وحده النموذج التونسي الذي دشن مسار الربيع العربي، رغم محاولات تشويهه، إلا أنه حافظ على نصاعته كنموذج قابل للتعميم والتداول في البلدان العربية، ويعني ذلك ضعف التدخل الخارجي لحرف مسار الشعب التونسي عن مراده وتحقيق النموذج غير القابل للتداول في مناطق أخرى، وهو ما يشهد عليه ضعف التدخل الخارجي في الربيع التونسي، وكذلك ضعف التحديات التي واجهها الحراك الشعبي في تونس داخلياً وإقليمياً.
أولى مراحل ما يمكن تسميته ‘تصفية’ الربيع العربي بدأت خيوطها من مصر، البلد الذي شكل الصدمة الأكبر في تاريخ الربيع العربي، من حيث مساراته المتبدلة والمفاجئة، فزيارة عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري والرئيس المقبل لمصر ‘بلا منازع’ الى روسيا كانت بمثابة بداية الرحلة للترشح للرئاسة، عبر سلوك طريق واحد من أهم قادة مصر التاريخيين، وهو جمال عبد الناصر السوفييتي الهوى، فإعلان الترشح من قبل السيسي لسدة الرئاسة، لم تأت كما أراد مناصروه من داخل مصر، وهي ملاحظة جديرة بالانتباه، بل أتت من روسيا الوريث التاريخي للاتحاد السوفييتي، متمثلاً مسيرة الراحل عبد الناصر بحذافيرها، ضارباً عرض الحائط كل ما يقال عن شعبيته الجارفة التي كان من الممكن أن يوظفها لإعلان الترشح.
مسيرة السيسي إلى سدة الحكم لن تكتمل إلا من خلال سلوك الطريق ذاته، وتسجيل إنجاز عسكري لا يقل أهمية عن حرب اكتوبر، ولكن هل يعقل أن يخوض السيسي حرباً ضد ‘إسرائيل’، وهي التي تعتبر وجوده في الحكم مكسباً كبيراً يعوض خسارة مبارك فيه؟ حملة السيسي الانتخابية سوف تكلل بخوض هذه الحرب ضمن سياق تثبيته على عرش مصر، ولكن ضمن ظروف إقليمية توظف فيها هذه الحرب لصالح قتل الربيع العربي وإنهاء أي طموح باستنساخه مستقبلاً، ولن يكون نموذج حرب اكتوبر الناصع بعيداً عن هذا المسار، فالتحالف السوري المصري ضد العدو التاريخي للأمة (إسرائيل) سيكون السيناريو الأبرز لتلميع صورة رجلي مصر وسوريا الهزيلة أمام شعبيهما، ليتم تحقيق نصر عسكري معنوي يسهم في إنهاء الانتفاضة في كل من مصر وسوريا على حد سواء، ومبررات هذه الحرب الإقليمية المحدودة زمنياً وعسكرياً، موجودة وحاضرة، ولا تحتاج إلى افتعال كما يقال.
على الصعيد السوري، لا يختلف اثنان في أن الفشل السياسي كان متوقعاً قبيل بدء مفاوضات جنيف 2، لكن الغريب أن الجميع الآن أصابه الاكتئاب إزاء الإجابة على السؤال التالي:
ما البديل إذن؟ رغم أن الجميع كان لا يعول على جنيف 2، وان النظام السوري سوف يقوض أي مشروع لتشكيل هيئة انتقالية سياسية في سوريا، إلا أن الواقع أن سؤال إلى أين؟ بات هاجس الجميع رغم توقع الفشل، وهو ما حدا بالرئيس الأمريكي باراك اوباما الى الطلب من مستشاريه مجدداً بحث الخيارات الأمريكية في سوريا، بعــــد ان توالت التصريحــات الرسمية الامريكية بفشل السياسة المتبعة في سوريا، وان التغيير الحقيقي بات مطلوباً.
الخيار العسكري الذي تراجع عنه الرئيس الامريكي قبل عام تقريباً، يعود هذه المرة للتقدم وترتفع أسهمه مجدداً، فحسم المسألة السورية التي اصبحت مؤرقة للغرب قبل دول المنطقة، وسبباً للاحتقان الدولي، باتت مهمة الرئيس الامريكي قبيل مغادرته البيت الابيض، لتسجيل انجاز سياسي عسكري. تسريبات عسكرية واستخباراتية تشير إلى ان الرئيس الامريكي قد يحسم امره قريباً جدا بشأن اتخاذ عمل عسكري ضد النظام السوري، ومبرراته في ذلك عدة، منها فشل مفاوضات جنيف التي عول العالم عليها لحل الأزمة السورية، وعدم تجاوب النظام السوري مع الضغوط الدولية، وعدم تنفيذ النظام السوري لتعهداته بنزع سلاحه الكيماوي، حيث أعلن منذ فترة ان نسبة تنفيذ الاتفاق لم تبلغ 11′ فقط من المخزون الكمياوي السوري. وقناعة الادارة الامريكية بان القوى المتشددة في سوريا قد استنزفت الان الى حد كبير وانها بلغت مرحلة من التجمع في سوريا يمكن من خلالها اقتناص اعداد كبيرة منها بأقل تكلفة. وانتزاع سوريا من الدب الروسي بعد أن قايضت دول الخليج مصر بسوريا، ومنحت الكرملين أرض الكنانة عبر السيسي وإعلان ولائه لروسيا مقابل الاستحواذ على سوريا وانهاء مأساتها.
على الصعيد اللبناني، فوجئ الجميع بالإعلان عن تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة خــــلال ساعات، وكان اللافت فيها تراجع فريق 8 آذار عن مواقفه المتصلبة ومنح المزيد من الوزارات لفريق 14 آذار المعادي للنظام السوري، وكذلك مشاركة حزب الله اللبناني في الحكومة، رغم كل حالة العداء والاحتقان التي كانت قائمة.
اللافت في الأمر أنه بمجرد ان وصلت التسريبات الاستخباراتية الى دمشق، وهي اللاعب الاساسي في ما مضى بتشكيل اي حكومة لبنانية، حتى وجهت دمشق حلفاءها في لبنان بالقبول بأي صيغة لتشكيل الحكومة على عجل، وتأمين غطاء سياسي شرعي لحزب الله وميليشياته المشاركة في قمع الشعب السوري، بالنظر إلى ما قد تتطور اليه الأمور واحتمال مشاركة الحزب في المعركة العسكرية المقبلة.
وللمفارقة فإن حزب الله عندما قرر الاعلان عن انخراطه في سوريا وقمع الشعب هناك الى جانب النظام، فرط عقد الحكومة وأعلن استقالتها كي لا يقال ان حزباً يستحوذ على الحكومة في لبنان يشارك في أعمال عدائية في سوريا ويورط الحكومة اللبنانية، لكنه هذه المرة بادر إلى الاعلان عن حملة واسعة في القلمون السوري بالتزامن مع الاعلان عن تشكيل الحكومة لتأمين اي تسويات سياسية قد تحدث في أعقاب الحرب الاقليمية الوشيكة، وبذلك تكون مشاركة حزب الله ‘رسمية’ وعلى شكل دولة لها حصتها في الحرب والسلم والتفاوض، ويؤمن بذلك مكانه في ما بعد المأساة السورية.
عوامل متعددة تتكثف، ويمكن إدراك ان كلاً من النظامين السوري والمصري بحاجة إلى نصر عسكري مشترك، يثبت كلا الرجلين على سدة الحــــكم، وتدور التسريبات حول موعد هـــذه الحرب المفتعلة، التي سوف يستفـــيد منها الجميع بلا استثناء، بشار الاسد في سوريا، عبد الفتاح السيسي في مصر، كرجلين لمرحلة الانتصار القومي مجددا، والقضاء على النقمة الشعبية المتنامية مؤخراً عليهما، من خلال منحهما نصراً معنوياً على ‘إسرائيل’ وسوف يشارك في هذه الحرب ‘الربيعية’ الموعد حزب الله اللبناني لضمان مكان له في الترتيبات المستقبلية، بعد وصفه بالميليشيا الطائفية، وسوف تكون ضريبة الحرب الخاطفة والسريعة تدمير البنى التحتية في لبنان، حيث سيكون تركيز المعارك، ودخول الجيش السوري إلى هضبة الجولان وتأمين ترتيبات سياسية لاستعادتها للسيادة السورية، ومشاركة مصر عبر وزير دفاعها في الدفاع عن إحدى قلاع القومية العربية (سوريا) في استنساخ لنموذج حرب تشرين اكتوبر. وبذلك يتم القضاء على حراك الربيع العربي في الربيع المقبل، وتطوى صفحة أي حراك شعبي يمكن أن يواجه الأنظمة العربية التي ستكون قد استعادت جزءاً من شعبيتها في هذه الحرب الخاطفة.. وربما الشكلية!
‘ كاتب وباحث فلسطيني