الحكومة العراقية والأحزاب الحاكمة هو إنهاء الانتفاضة المطالبة بالإصلاحات بكل الوسائل، متجاهلة مواد الدستور التي تكفل حق التظاهر وحرية الفكر والرأي، إضافة إلى تجاهل التحذيرات الدولية من تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان في العراق منذ شهرين، وسط إصرار المتظاهرين السلميين على الاستمرار حتى تحقيق مطالبهم المشروعة مهما كانت التضحيات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية