قلب الهجوم الذي شنته قوات المشير خليفة حفتر، للسيطرة على المدن الرئيسة في الجنوب الليبي، الموازين العسكرية، كما كشف عن ضعف حكومة الوفاق، المُتحصنة في العاصمة طرابلس بلا سلطات فعلية. وأتى هذا الانعطاف في أعقاب صراع صامت طيلة السنوات الأربع الماضية، أي منذ إطلاق القائد العسكري خليفة حفتر “عملية الكرامة” في 2014، من أجل السيطرة على منطقتي “برقة” (الشرق) و”فزان” (الجنوب الليبي). وبرَر أنصار حفتر التمدُد نحو الجنوب بالقضاء على الجماعات المسلحة، التي تتحكم بشبكات التهريب والجريمة المنظمة، والمستفيدة من غياب الدولة.
ضوء أخضر فرنسي
من الواضح أن مبادرة حفتر إلى إطلاق العملية العسكرية الواسعة في الجنوب تحظى بضوء أخضر من فرنسا، فلولا وجود تلك الموافقة لما استطاع تحريك قواته في اتجاه الجنوب، وهو ما لم يتجاسر على فعله من قبل. بهذا المعنى يبدو الصراع على الجنوب امتدادا للمناكفات الايطالية الفرنسية، التي تطورت أخيرا إلى تراشق إعلامي بين كبار المسؤولين في الدولتين، محورُهُ ليبيا. ويمكن القول إن الأزمة الحالية في الجنوب هي تصفية حساب بين روما وباريس على الأراضي الليبية وبأدوات محلية. وأظهر الفرنسيون من خلال دعمهم لحفتر أنهم باتوا يُمسكون بورقة عسكرية واستراتيجية مهمة، بعد تحكم حليفهم بكل من منطقتي برقة وفزان. ومسكوا أيضا بورقة النفط، إذ أن 70 في المئة من حقول النفط الرئيسة، التي تقع في مناطق الشرق والجنوب، باتت في قبضة حفتر، وهذا انعطاف كبير في موازين القوى ستكون له تداعياته العسكرية والسياسية، فضلا عن التداعيات الاقتصادية.
في خلفية هذا السباق الفرنسي الايطالي يمكن الاشارة إلى عنصر تاريخي يتمثل في إقدام قائد قوات الاحتلال الايطالية الجنرال غرازياني على شنق قائد المقاومة المسلحة الشيخ عمر المختار في المنطقة الشرقية، في ثلاثينات القرن الماضي، ما جعل الايطاليين غير محبوبين شعبيا في ليبيا. في المقابل، استفاد الفرنسيون من الصورة الايجابية التي ترسخت عنهم لدى أهالي الشرق الليبي، على اعتبار أنهم هم الذين حالوا دون دخول دبابات معمر القذافي إلى مدينة بنغازي إبان ثورة 17 شباط/فبراير 2011. أكثر من ذلك، رجح محللون أن حفتر سعى لإحكام قبضته على حقول الهلال النفطي منذ حزيران/يونيو الماضي، مع تشجيعه على نقل مقر مؤسسة النفط الوطنية إلى بنغازي، كي يستحوذ على عوائد النفط ويخنق حكومة الوفاق، التي يقودها فائز السراج من العاصمة طرابلس ماليا ويشلَ أعمالها.
منطقيا لا يمكن للضابط، الساعي لحكم ليبيا بأسرها، أن يُقدم على سلسلة الخطوات العسكرية والمبادرات السياسية التي قام بها، وخاصة السيطرة على الحقول النفطية، من دون ضوء أخضر من باريس، التي ترى نفسها المعنية الأولى بالملف الليبي. وهذا ما جعل الأطراف الأخرى تعترض على خطة حفتر وتفرض عليه العدول عن تغيير وضع “مؤسسة النفط الوطنية”.
مجموعتان لدودتان
خلف هذه التجاذبات يوجد صراع ضار بين روما وباريس محوره ثروة ليبيا النفطية، وطرفاهُ المجموعتان اللدودتان “إيني” الايطالية و”توتال” الفرنسية. ووصل هذا الصراع إلى ذروته مع توجيه وزيرة الدفاع الايطالية أليزابيت ترانتا اتهامات لفرنسا بأنها المتسببة في الأوضاع الراهنة التي وصلت إليها ليبيا، بفعل تدخلها العسكري في 2011 و”وضع مصالحها فوق مصالح ليبيا وأوروبا” على ما كتبت ترانتا. وبعدما كرَت التصريحات المماثلة من مسؤولين إيطاليين، تدهورت العلاقات الثنائية إلى مستوى لم تبلغه منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تُخف باريس ارتياحها لسيطرة قوات حفتر على مثلث المدن الرئيسة في الجنوب الليبي، وهي سبها ومُرزق وأوباري، وبررت وزارة الخارجية الفرنسية ذلك التأييد بأن ضربات حفتر استهدفت جماعات إرهابية تحصنت في جنوب ليبيا، بعد اندحارها من مدينة سرت الساحلية. ويقول أنصار حفتر إنه لن يتبقى أمام الجيش، بعد السيطرة على الجنوب، سوى الشريط الساحلي الشمالي الممتد من مصراتة إلى الزاوية بطول 270 كيلومترا. وذهبت باريس إلى أبعد من ذلك، إذ تدل مؤشرات عدة على أنها تدعم الرئيس التشادي ادريس ديبي ضد المعارضة المسلحة، وتسعى لوضع هذه الأخيرة بين المطرقة والسندان، كي تستتبُ لها السيطرة على جنوب ليبيا وشمال تشاد. وتأكد ذلك من خلال الغارات التي نفذتها أخيرا طائرات ميراج 2000 الآتية من قاعدة نجامينا ضد قوافل المعارضة التشادية، في إطار العملية الواسعة التي أطلقت عليها باريس اسم “عملية برخان” في عهد الرئيس السابق فرنسوا أولاند. وتعترض قبائل التبُو الليبية-التشادية المُستقرة في منطقة فزان، على دور المشير حفتر في الجنوب الليبي الذي تتهمه بزعزعة التوازنات القائمة هناك منذ ثماني سنوات.
مطاردة الجماعات الإرهابية
من هنا اتخذت عملية حفتر أبعادا استراتيجية كونها ترمي، إلى السيطرة على الحدود الجنوبية التي تتقاسمها ليبيا مع كل من تشاد والنيجر والسودان، تحت شعار مطاردة الجماعات الإرهابية، وفي مقدمها تنظيم “داعش” وشبكة “القاعدة”. ويُقدَرُ طول تلك الحدود بـ4389 كيلومترا. ويُقيم الرئيس ديبي علاقات متينة مع المشير حفتر، الذي زار نجامينا أكثر من مرة، وأعلن الرجلان أنهما يخوضان حربا مشتركة ضد الجماعات المسلحة وعصابات التهريب العابرة للحدود.
يعزو محللون فرنسيون تشبُث نجامينا بالتحالف مع حفتر إلى حرص باريس على بقاء ادريس ديبي، حليفها الرئيس في منطقة الساحل والصحراء، في سدة الحكم، وهو هدفٌ لا يتحقق من دون الاعتماد على حفتر في المساعدة على “تنظيف” الجنوب الليبي من فصائل المعارضة التشادية المسلحة. ويُعتبر هذا العمل مُكملا لدور الجيش الفرنسي المُتمركز في محيط العاصمة التشادية نجامينا.
على الصعيد الداخلي يُبدي سكان المنطقة الغربية، وخاصة العاصمة طرابلس، وهي المدينة الأعلى كثافة سكانية، مخاوف شديدة من تمدُد قوات حفتر غربا، واستطرادا تراجع فسحة الحريات، أسوة بما حدث في المنطقة الشرقية، التي يحكمها أنصار المشير، فبعدما احتجبت الصحف وتعثرت المحطات الاذاعية وهاجرت القنوات التليفزيونية المحلية إلى اسطنبول وعمان والقاهرة، شملت حملات الدهم والإغلاق أحد المقاهي المعروفة في بنغازي “كافي كازا” (مقهى الدار البيضاء) بدعوى أنها كانت ستحتضن “حفلة ماجنة مختلطة بين الذكور والإناث”، وهو ما نفاه بشدة أصحاب المقهى، الذين تم اعتقالهم لدى قفل المحل. ويُعزى هذا التشدد إلى تحالف حفتر مع التيار المدخلي الذي ظهر في ليبيا خلال العقد الأخير من حكم معمر القذافي، ومن مبادئه تحريم الانتخابات والديموقراطية وطاعة أولي الأمر طاعة مطلقة. وكان القذافي يستخدم عناصر هذا التيار في مواجهة تيار الإخوان والتيارات الجهادية. أما حفتر فاعتمد عليهم في فرض سلطاته، وسمح لهم بالانتشار من الحدود الغربية لليبيا إلى أقصى الشرق، مع إبرامهم تحالفات مناطقية وعسكرية لجعل الطريق سالكة أمام حفتر. ويمكن أن نعتبر التصريحات التي أدلى بها في أكثر من حديث صحفي، ومفادها أن “ليبيا غير ناضجة للديمقراطية”، القاسم المشترك مع حلفائه المداخلة. لكن الأرجح أن ما يهمُ باريس هو أن تُهيئه لدور أمامي.
نهاية “عملية برخان”؟
وكشف الفرنسيون بطريقة مُواربة أنهم يرغبون بوضع حد لـ”عملية برخان”، بالنظر لكلفتها البشرية والمادية الباهظة، مع قناعتهم بأن الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف تتمثل بفرض الاستقرار في جنوب ليبيا وإنهاء وجود الجماعات الأصولية المسلحة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق سوى بالتعويل على قوات حفتر حسب مسؤولين فرنسيين. غير أن إقدام الأخير على بعثرة التوازنات العسكرية والقبلية التي سادت في الجنوب منذ الاطاحة بالقذافي، ستُشعل مجددا فتيل الصراعات القبلية والاثنية، خاصة في فزان، بين من دافعوا عن النظام السابق ومن حاربوه، وهي أحقادٌ تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، وتؤدي إلى مواجهات مسلحة.
يترافق هذا الصراع بين الفرقاء الليبيين مع استقطاب حاد بين شرق وغرب تُغذيه الأطراف الخارجية، ففيما سعى الفرنسيون إلى فرض روزنامة تُتوَجُ بانتخابات كانوا يأملون أن تجري في العاشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي، يُتهم الايطاليون بالسعي إلى تسليم مقاليد الحكم إلى جماعات الاسلام السياسي، وتحديدا جماعة “الإخوان”، ولذلك فهم يُعرقلون أي مسار انتخابي في الوقت الراهن، لأن موازين القوى ليست في صالح حلفائهم. ومن أجل إلغاء الروزنامة الفرنسية دعوا الفرقاء الليبيين إلى مؤتمر باليرمو في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، الذي قوض كل ما بناه الفرنسيون، ولم يضع خريطة طريق بديلة. وتساند بريطانيا الموقف الايطالي، أما الولايات المتحدة فمنحت تفويضا للايطاليين على لسان الرئيس دونالد ترامب لإدارة الملف الليبي.
من هنا تبددت الآمال بتنفيذ الخطة التي وضعها مؤتمر باريس في 29 أيار/مايو الماضي بمشاركة الغريمين فائز السراج وخليفة حفتر، والتي بموجبها تم تحديد يوم العاشر من كانون الثاني/يناير الماضي ميقاتا لإجراء انتخابات عامة في كافة أنحاء ليبيا. واستطرادا لوحظ أن الأمريكيين، الذين غادروا المسرح السياسي الليبي منذ مقتل سفيرهم في 2012، عادوا بقوة من خلال تسمية القائمة بالأعمال في السفارة الأمريكية لدى ليبيا ستيفاني وليامز نائبة لرئيس بعثة الأمم المتحدة غسان سلامة. وتسبب هذا الانقسام الحاد في الموقف الدولي بالتخلي عمليا عن اتفاق الصخيرات، الذي انبثقت منه حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج في كانون الأول/ديسمبر 2015، والتي يعتبرها حفتر غير شرعية.
إنهاء دور السراج
حاليا لا تملك حكومة الوفاق الوسائل اللازمة لاحتواء تمدُد قوات حفتر نحو الجنوب، ومن ثم نحو العاصمة. وليس للمشير من رادع عن اجتياح طرابلس سوى عدم وجود ضوء أخضر من القوى الدولية والإقليمية الوازنة بإنهاء دور السراج. ويعزو حفتر تمدُد قواته نحو الجنوب والغرب إلى كونها تلاحق الجماعات المسلحة، ما يجعل القوى الكبرى تستحسن حملاته وتُبررها. غير أن توسُع جيش حفتر انطلاقا من الشرق نحو مدن الجنوب، لم يكن نزهة بسيطة، بالرغم من أن السيطرة على مدينة سبها تمت من دون قتال، ذلك أن الجيش وجد صدا من قبائل التبو الليبية في محيط مدينتي أوباري ومُرزُق، وهي قبائل عانت من التهميش والنسيان في عهد القذافي. أما عناصر قبائل التبو التشادية، الذين كانوا يتمركزون في الجنوب الليبي بحكم الفراغ وغياب الدولة، فقرروا الانسحاب نحو شمال تشاد لمتابعة حربهم على الرئيس ادريس ديبي، أحد أقوى حلفاء حفتر. وتوقع محللون أن تصبح قوات التبو القوة العسكرية الصاعدة في الإقليم، لاسيما أن لديها جيوبا في كامل المنطقة الممتدة من جنوب ليبيا إلى شمال تشاد. في المقابل أشارت تقارير صحافية إلى أن جيش حفتر اعتمد في معاركه الأخيرة على مرتزقة من السودان (المُتاخم لليبيا) وحظي بدعم من الطيران الحربي الفرنسي المُتمركز في تشاد.
قُصارى القول إن ليبيا لم تكن في أي وقت من الأوقات أبعد عن الحل السياسي مما هي اليوم. وتستثمر قوى دولية وإقليمية هذا الوضع للحصول على صفقات إعادة الإعمار، فضلا عن صفقات النفط والغاز. إلا أن الأوضاع الاجتماعية للمواطن الليبي في الشرق كما في الغرب، تزداد تدهورا من يوم إلى آخر، جراء ارتفاع الأسعار وشح السيولة وتدهور قيمة الدينار، بالإضافة لتضخم الفساد. والأرجح أن هذا الوضع مرشحٌ للاستمرار إلى وقت غير معلوم ما دامت هناك نخب متصارعة تستقوي على بعضها البعض بقوى خارجية.